حصيدة

أين اختفت وثائق القصر العدلي بحلب؟!

أين اختفت وثائق القصر العدلي بحلب؟!

تحقيق: ليندا بلال

أثارت قضية تفجير مبنى القصر العدلي بحلب جدلاً واسعاً حول مصير الأوراق والملفات الهامة التي كان يحتويها، ففي حين اتهمت أطراف عدة كلاً من النظام والمعارضة بالتسبب باندثار آلاف الأضابير والوثائق الهامة التي كانت فيه، أكد عضو في اتحاد محامي حلب الأحرار وجود جزء من الملفات في أيد «أمينة» على حد وصفه، في حين يبقى الغموض سيد الموقف في الحرب التي يبدو أن «الحقيقة» أولى ضحاياها.

القصر-العدلي بحلب عدسة حلب نيوز
القصر-العدلي بحلب عدسة حلب نيوز

صبيحة السابع من شهر شباط 2014، تبنت الجبهة الاسلامية بالاشتراك مع مجموعة فصائل أخرى عملية تفخيخ وتفجير مبنى القصر العدلي في حلب القديمة بعد أن حوله النظام إلى ثكنة عسكرية، في منطقة تشهد أعنف الاشتباكات بين الطرفين خلال سعي كل منهما للسيطرة على مدينة حلب القديمة.

يؤكد قيادي في الجبهة الاسلامية و(لواء التوحيد)، أن ما تم استهدافه هو مقرٌ كبير لقوات النظام المدعمة بميلشيات شيعية. ويتابع: «كنا على علم بخلو المكان من كل شيء إلا مرتزقة النظام الذين كنا نسمع أحاديثهم على القبضات اللاسلكية المخترقة من قبلنا».

ولفت إلى أن «العمل متوقف تماماً في القصر العدلي منذ الاشتباكات التي جرت في محيط القلعة في بدايات دخول الجيش الحر إلى حلب ووصوله إلى المدينة القديمة في رمضان من عام 2012».

أسفر الهجوم عن مقتل نحو 30 عنصراً من قوات النظام بعد تهدم البناء بأكمله على رأس من كان فيه، لكن الهجوم أسفرَ أيضا عن خسائر أكبر لا تأتي الأخبار على ذكرها، بحسب ما يقولُ محامٍ من هيئة محامي حلب الأحرار، تلك الوثائق تقدّر بالملايين، أو ربما المليارات.

ما هي تلك الأوراق، وما أهميتها؟

تكمن أهمية الملفات والوثائق التي يحتويها القصر العدلي في كونها غير مؤرشفة بشكل إلكتروني يضمن الحفاظ عليها، حسب ما تؤكد جهات حقوقية عدّة، ويؤمن على هذا القول عددٌ كبير من المحامين المطلعين على مفاصل عمل القصر العدلي بحلب قبل الثورة، وضياع تلك الملفات أو تلفها يعدُ إزهاقاً لحقوق ملكيات المواطنين ويهدد بفقدان الدعاوى القائمة لقيمتها، بالإضافة لأحكام الجنايات المتضمنة مدد الحكم للسجن المركزي في حلب، وغيرها من القضايا التي ما تزال عالقة.

لكن المحامي (محمود حمام) عضو هيئة محامي حلب الأحرار بيّن لنا أن «النظام قام بتوثيق غالبية الملفات المهمة، ويفترض أن تقوم المعارضة بفعل مماثل. لا بد أن يتم الإشراف على التوثيق من جهات أو منظمات حقوقية».

وأضاف: عملية التوثيق هي عملية وطنية ويجب أن يكون هناك برنامج متكامل وخاصة بخصوص السجلات العقارية والسجل المدني».

وكان لفقدان هذه الملفات الدور الاكبر في صعوبة تسوية أوضاع مساجين سجن حلب المركزي، ما تسبب بكارثة إنسانية ما تزال قائمة حتى اللحظة، وفقدان المزيد من الملفات سيتسبب كوارث مستقبلية أكثر وأكبر.

