جرن حنطة

المثقف السوري والدولة- قصة ولاء

المثقف السوري والدولة- قصة ولاء

خضر سلمان

لافتات كفرنبل 2013
لافتات كفرنبل 2013

الحنين لسوريا التي كانت، أمرٌ طبيعي بغض النظر عن إحداثيات هذه اللحظة. ليست هذه هي النقطة، لكن اتخاذ هذه اللحظة العاطفية «البسيطة»، أساساً لخطاب النخب السورية التقليدية، حد تماهي سوريا ما قبل الثورة -قيد الأسطرة- مع مكان اليوتوبيا في الذهنية السياسية عند هؤلاء، واستلهامها، مرةً كنموذج لتعايش الطوائف، ومرةً كمرجعية لتعريف السوريين وأفكارهم وأنماط اجتماعهم (التي هي أفكار وأنماطٌ لمستبَدٍّ بهم، مجمَّدي الوجود والإرادة والقوة)، كل هذا يجعل من الشرعي والثوري والضروري، سؤال: لمَ سوريا التي تريدها النخب التقليدية المحسوبة على الثورة، تشبه سوريا التي يرعاها النظام ويقوم عليها قوامةً كاملة، كل هذا الشبه؟ هذا ليس مريحاً..

ثورتنا «الهدامة»

يخوض السوريون ثورة تشبههم، في مآلاتها الحادة كما بدايتها المتعثرة المجامِلة الوطنية، ولا ينقض هذا -بل يؤكد- الاستنتاج أن الثورة السورية تمضي أعمق، وبدأبٍ، في حساسيةِ وراهنيةِ ما تفرضه وتعالجه من مشكلاتٍ وأسئلة، وما تبنيه وتنبني عليه من مفاهيم وقضايا سوسيولوجية، فحتى لو كان أداء خطاب النخب السورية التقليدية الذي فرض نفسه -من قلة الخيل..- في الأشهر الأولى للثورة، متهافتاً وسلطوياً، إلا أن هذا الخطاب كان حقاً سمة الإيقاع العام للثورة آنذاك، لأن مجتمع الثورة كان حسن النية ومبادراً، فمتظاهرو درعا وساحة العاصي في حماة، وبانياس وريف دمشق ودير الزور..، كانوا صادقين ومدركين حين هتفوا للدولة المدنية و«طمأنوا» الأقليات والبرجوازية، وخيمة الوحدة الوطنية في اعتصام الخالدية كانت حمصيةً بعمق. لنقل مبدئياً إنه كان القدْر المقدور عليه من «الأريحية» أمام مستوى القمع الماثل في الأشهر الأولى، الذي كان بصورةٍ ما متحكَّماً به وغير منفلت، نسبياً طبعاً، بالقياس إلى ما تناهى ويتناهى إليه من لامعقولية. هذا كله لم يُتوقَّع حينها أن يؤول إلى سرديةٍ ريفيةٍ طبقيةٍ هوياتيةٍ عنيفةٍ، في وجه العدو الذي يتعرى بحكم الإيقاع الدموي للحدث السوري، إلى حقيقته: نظام البرجوازية والعسكر، المديني المرجعية، الأقلّيّ الهوى، المستبِدِّ بالتكوين.

على أية حال، من السهل باستعراضٍ زمنيٍّ سريع، استنتاج أن عاملاً ما أو مجموعة عوامل لم تستطع حرف الخط التصاعدي للثورة السورية، الذاهب بالتناقضات إلى أقصاها، كما بمسار الصراعات الثورية الخارجية: صراع الثورة مع النظام، وصراعها مع العوامل الكابحة للثورة، والداخلية: صراع «التعبير عن»، وتمثيل الثورة، بين الدوافع الحقيقية الكامنة وراء حسم شكل الثورة وخطابها «النهائي»، والدوافع الرسمية الماثلة في الخطاب المعلَن والمتبنَّى من قبل معظم التيارات والتشكيلات الثورية والسياسية التي تدعي أو تحاول تمثيل الثورة، حتى الجذرية منها، القاطعة مع العالم «المتمدن»، كـ(النصرة) و(دولة العراق والشام)، التي ينطوي خطابها هي الأخرى على تقويَّةٍ من طبيعةٍ مدرَّبةٍ بفعل التطوير المتوهِّم غير المطابِق لأسئلة الهوية والاختلاف، على التبلور عكسياً في تطبيقات الإيديولوجيا على معتنقيها، ومؤدلَجة بعيداً عن هذه الطبيعة، بعداً لا مُفارَقةً.

