حصيدة

من ذاكرة أبو محمود الطنبرجي

من ذاكرة أبو محمود الطنبرجي

سرقوا رئتي

مأمون الجعبري

حيّنا المتراكم على نفسه يشبه بقايا جيفةٍ نهشتها كل الضواري، وبذات الوقت تراه كبكاء شمعةٍ هدهدتها الريح فسكبت دمعها بكل الجهات، حين تمر بين أزقته تزداد تجاعيد جبينك يوماً بيوم، تملأ رائحة العرق والصراخ كل تجاوف رأسك، هكذا نحن نشبهه عشوائيين كما سمي بالحي العشوائي.

بين هذا الركام المتماسك بقدرةٍ غيبية، بقيت فسحةٌ لم تطلها يد الحاجة، وحرستها الشائعات بأنها ملكيةٌ عامة، فجعلوا منها حديقةً نمت فيها بعض شجيراتٍ ونُصبت مراجيح، حين يمتطيها أطفالنا تصدر صهيلاً وأنيناً، احترفوا امتطاءها بكل لغاتها، غير عابئين بنشيجها الذي يصرّ الآذان. بضع مقاعد لم يبقى من خشبها إلّا مايجعلنا نترحم على سراويلنا إن سهونا عنها، لا، لاتبتئسوا، هذه الرائعة كانت جنتنا، وإن لم تصدقوا اسألوا ليلى مهجتي الصغيرة، تلك البنية الغضوبة التي كثيراً ماهربت أنا وهي من بيتي بعد أن يبلغ عراكها مع إخوتها عنان السماء، وحينها كنت أشير لليلى بغمزة من عيني تدرك أن أرض الأحلام تنتظرنا، فتركض أمامي لأتبعها وفي يدي كرسيٌّ صغير من الخشب الذي يرافقني رحمةً ببنطالي الذي يملك  دلع الوحدانية وعراقة القدم، أجلس بينما ليلى تحتضن جنتها التي كانت تتمتع دوماً بغرابة الإدهاش.

 في هذه الجنة أذهل ليلى إصرار نملةٍ تجر قوتها، وهنا عرفت ليلى معنى الاستسلام حين رأت صرصوراً قُلب على ظهره، بل كانت ليلى تعرف هوية الربيع من برعمٍ بدأ يطل برأسه من بين حنايا غصن، وفيها تواعدت ليلى مع فراشةٍ تاهت، كثيراً ما حاولت ليلى أن تقلد الدوري في مشيته حين راقبته في جنتها، حلّقت مراتٍ ومرات، وذهبت بعيداً في أحلامها حين امتطت تلك الأرجوحة، وحين نعود كانت ليلى تتضرع كي نبقى بضع دقائق أخرى.

ذات صباح غادر استيقظنا على هديرٍ وغبار، وحين خرجنا كانت مجموعةٌ من الوحوش الألية تقتل بيت أحلام ليلى بلا شفقة، وعند كل اقتلاعٍ كان الدمع ينسكب من عيني ليلى غزيراً، وكانت تنظر اليّ بسؤالٍ كنت أعجز عن أن أجيبهاعنه، كانت تنتظر مني أن أهاجم الوحوش الذين يغتصبون طفولتها، ليستبدلوها بغرفة جباية، وكنت أبتلع بقايا كرامتي مشيحاً بوجهي مودعاً بقايا وطن.

برومو الشهيد ناجي الجرف