حصيدة

الدفاع المدني في مدينة بنش.. تجربة طال مخاضها

الدفاع المدني في مدينة بنش.. تجربة طال مخاضها

تحقيق جمال نجد

بنش مدينة في محافظة إدلب، وهي أولى المدن التي ثارت في شمال سوريا ضد نظام الأسد، ساعدت كل المدن والقرى المحيطة في انطلاق أولى مظاهراتها، وعرفت بأنها نبض الثورة في شمال سوريا، وتعتبر هذه المدينة مرجعية لجميع القرى المحيطة بها وتأخذ طابعاً قيادياً يكسبها دوراً مؤثراً في المنطقة، كما تتنوع المشارب الفكرية في مدينة بنش، في حالة ديمقراطية فريدة.

فريق الدفاع المدني في مدينة بنش - خاص حنطة
فريق الدفاع المدني في مدينة بنش – خاص حنطة

ويقدر عدد سكان مدينة بنش بــ 50 ألف نسمة قبل بدء الأعمال العسكرية، أما الآن وفي ظل القصف المتواصل فيقدر عدد القاطنين بـ 20 ألف  نسمة كونها قريبة من  خطوط الجبهة والتماس مع النظام (القرميد- المسطومة – الفوعة).

وتقدر نسبة المباني المدمرة والمقصوفة بنحو 5% إلى 10% على الأقل، وتوجد منظومة إسعاف سريعة متمثلة بشباب من الهلال الأحمر والدفاع المدني ومسعفي المشفى الميداني في بنش.

التقينا السيد حسام بدوي مدير دائرة الدفاع المدني في مدينة بنش، وكان مبادرا ورحبا في استقبالنا والإجابة عن استيضاحاتنا.

«أن تصل متأخرا خير من أن لاتصل أبدا». هكذا افتتح حديثه السيد حسام بدوي، وما قاله كان ردا على سؤالنا له عن هذه الدائرة المنشأة حديثاً. تابع قائلاً:

«تأخرنا في إنشاء هذه الدائرة الإنسانية المهمة لأسباب كثيرة، منها عدم توفر الأدوات اللازمة للعمل الميداني، بالإضافة إلى أن الوضع الإنساني السيء الذي يعانيه سكان المدينة، وخاصة حالات الهلع والخوف أثناء القصف اليومي سواء بالمدفعية الثقيلة أو البراميل المتفجرة، وطرق إسعاف المصابين من قبل أشخاص غير مدربين وبطرق خاطئة، كل هذا كان يزيد الأمر سوءاً، حيث أنّك وفي هذه الحالات بحاجة إلى شخص هادئ ومدرب جيداً ويمتلك المعلومات والخبرة الكافية للتعامل معها، ومن هنا كان إنشاء هذه الدائرة ضرورة ملحة.

وعن الصعوبات التي تعاني منها دائرة الدفاع المدني في بنش، قال: نحن لا نزال نعاني من نقص في العدد والأدوات الثقيلة، مثل الجرافة والرافعة وسيارة الإطفاء والشاحنات الصغيرة  لحمل العدد الخفيفة التي تلزم في العمل الميداني، حيث إن شبابنا لا يزالون يستعملون دراجاتهم الآلية في التنقل وحمل هذه المعدات، كما أننا بحاجة ماسة إلى وسائل اتصال فيما بيننا في ظل عدم وجود أي وسائل في هذه الظروف الصعبة.

بالإضافة إلى أننا بحاجة ماسة إلى جهاز إنذار لتنبيه المدينة في حالات الطوارئ مثل القصف المدفعي أو تحليق الطيران الحربي لتنبيه الناس للنزول إلى الملاجئ. وأضاف  مضيفنا: نقوم بتدريب المتطوعين على مختلف أعمال الدفاع المدني مثل إنقاذ المصابين، سواء بالقصف أو الحوادث أو الكوارث الطبيعية وإطفاء الحرائق عند نشوبها. فريقنا معد ومجهز للقيام بالإسعافات الأولية، قالها باعتداد مشوب باللوم.

حوالي ثلاثين متطوعاً يعملون ضمن الدائرة حسب ما أوضح السيد بدوي، وهم مستعدون بشكل دائم للعمل في حالات الطوارئ.