تنطوي شعارات المرحلة الأولى من الثورة، الوطنية، المضبوطة، الإصلاحية الروح، على قبول ضمني بالتعريف العام للنظام عن الدولة السورية والشعب السوري. كانت الحكاية الوحيدة المتوفِّرة عن الوطنية السورية هي هذه التي لقننا إياها نظام البعث عبر سنيّ التجريف. تبدأ هذه الحكاية من شعب عربي في سورية، تام الخلقة، متنوع في إطار الوحدة، «طرأ» عليه العثمانيون، ثم صحا في أول القرن العشرين، ثم عاد الفرنسيون فاحتلوه -يا لهذا العالم- فثاروا عليه بثورة سورية كبرى متنوعة في إطار الوحدة -هي الأخرى-، ثم درج هذا الشعب بخطى تسرع وتبطئ وتتعثر بعد الاستقلال في تحصيل المكاسب لمعركة الأمة في الخط التقدمي العربي ضد الصهيونية والإمبريالية و..، إلى أن استلم البعث السلطة، فأراح المجتمع السعيد من عبء النضال والتفكير مرة وإلى الأبد.

لنقل إن الثورة السورية ابتدأت من تشكيك في شرعية البعث (لا المنظومة العميقة الكامنة وراء إنتاج شكل السلطة على ما هي عليه)، وبالتالي التشكيك في الجزء الأخير -وحسب- من هذه الحكاية اليتيمة، واعتماد، بل تبني باقي الحكاية، وكان أن سمعنا أسماءً للجُمع من نوع (جمعة الشيخ صالح العلي)، (والجمعة العظيمة)، وتم تبني علم الاستقلال، بما يقول إصراراً ما على الإشارة إلى أنها ثورة تنطلق من، وتستهدف الشعب السوري «الواحد».

اليوم، كل هذا تغير عبر سيرورة التجذير المتبادلة بين الفعل الثوري ورد فعل النظام العنيف، ورد فعل الثورة على عنف النظام، هذه الحلقة من التأثير مفتوحة عمودياً على هوة عميقة تحفر فيها الذات السورية، متصديةً للتناقضات الأكثر حساسيةً و«حرمةً»، نحو وضعٍ عادلٍ يشعر فيه الإنسان بالكرامة والاكتفاء والأمن والعدالة والحرية، وضمان حق هذا الإنسان في الدفاع عن كرامته وأمنه وحريته وحقوقه، في وجه كل ما قد يهدده، وأولاً السلطة وميول الاستبداد القابعة في أساس بنيان المنظومة المعرفية الفاسدة لنخب المجتمع السوري، التي ما تزال تجد الشجاعة حتى اليوم لادعاء تمثيل الثورة وشعبها.

لافتات كفرنبل 2011
لافتات كفرنبل 2011

(المدنية الديمقراطية) ومنطق التنازل

لم تبدِ النخبة السورية التقليدية -باستثناء الأشهر الأولى- مواكَبَةً واعيةً للثورة السورية التي فككت وتفكك الحكاية القديمة الوحيدة عن الوطنية السورية (بما يقوله هذا التفكيك من شجاعةٍ في مرتكبيه، شجاعة هدم الكذبة دون الخوف من وحشة فقدان مرجعية معرفية شموليةٍ من نوع الوطنية السورية البرجوازية التي طعمتها الأقليات، بهويةٍ غيرِ مركبة، وحسمٍ ساذجٍ لأسئلة جدية لكل ذات، أسئلة مَن نحن وأين نحن من كل شيء. يبطِن هذا التفكيك الذي يمكن القول الآن إنه ثابت من ثوابت الثورة، أيضاً، إعادةَ نظرٍ في طبيعة الهوية وضرورتها وحجمها في الذات الجمعية للسوريين، أي أكثر من مجرد البحث عن وسيلةٍ لإرواء عطش الهوية). أكثر من التردد، استمرت مراجعات من قبيل (شعار إسقاط النظام كان خطأً)، و(رفض «شيطنة» النظام وحوامله)، تسمع بين الفينة والأخرى، وحتى اليوم، بعد القتل والسحل والقصف والتهجير و..

