جرن حنطة

من مسائل الثورة السورية(2)

من مسائل الثورة السورية(2)

مروان عبد الهادي

من مظاهرات مدينة بنش 2012
من مظاهرات مدينة بنش 2012

1-السلم الأهلي والثورة:

لاشك في أهمية السلم الأهلي، وسعي كل المجتمعات للوصول إليه، من أجل العيش المشترك الكريم. فالعنف ليس مطلباً إنسانياً، كما أنه ليس حاجة غريزية، كالخبز والماء. إنما هو وسيلة مكتسبة، يستخدمها الانسان من أجل السيطرة على الآخر. وتاريخيا يحتل العنف السياسي المرتبة الأولى في الصراعات الاجتماعية، باعتباره الوسيلة الأساس للحفاظ على السلطة، واستمرار السيطرة على المجتمع.

والمسألة ليست في الهدف فقط، أي السلم الأهلي ومفهومه الذي يُشير «إلى رفض كل أشكال القتل والقتال، أو الدعوة إليه أو التحريض عليه، أو تبريره». ومعنى السلم الأهلي «أن يعيش الإنسان حياته، ويمارس أعماله بحرية مسؤولة..»، إنما المسألة الأهم هي في الوسيلة، في كيفية وصول المجتمع إلى السلم الأهلي. هل يتم ذلك عبر التطور السلمي التدريجي، أم الثورة السلمية، أم الثورة العنيفة؟ لأن الوسيلة التي تعمل على تفكيك النظام القديم، تضع المقدمات الأساسية لوسائل وآليات إعادة البناء، «وإعادة تشكيل السلم الأهلي وفق قيمٍ جديدة أكثر عدلا..»، «فالوسائل للنتائج، كالبذرة للشجرة»، كما يقول غاندي.

وقد صدر عن مركز «المجتمع المدني والديمقراطي في سوريا» في عنتاب التركية، كتاب بعنوان «عوامل السلم الأهلي والنزاع الأهلي في سوريا» تكمن أهميته في أنه خلاصة ندوات لمشاركين شباب عايشوا أحداث الثورة السورية، بالإضافة إلى بعض الدراسات النقدية.

يرى دعاة الثورة السلمية «أن الثورات شرٌ لابد منه»، وأن «ممارسة السلطة أو الوصول اليها أو المشاركة بها لا يمكن أن تتم إلا عن طريقٍ سلميّ ديمقراطي». وإن «كل ثورة في العالم تقف أمام تحدٍ حقيقي، يجب أن تثبت فيه أنها نقيض الأنظمة المستبدة،  فتنبذ العنف، وتوطد التسامح  كقضايا لا تقبل التأجيل في مسارات الثورة ومآلاتها».

ورغم أهمية التغيير السلمي، إلا أنه تاريخياً لم يكن الوسيلة الأعم لانتقال المجتمعات من تشكيلةٍ اجتماعيةٍ اقتصادية، إلى تشكيلةٍ أعلى. إنما كانت الثورة العنيفة هي الوسيلة الأعم، إن لم تكن الوحيدة للتغيير. وتاريخ أوروبا الحديث منذ الثورة الفرنسية(1789) التي حملت لواء التنوير إلى كل العالم، هو تاريخ الثورات العنيفة. فهل تُوصف هذه الثورات بالشر!. بالتأكيد لا، فالتوصيف الأخلاقي لا يفسر الثورات وأهميتها، لأنه بدون الثورات عبر التاريخ الإنساني، لم يكن للبشرية أن تتقدم وترتقي في سلم الحضارة. وإذا كان الشر يكمن في العنف الثوري، وما ينتج عنه من مآسٍ وقتل وتدمير، فإن الواجب أن نعقل هذا الشر الذي لا يوجد إلا مع نقيضه الخير، وأن نفهم صراع المتناقضات كضرورة موضوعية تاريخية، بدلاً من أن  نصب اللعنات الأخلاقية. والثورة هي ضرورة تاريخية، لابد أن تحدث في أي مجتمع، عندما تصل تناقضاته الداخلية إلى مرحلة لم يعد فيها الإصلاح ممكناً.