«قمنا بتخريج خمسة عشر متطوعاً في الدورة الأولى». «الدورة التأسيسية» حسب تعبيره، وقال أيضاً: الآن نقوم بتخريج الدفعة الثانية المؤلفة من خمسة عشر آخرين، وأقول متطوعين لأنهم شباب من المدينة تقدموا تطوعيّاً فعلاً للعمل معنا، حيث أننا لا نمتلك أي دعم مادي ولا نتقاضى أي مرتبات، ومعداتنا بسيطةُ جداً، ونقوم بهذا العمل لأننا نراه واجب الإنسان نحو أخيه، ولا نستطيع ببساطة أن نقف مكتوفي الأيدي. من نقوم بإنقاذه أخي يعاني، أيا يكن.

وعن الدورة التدريبية إياها أردف: «مدتها سبعة أيام، تبدأ بثلاثة أيام يتم فيها إعطاء المتطوعين دروساً نظرية عن تنظيم الفريق وشرح آلية عمل المعدات التي سيتم استعمالها، بالإضافة إلى المعلومات النظرية عن كيفية إنقاذ المصابين، ثم يتم النزول إلى ميدان تدريبي لمدة يومين يتم فيهما تطبيق الدروس النظرية بشكل عملي ولعدة مرات، مثل كيفية إخراج شخص عالق تحت الأنقاض أو تدعيم مكان على وشك الانهيار، وآخر يومين نخصصهما للتدريب على الإسعافات الأولية».

وأشار السيد حسام بدوي إلى أن هذه الدائرة ستستمر في تدريب وتخريج المتطوعين، وستعمل المؤسسة جاهدة على نقل هذه التجربة إلى باقي المدن والقرى المحيطة.

«لا بد من وجود مثل هذه الدائرة، فكل المدن والقرى المحيطة تعاني نفس معاناة مدينتنا».

مهمة دائرة الدفاع المدني في بنش صعبة وشاقة ولا تتوقف عند حدود الإنقاذ والإسعاف، إنما لديهم مشاريع أخرى وصفها محدثنا بالتوعوية، قال: لدينا العديد من مشاريع التوعوية في مدينتنا، مثل التوعية لكيفية العمل في حال استعمال السلاح الكيميائي من قبل النظام، حيث سنقوم بطباعة منشورات حول هذا الموضوع، ونقوم بعمل جولات على المدارس التي لم تقصف وما زالت صالحة للتدريس لإحاطة الأطفال والطلاب بأشكال وخطورة القنابل العنقودية وغيرها، وهذا المشروع من أولوياتنا، حيث استشهد لدينا ثلاثة أطفال على الأقل عند لمسهم مخلفات قنابل عنقودية بسبب عدم معرفتهم بها وبخطورتها.

كل هذه الأنشطة، يتابع رئيس الدائرة، تتم بالتنسيق مع الهيئات الثورية الأخرى مثل تنسيقية مدينة بنش.

أين وحدة الدعم من جهود الدفاع المدني في بنش؟

«لم يقدموا سوى بعض المعدات البسيطة جداً مثل الجواريف وبعض الأدوات اللازمة لقص الحديد والإسمنت، بالإضافة إلى لباس موحد لكل طواقم الدفاع المدني التي تم تخريجها». هذا هو الحضور الذي تسجله وحدة تنسيق الدعم التابعة للائتلاف حسب ما يقول مسؤول الدفاع المدني في بنش.

الدعم المادي صفر تقريباً، يتابع بالقول، حيث توجد مثلاً مولدة كهربائية مقدمة من وحدة الدعم، ولكن لا أحد لا يسطيع تشغيلها بسبب عدم امتلاك ثمن الوقود اللازم لتشغيلها، ولم تنتبه وحدة تنسيق الدعم إلى أهمية تخصيص بدل مادي لتشغيلها إذا كانوا مخلصين في رغبتهم بالمساعدة. هكذا يوضح السيد بدوي معاتبا وبحرقة.

وبنفس اللهجة يتابع:

«في الحقيقة لا يوجد ما يلوح في الأفق سوى وعود بعيدة المدى وغائمة، وكما تعلم فالمركز بحاجة ماسة إلى دعم راهن وثابت ومستدام، حيث إن مدينة بنش تعتبر خط تماس مع النظام ومنطقة معارك وجبهات.

ونسأله فيما إذا كانت وحدة تنسيق الدعم خصصت أي مرتبات لمركز الدفاع المدني

فينفي بصورة قاطعة، ويؤكد: نحن لا ننتظر أي رواتب وما نقوم به هو خدمة لوطننا ونابع من إنسانيتنا. نحن لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ما يحدث في بنش بشكل خاص وفي سوريا عموماً، وهذا لا يعني أننا نرفض فكرة تلقي عائد مادي يعيننا قليلاً، ولكن في حال كان هناك إمكانية فقط. نحن مستمرون في أداء ما علينا من واجب.