هنا يبرز سؤال: إذا كان إسقاط النظام هدفاً مقبولاً ومنطقياً للجميع، إذا كان نزع الشرعية عن البعث وآل الأسد، نتيجةً منطقيةً لانتفاء الرابطة بين النظام والشعب، وإذا كانت الطبقة السياسية قبلت هذا، لمَ يستمر هؤلاء في إنكار أن هذه الوطنية الدولانية تهاوت تحت وطأة واقعٍ اختباريّ جدي (لأول مرة)، مما يعني أنها كانت دائماً تعيش على الكذب والرعب؟ وأن سلة مبررات وجود الدولة السورية كما هي عليه، تسقط مرةً واحدة أمام معركةٍ جذريةٍ ضاع فيها «الإخوة» بين إرهابيين وعملاء وكتائب احتلال أسدي وشبيحة و.. وأن دولة الأسد عملياً هي المعلم الوحيد المتبقي من الوطنية السورية الكلاسيكية المتمحورة حول الدولة والدائرة في فلكها، الدولة التي تبقى فوق الكفر بها مهما اختزلت ذاتها في عصابة، ومهما كانت جامحة القوة والتسلط، ومهما تعرّت أقنعتها. هذه الدولة نفسها، وليس أي شيءٍ جديد، هي ما ينادي من ينادي لصونها والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من إرثها، من بيروقراطيتها وجيشها وأجهزتها وبناها العميقة. يشرح هذا كم أن فهم الثورة بما هي فعل وصيرورة، غير ثوري عند هؤلاء. الأمر بالنسبة إليهم ليس أكثر من خروج مؤقت عن القانون، مؤقت وجراحي، لحين تدبر أمر عدم السماح لهؤلاء الجهلة بإسقاط الدولة- الأب، وبالتالي الأساس الاقتصادي والاجتماعي العميق للنظام السياسي القائم، المستفيدةِ منه أطرافٌ شتى، لأجل أن نعود جميعنا في النهاية إلى أفياء هذه الدولة الرؤوم، التي ستكون دولة «قانون»، أي دولةً أكثر، دولةً أشد إمساكاً بالمجتمع وأكثر ارتباطاً ببناها الفوقية (دولة مدنية)، وليس الخروج الثوري: الخروج عن «القانون» أبداً، والقطع مع مناخ الاستبداد ومفرداته قطعاً.

ملاحظة أخرى: بتطوير كل هذه الأسئلة، والبحث في موتورية الخطاب الثقافي السوري في دوائر الثورة، سنجد أن ما حاول كثيرون أن يقولوا إنه التحاق بالشارع، وانقيادٌ للجماهير (نفس الجماهير غير الموثوق بها، المحتاجة لــ»التنوير»)، في شعبوية رعناء واستغباء إنشائي لجدية الفعل الثوري وجدية التضحيات، سنجد أن ما وصف بأنه تبعية النخب للشارع، لم يكن في حقيقة الأمر إلا سيرورة شد وجذب، تنوس فيها النخب بحركةٍ دَورية، من الممانعة إلى التنازل إلى القبول.. ماذا يعني هذا؟ يعني الكثير، وأوله أن حقيقة اصطفاف الوسط «المدني» هي -في ذهنية هذا الوسط أولاً- اصطفاف في وجه الثورة لا معها، ومعركةٌ بين شعب الثورة (غير «الواعي»، العفوي والجامح)، والشعب المأمول، الشعب الذي كان، والذي «ينبغي أن يكون»، أي البرجوازية ومثقفي المدن من ذوي المنابت الريفية الأقلية، الذين يكنون شيئاً أقرب للاستلهام الدوني تجاه المدينة السورية العريقة، معركة بين الفوضى وبين الدولة كقيمة، بين المتغير الثوري والثابت «الوطني»، الذي يحميه المثقف المتصدي لمهمة شد الثورة دائماً إلى ضفة النظام (يسمونه «العقل» أحياناً)، حتى لو كان هذا التعقل يحيل إلى تكريس الظلم (حين يحيل إلى أي شيءٍ غير العدالة، غيرِ كشف الحساب مرة واحدة، للتأسيس لمناخٍ صفريٍّ ملائم لتجربة بناءٍ مجتمعيةٍ حرة، لا يفرض فيها أحد على المجتمع قوالب ليتوضع فيها، بما يناسب مصلحةَ هذا أو ذاك، ومهما تعب هذا أو ذاك ليمرر من الـبديهيات، كـ»حتمية» الحداثة، و»الدولة المدنية»، وهو ما سنجد أنه –عند استنطاق فهم أصحاب هذا الطرح لمصطلحَي تحديث المجتمع والدولة المدنية- ليس أكثر من سوريا الأسد بدون الأسد).

تعيش هذه «الليبرالية الوطنية» المثقلَة بإرث الإشكال غير المحلول بين الريف والمدينة، وسؤال «التمدن» المرير، والاستعلاء ومركبات النقص الحضارية تجاه الغرب والشباب والثورة والمستقبل (كل شيءٍ تقريباً)، تعيش لحظةً صعبة، أمام صيرورة حية لانعتاق هذا الكل الثوري من الاستبداد، وبعمق، والشعور بأن هذا الكل الطالع من قيعانِ المجتمع وهوامش الوجود، والذي كان دائماً ثانوياً وسلبيّ الأدوار في وعي النخب السورية، يرتكب خيانة، يفارق الخطاب الذي طالما صنعناه له عن كيف ينبغي أن يثور وماذا ينبغي أن يقول وألا يقول. ثورةٌ مراهقة لا تستمع إلى نخبها..