لا يختار الشعب وسيلة ثورته، هل هي سلمية، أم عنفية، لأنه بالأساس ليس طالباً في مدرسة يمكن أن يختار الإجابة الصحيحة ويرفض الخاطئة. وبتعبير ماركس، فإن «الشعوب هي من تصنع تاريخها، ولكن لا تصنعه في ظروفٍ اختارتها هي، بل تحت ظروفٍ موجودة من قبل، ممتدة من الماضي..». هذا أولاً.

وثانيا؛ إن الشعوب لا تصنع تاريخها بقوة الأفكار والمبادئ فقط رغم أهميتها، إنما أيضا بقوة الإرادة، والعواطف، والمشاعر المتناقضة، والغضب المكبوت، والتي تحمل في مجملها، الانتقام، والغطرسة، والشخصانية، والكرامة..الخ.

وبالتالي لا يوجد مسطرةٌ حسابية لثورة شعب ما، كما أنه لا توجد مسطرةٌ واحدة لكل الثورات في العالم. والظروف التاريخية لكل مجتمع هي التي تحدد طبيعة ثورته ومسارها ووسائلها.

استولت الأنظمة العربية على السلطة بالعنف، واستمرارها في السيطرة بفعل العنف، والمجتمع خانعٌ بفعل العنف، ومازال يختزن في داخله العنف حتى النخاع، وكما يشير واقع الصراع فإنها لا يمكن أن تُسقط إلا بالعنف.

الثورة السلمية في مصر وتونس، لم تنتصر في حلقتها الأولى، إلا بفعل قوة الجيش، الذي توافقت مصالحه مع الشعب بأن يشكل قوة مستقلة ويضع نفسه فوق الجميع. واستثمر الغضب الشعبي وقام بالتضحية بالطاغية، بقصد امتصاص هذا الغضب، وإيقاف الثورة عند حدود إسقاط الطاغية، وليس إسقاط النظام. وكذلك اليمن، حيث تم ترحيل علي صالح بفعل هيمنة السعودية ودول الخليج على النظام اليمني.

2-الثورة في سوريا

من الوجهة المنطقية، مثلاً، كان يجب على الشعب السوري أن يبدأ ثورته، عند موت الأب-المأساة عام(2000)، ورفض توريث الابن-المهزلة. إلا أن التاريخ، والثورات في نشأتها ومسارها، لا تستجيب للمنطق الصوري، أو للعقلانية التأملية التي تعمل على رسم مسار التاريخ وفق ما يجب أن يكون، وليس كما يحصل بالفعل.

ولم تكن انطلاقة الثورة السورية انعكاساً آلياً لثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا، كما يراها بعض المثقفين، رغم أهمية هذا المناخ الثوري. فالمناخ والمزاج الشعبي كان جاهزاً للثورة. وقد توضح هذا المناخ الداخلي منذ البداية بوحدة المشاعر الغاضبة المكبوتة للشعب كله، وأهدافها الداعية لإسقاط النظام، والتي تجسدت بالانتشار السريع للثورة في كل المدن السورية، بمشاركة كل مكونات المجتمع، والذي لم يكن مبرمجاً، أو بحاجة إلى وصفةٍ مسبقة، أو برامج سياسية جاهزة. وكانت شعارات الثورة، وتسمية أيام الجمعة التي تشير إلى وحدة هذه المشاعر ضد النظام مثل: «للموت نحن معاك يا درعا، يا حمص، يابانياس.. الخ»، و«الشعب السوري واحد».. الخ

إلا أن نجاح النظام في وحشيته بقتل المتظاهرين، وإعادة الخوف، وتقطيع المدن إلى بؤرٍ أمنية، وحصرها في الجوامع، حتى يبرر للعالم وصفها بالعصابات السلفية المسلحة، لا يعني أن المناخ الشعبي العام لم يكن ملائماً للثورة، أو أن الثورة افتقرت إلى الوحدة الشعبية الوطنية.