ونبّه «حمام» إلى نقطة مهمة، تتعلق بـ (ديموغرافية السكان) في حلب، مشيراً إلى أنها «يمكن أن تتغير أو تزوّر بدخول أشخاص غير سوريين وغير موثوقين في السجلات، وبالتالي احتمال معاملتهم لاحقا على أنهم سوريون».

ماهي الوثائق التي وصلت لمحاميّ الثورة، وأين هي؟

بقيت الملفّات والدعاوي ووثائق أُخرى حبيسة القصر العدلي لمدة تقارب السنة، بسبب عدم إمكانية الوصول للمكان واحتراق صالة التنفيذ المدني في القصر العدلي نتيجة الاشتباكات العنيفة، لكن موظفي القصر العدلي قاموا بنقل الأضابير المهمة تباعاً، بينما استطاع المحامون الذين انخرطوا في الثورة الحصول على وثائق من نوع آخر.

كانت ملفات محاكم (البداية والصلح المدني) في مبنى (المحاكم المدنية) في حي الشعار حتى لحظة دخول الجيش الحر للمدينة، وبعد تعرض الحي للقصف لاشتماله على مقرات للجيش الحر، تم وضع ما نجا من الملفات في مستودع مغلق في الطابق الأرضي.

وأكد المحامي عبد الرحمن العلّاف عضو هيئة محامي حلب الأحرار أن الوثائق التي تخص المحاكم المدنية (الصلح المدني والبداية المدنية ومحكمة التركات) تم الحصول عليها بالفعل، مشيراً إلى أن هيئة (محامي حلب الأحرار) وبالتعاون مع (الهيئة الشرعية بحلب) قاموا بنقل أضابير المبنى المدني من منطقة الشعار بحلب (المواصلات القديمة) لمنطقة هنانو في رمضان قبل الماضي، وتم الحفاظ عليها في أكياس (نايلون) تضمن سلامتها، ومن ثم وضعها في أقبية تحت المحاكم المدنية ومحاكم الصلح.

ويتابع عضو هيئة محامي حلب الأحرار: «ولأن المنطقة كانت وما تزال تشهد قصفاً جوياً أدى لاستهداف مكان هذه الملفات لأكثر من مرة، تم نقلها مرة أخرى لمستودع في مساكن هنانو».

وفي سياق البحث عن الأوراق، أو ما تبقى منها، تبين أن الأوراق وصلت للمجلس الانتقالي الثوري الذي تم تأسيسه في وقت لاحق، ومن بعده وصلت الأضابير إلى مجلس محافظة حلب الحرة لفترة، قبل أن تصل أخيراً إلى المكتب القانوني في مجلس المدينة، حيث وضعت في مستودع لم يتم الإفصاح عنه، ولا يعرفهُ إلّا قليل.

وتخوف المحامي (محمود حمام) من المصير الغامض الذي يلف هذه الوثائق إذا كانت لم توثق، وقال: «هذه الملفات لا تمتلك دائرة القضاء نسخة إلكترونية منها، وجزءٌ من الوثائق التي حرّزت محفوظ لدينا، ولكن إلى متى؟» ويتابع: «هناك نسبة من المناطق خارج سيطرة النظام. من يحفظ حقوق هؤلاء بغياب الرقابة؟ يجب أن يعمل الجميع على توثيق هذه الملفات بشكل إلكتروني يضمن مصداقيتها أيضا».

ماذا عن وثائق القصر العدلي ؟

تشيرُ المعلومات التي تقاطعت من أكثر من جهة إلى أن النظام قام بنقل معظم الوثائق الهامة، لا سيما الجنائية منها، إلى مباي أخرى في مناطق واقعة تحت سيطرته، فيما يؤكد ناشطون على اطلاع بطييعة المنطقة والاشتباكات التي تجري هناك (محيط القصر العدلي) أن نقل الملفات أمرٌ صعبٌ للغاية ويحتاج لمصفّحات تقي الموظفين شر القناصة المنتشرة في المكان وعلى سطح قلعة حلب الخاضعة لسيطرة قوات النظام».