هناك من عاش هذه اللحظة أيضاً في سوريا: إنه النظام، الذي يتقارب اليوم، أكثر من أي يوم آخر، في خطابه وما ينبني على هذا الخطاب، مع «معارضيـه»، المتباكين فرَقاً على الكيان «الواحد»، والدولة والمؤسسات، وتجهد مكناتهم الثقافية والسياسية لـ»عقلنة» المد الثوري الذي يهدد بنسف هذه المنظومة الهشة الكاشفة عن طبيعةِ القوى المحركة لطاقات التسلط والتحكم بالمجتمع، من أجل أن تتوجه دفة «الوطن» دوماً بما يخدم مصلحة طرف واحد أو أطراف متحالفة، متحالفة بالضبط على إعادة إنتاج هذه الـ«سوريا» إلى الأبد، بأسماء مختلفة، يقترح هذا المقال أن أحدها (الدولة المدنية الديمقراطية التعددية..).

إذن كان النظام على حق عندما قال إن ثورة كهذه لا تستهدف ما تقول به من تغيير، بل ستقوض الدولة السورية والكيان السوري أصلاً؟ غالباً نعم، فهو يعرف دولته جيداً.

خاتمة: في اللحظة لسورية وجيوش الشعب «الواحد»

تدور هذه النقاشات وغيرها، فيما الواقع الميداني للثورة السورية يصبح أعقد، ويهدد بنسف التوازن القلق في المنطقة، الذي استمرَّ مرعيَّاً من قبل الأنظمة التقليدية القائمة والغرب، وتضيع في هذا الزحام كل الدعاية السياسية التي تطلقها الأطراف المتحاربة في سوريا، لتكون الكلمة على الأرض للّاحسم، والمزيد من الدماء والمراوحة، وتثبت وقائع اللحظة السورية أنه –اليوم كما بالأمس- لا شيء كفيلٌ بضخ الحياة والتفاؤل في أيام المغلوبين على أمرهم والحالمين بظروف أفضل وحياة كريمة ووضع عادل، إلا بإيقاف فوهة الموت الماثلة في وجوه الجميع، ولا يكون إيقافها إلا بإسقاطها، وإسقاط المنظومة التي ترعاها وتغذيها.

إذن، في مقابل حالة مسلحة كردية قوية في الشمال، تتأسس على قضية كردية قديمة ومجروحة، ويعضدها التفاف شعبي كردي لا يستهان به، وفي مقابل الحالة الإسلامية المتصاعدة القوة والطامحة للحكم بوضوح وبلا كثير توريات، والجيش الحر الذي لم يبارح –برغم محاولات «المأسسة»- حالة المقاومة الأهلية غير المنظمة إلا على نطاقاتٍ محلية، وجيش النظام، وجيوشه الرديفة من كتائب الشبيحة وجيش «الدفاع الوطني»، في مقابل كل هذا، يبدو البناء على دولة وطنية سورية جامعة بشكلها الحالي، أو التأسيس لعقدٍ وطني ما، ترفاً سياسياً وسباحة في الوهم، وتصبح الحاجة أكبر إلى طبقةٍ سياسية وثقافية ثورية ومتجاوزة لذاتها، تسحب اللحظة الثورية إلى ميادين الفكر والجدل السياسي والثقافي، وتؤسس لدورٍ جذريٍّ للشباب الثوري في صناعة المتغيِّر السياسي في البلاد والمنطقة، بشكلٍ يضمن حقوق الفئات التي حملت وحدها عبء الثورة الضخم، وتهدمت حياتها التي كانت في الأصل ضحلة الموارد وقهريّة الإيقاع ومتحكَّماً بها بوحشية، وخسرت كل شيءٍ.

لا تتحقق سيرورة بناء من هذا النوع إلا بمواجهةٍ صارمةٍ وقاطعةٍ مع كل من يعمل لإرجاع الزمن إلى الوراء واستحضار مفردات الاستبداد. مواجهةٌ معرفية لا بد منها، الرهان فيها كما كان في سواها، على وجدان الثورة السورية الخلاق، الذي ينجز –وحيداً حتى الآن- القفزة التاريخية من مجتمع الرعب إلى مجتمع الحرية، ومن الإنسان المستلَب إلى الإنسان الفعال.

برومو الشهيد ناجي الجرف