وقد جسد الثوار في سوريا على الأرض كل القيم الثورية السلمية النقيضة لعنف النظام، مثل التظاهر، والاعتصام، مع الورود والشموع، إلا أن الثوار كبشر لا يملكون الطاقة المطلقة لاحتمال مواجهة الرصاص بالصدور العارية للأبد. ولم يكن أمامهم سوى حمل السلاح ليس من أجل الدفاع عن أنفسهم فقط، إنما أيضاً، من أجل استعادة الإرادة المسلوبة، والإحساس بوجودهم الإنساني كبشر، ولعدم قدرتهم على الاستمرار بالعيش في حظيرة الأغنام، ولمعرفتهم الفطرية بأن هذا النظام لا يسقط إلا بالقوة. فهل يمكن لأحدٍ أن ينصح الشعب أن يعود إلى الحظيرة؟

لقد انتهت مرحلة استجداء النظام كي يقوم ببعض الإصلاحات، كما كانت تفعل المعارضة القديمة خلال المراحل السابقة، ولم يترك النظام أية فرصةٍ للحل السياسي السلمي، أو التسوية مع الثوار الجدد. وتحول الصراع إلى صراعٍ وجودي مفتوح قطباه: إما الشعب، أو النظام.

الثورة الشعبية في سوريا هي ثورة سياسية وطنية بالدرجة الأولى. ومن الطبيعي مثل أية ثورة، أن تؤدي إلى انقسام واصطفاف جديد للقوى السياسية والمجتمعية على كافة المستويات بين مؤيد للثورة، ومعارض لها.

أولى هذه الانقسامات بين رموز المعارضة القديمة، والتي كانت تطالب النظام بالانتقال نحو الديمقراطية، فمن جهة، «هيئة التنسيق؛ التي أفسح لها النظام مكاناً في حديقته الخلفية كي تردد مع النظام «لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي»، دون أن يلتفت إليها حتى حراس الحديقة. وبالمقابل، المؤيدين للثورة، والذين شكلوا «المجلس الوطني السوري»، ثم تحول إلى «الائتلاف الوطني»، والذي فشل في النهاية أن يكون قائداً سياسياً للثورة.

وثاني الانقسامات التي نجمت عن انفجار المجتمع، وهي الأخطر، وبروز المكونات المستنقعية ما قبل الوطنية للمجتمع، والتي أظهرت السلم الأهلي المزيف، وهشاشة الوحدة الوطنية الساكنة تحت ظل الاستبداد، وهشاشة النسيج الاجتماعي، الذي يشكله التنوع الطائفي والقومي، والذي أنتج تاريخياً «هويةً هجينة لم تتأصل بعد»، انفجرت مع تسارع الصراع المسلح، و«أحدثت انقساما عمودياً على ذلك التنوع الأفقي، ليزيد من تشظي الهوية السورية»  كما لاحظت بحق ناريمان عامر.

وقد تجذر الانقسام بشكل أعمق، بسبب فشل الثوار في ادارة المناطق المحررة وتقديم نموذج لقيم الثورة، ومبادئها في الحرية والكرامة، بحيث كان يمكن أن تشجع الاغلبية الصامتة من كل الطوائف على الانضمام الفعلي للثورة.

ومع استمرار سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها النظام وفق شعار: «إما أنا، أو لا أحد»، «إما الاسد، أو نحرق البلد». يتكرر السؤال مع كل صباح، ومع كل مجزرة جديدة، حول طبيعة هذا النظام وبنيته، الذي يحرق الشعب والمدن بطريقةٍ لم يفعلها كل الطغاة في العصر الحديث.

 وهذا يضعنا أمام «المسكوت عنه» منذ قيام الأب بالانقلاب عام (1970)، بسبب تجريم النظام لأية مقاربةٍ للحديث عن بنية النظام. لأن أي حديث عن بنية النظام سيؤدي إلى تعرية النظام ببنيته الطائفية، وحتى يبقى «هو الوحيد محرك التطييف الوحيد الذي عمل على تقسيم المجتمع والدولة طائفيا»، كما لاحظ محمد ديبو في الكتاب المذكور.