«نحن نقبل الدعم من أي جهة ونقبله شاكرين، لكن بشرط أن لا يتم التدخل في عملنا أو محاولة منحه وجهة نظر سياسية أو خلافية».

وبدورنا ذهبنا إلى من استطعنا من مقابلته من وحدة تنسيق الدعم، فأكد (معتصم) مسؤول ملف الدفاع المدني في وحدة تنسيق الدعم ACU، أن بنش جزء من مشروع يشمل محافظة إدلب كلها، «الجزء المحرر منها طبعا».

ويقول موضحاً: عندما بدأ الشباب العمل في بنش أرسلت وحدة تنسيق الدعم معدات بسيطة، «معدات حقيبة»، ممكن حملها، وقبضات لاسلكية، ووزعت لاحقا معدات متوسطة، ثم قاطعات حديد وآلات للحفر وكشافات إضاءة ليلية.

يتابع معتصم حديثه بثقة واندفاع:

قدمنا رافعة تحمل بين خمسة إلى عشرة أطنان، ولم يقدم هذا لبنش وحدها. بنش هي مركز رئيسي يتبع له أكتر من مكتب فرعي، هي منطقة وسط ومركز بالنسبة للكثير من القرى، مثل سراقب وتفتناز وسرمين.

لا يبدو محدثنا مباهياً، لكنه أكد أن الوحدة لا تتقاعس فيما يمكنها عمله.

«مبدئيا هناك سيارات سترسل، هناك خطة متكاملة، ونحن نحاول أن نراسل الجهات المانحة لدعم هذه الخطة، الدفاع المدني لا ينبغي أن ينحصر في فئة معينة من الشباب، حصلنا على وعود كثيرة، ونحن نتفاءل دائماً.

سألنا الرجل عما هيأته الوحدة من وسائل للتعامل مع هطول البراميل المتفجرة على المدينة بين آن وآخر، فأوضح لنا في أسى أن دور الدفاع المدني في مسألة البراميل يأتي بعد أن ينزل البرميل أو الصاروخ؛ «لكننا نعمل على مسألة تأمين الاحتياجات الأساسية حتى يكون المركز قائماً بذاته ومستعداً بشكل احترافي.

يتابع معتصم:

«أهم ما نسعى إليه الآن هو تأمين المعدات الثقيلة، من سيارات إطفاء وتركسات وشاحنات، ومن مدينة التدريب نسعى لتدريب أكبر عدد من الكوادر، لكن التدريب يأخد حيزاً من الوقت والمادة، ربما أن مواصلة العمل هي الأسلوب الأجدى في مثل ظرفنا. بازدياد العمل تزداد الخبرة، ويزداد إدراك خصوصية كل حالة وطريقة التعامل معها.

وعن موضوع المرتبات التي قد تصرف أو كانت صرفت للدفاع المدني في بنش من قبل الوحدة قال إن «المعاشات» على حد تعبيره، وتأمين قطع الغيار، والمحروقات والوقود، والصيانة الدورية، تم قطع شوط جيد بها مع الجهات المانحة، إن ممولينا مقتنعون بأهمية دعم مجهود الدفاع المدني. «نحن نعدكم إن شاء الله، بخطة شاملة لمحافظة إدلب تقفز بالدفاع المدني إلى الأمام وتسهل أداءه وتعزز فرص إنقاذ الناس».

شباب الدفاع المدني يتدخلون في الوقت الذي يفر فيه الجميع. يذهبون إلى أكثر النقاط تعرضاً للقصف، وأكثرها تعرضاً لاحتمال تكراره، يرمون بأنفسهم في الحرائق لإنقاذ المدنيين. هكذا ختم مضيفنا كلامه مؤكداً على أهمية دور طواقم الدفاع المدني، ودعا كل من انشق عن النظام من الدفاع المدني أو الإطفاء، إلى العودة والمساهمة بخبراتهم. «الخبرة مهمة جداً.. وحرام أرواح الشباب تروح بغلطة»، هكذا؛ ببساطة توقف تحقيقنا عن حال الدفاع المدني في مدينة بنش. الكثير من الخراب، لكن مع الكثير من العمل، ومن الأمل أيضاً.

برومو الشهيد ناجي الجرف