المحامي حمام أوضح لنا أن النظام تحفّظ على الملفات والوثائق الهامة وأخذ كل الأضابير إلى محاكم موجودة في بناية العداس بحلب، لا سيما أضابير القضايا «التحقيقية والجنائية» التي كانت لها الأولوية بالنسبة للنظام، وكان هناك مراسلون لنقل هذه الملفات.

ويؤكد لنا كذلك وجود وثائق لدى محامي حلب الأحرار تم الحصول عليها من الشعّار، ويواصل شرحه معقبا: «أما بالنسبة للقصر العدلي (عند القلعة) الذي يضم محاكم الجنايات والمحاكم الجزائية والاستئناف والمحاكم الإدارية، فلم نستطع الوصول له، حيث حاولنا في بداية التحرير أن ندخل للمبنى لنحرز بعض الاضابير وفوجئنا بأن النظام قد صنع من بعضها متاريس وأحرق بعضها للتدفئة في الشتاء!».

وتعرض القصر العدلي في وقت لاحق لسلسلة عمليات واشتباكات كان أولها تفجير جزء من مبنى قصر العدلي من طرف قسم تنفيذ النزع والمرآب الخاص بالنيابة العامة والقضاة في الجهة الشرقية القبلية للقصر العدلي، ومصير الأضابير هناك غير معروف حتى اللحظة.

الملفات التي تم ... القصر العدلي
الملفات التي تم … القصر العدلي

وثائق ضائعة بين المحرر والمحتل:

«تم إحضار الملفات التنفيذية أيضا، والمتعلقة بقسم المصارف وقسم النزع لوقوع غرفها بعيداً عن صالة التنفيذ المدني التي احترقت بالكامل، كما تم إحضار بعض ملفات الجنايات وقسم من ملفات قضاة التحقيق، طبعاً مع فقدان العديد منها».

ورداً على سؤال عن كيفية استخراج أي وثيقة في المناطق المحررة أجاب المحامي (عبد الرحمن علاف): «لا يمكن إصدار أية وثيقة قانونية في المناطق المحررة حاليا، لكن الهيئة الشرعية توثق هذه التعاملات الهامة للناس من زواج وطلاق وعقود إيجار وغيرها».

وتابع: «أما من جهة النظام فيمكن أن يتم استخراج وثائق تسمى بدل فاقد عن الأوراق التي فقدت من الأضابير القانونية الخاصة بها، مما أدى لوجود سماسرة تعمل بين الطرفين وتأخذ لقاء ذلك مبالغ مالية كبيرة، والتعاون يكون بشكل سري غالباً».

ونوه (العلاف) إلى أن المبنى الموجود في بناية العداس التابع للنظام يحوي قضاة بالتناوب، مع العلم أن الكثير من الوثائق الموجودة عند النظام يمكن أن يكون تتمتها موجودة في المناطق المحررة!».

أهمية التوثيق:

تقدر قيمة الأوراق مجهولة المصير التي تحتويها أروقة القصر العدلي في حلب بعشرات أو مئات المليارات حسب مختصين، ومهما كانت المآخذ على أسلوب التقاضي فلا مبرر لهدر حقوق المواطنين التي تمس الجميع، بأقوال مثل «لا قيمة لهذه الملفات، والإنسان أهم من الأوراق».

وفي ذات السياق يختم المحامي (محمود حمام) حديثه لـ حنطة بالقول:

«مما لا شك فيه أن النظام قام بتوثيق غالبية الملفات الهامة، ويفترض أن تقوم المعارضة بفعل مماثل. لا بد من ذلك. وأن يتم الاشراف على التوثيق من جهات أو منظمات حقوقية، حيث أن عملية التوثيق هي عملية وطنية بالدرجة الأولى، وعلى المعنيين أن يعوا هذا».

برومو الشهيد ناجي الجرف