وبدون الخوض في التفاصيل، فقد كشفت الثورة البنية الطائفية للنظام «ودولته الأمنية الطاغية التي التهمت المجتمع والدولة» بتعبير طيب تيزيني. ورغم الانشقاقات الكثيرة والاعتقالات والتصفيات الدموية التي تعرض لها الجيش، استمرت بقايا الجيش والأجهزة الأمنية متماسكة، وهي العصب المركزي للنظام، بسبب انتمائها الطائفي الواحد «العلوي». بالإضافة إلى استقدام الميليشيات الشيعية من لبنان وإيران والعراق. وتشكيل محور طائفي شيعي إقليمي في المنطقة ضد الثورة، التي يتم جرها إلى المحور الآخر «السني» بقيادة السعودية.

والذي يفسر شراسة العنف وفظاعته، ليس لأن النظام «استبدادي»، أو «سلطاني»، أو «شمولي»،  إنما كونه عنفاً طائفيا أولاً. ولأن هذه الطائفة أقلية ثانياً. والملاحظ تاريخياً أن عنف الأقلية الطائفية أكثر شراسة من عنف الأكثرية. وهذه البقايا المقاتلة لا تدافع عن الطائفة والأقليات الأخرى، كما يدّعي النظام، إنما تدافع عن مصالحها الخاصة التي اكتسبتها كسلطةٍ مسيطرة على المجتمع كله. ولأن النظام مكشوفٌ أمام الأقليات وأمام أغلبية العلويين خاصة، فقد فشل في دفع هذه الطوائف باتجاه الحرب الأهلية الطائفية حتى الآن.

والمقاومة السلمية، كي تنجح بحاجة أولاً إلى هامشٍ للحركة، وللرأي، مكانٍ للاعتصام وللشموع، وثانياً: أن يكون النظام يملك «حداً أدنى من الضمير والحرية بحيث يمكن في النهاية أن يوافق على التفاوض». وهذين الشرطين غير متوفرين على الإطلاق في النظام السوري. فالنظام الذي يقتلع حنجرة شخصٍ عبر عن رأيه ضد الطاغية (القاشوش مثالاً)، ويقطع قضيب طفل (حمزة الخطيب) لأنه تبول على صورة الطاغية، لامثيل له في العصر الحديث. وطائفيته ليست «حديثة»، كما وصفها بدرخان علي. إنما طائفية موغلة في القدَم، وتحمل كل الحقد التاريخي الملوث بالدم.

ولذلك كان قَدَر الثورة السورية أن تكون عنيفةً، فالشروط الموضوعية للتغيير، وبشكل رئيسي بنية النظام، هي ما أفشل كل المحاولات للتغيير السلمي، وبالمقابل أنتجت الثورة العنيفة في سوريا كضرورةٍ موضوعية، لا يمكن لأحد أن يمنع حدوثها.

فالسلم الأهلي لا يمكن تحققه، إلا بإنجاز السلم السياسي، والعدالة الاقتصادية، والمجتمع السوري لن يدخل بوابة السلم السياسي والأهلي إلا بانتصار الثورة. وأقصر الطرق هو  دعم الجيش الحر حتى إسقاط النظام، وتأسيس دولةٍ مدنية ديمقراطية لكل السوريين.

وعلى منظمات المجتمع المدني التي تتكاثر كالفطر، أن تلعب دوراً مهماً، ليس في نشر ثقافة السلم الأهلي، وقبول الآخر، والديمقراطية والعلمانية فحسب؛ إنما أيضاً يجب توجيه الشباب باتجاه تنشيط الجانب السياسي والمدني الداعم للثورة، وليس أن يكون متناقضاً معها. وعدم تبديد جهودهم وزرع الأوهام عندهم بإمكانية تحقيق السلم الأهلي مع بقاء النظام، أو بالتسوية معه ضمن صفقة دولية، أو البحث عن ثورة الياسمين، أو العودة إلى حظيرة النظام والسلم الأهلي المستنقعي تحت وصايته.

برومو الشهيد ناجي الجرف