حكايا البيدر

الجزيرة السورية والسلم الأهلي تشعلون الحرب كي تغطوا على هزائمكم

الجزيرة السورية والسلم الأهلي

تشعلون الحرب كي تغطوا على هزائمكم

أسامة أحمد

تشكل حقوق الإنسان الحد الأدنى المطلوب لنا نحن البشر كي نعيش في أي مكان بحريةٍ وكرامةٍ وسلام. السلام الذي نسعى إليه تلبيةً لحاجتنا في العيش والتعلم والعمل بأمان، ومصلحةً يسعى إليه الجميع، وتهم العامة كما تهم الخاصة، ويتحدث فيها الأفراد العاديون كما يتحدث فيه المتخصصون في السياسة والناشطون في مجال السلم. حق الحياة قيمةٌ إنسانيةٌ مهددةٌ دائماً بشتى الوسائل وفي كل الأوقات.

منطقة الجزيرة التي تمتد عبر شمال شرقي سوريا، وشمال غرب العراق، وجنوب شرق تركيا، هذا المثلث الحيوي بكل ما يملكه من خصائص ومقومات، والمعروف بتعدده العرقي والطائفي والمذهبي من العشائر العربية  والكورد، السريان، الاشوريين، وغيرها من الإثنيات، تربطهم تراكماتٌ من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية عبر سنواتٍ من العيش المشترك. على الرغم من السياسات التي كانت تُمارس عليهم فقد حافظوا على الحدود الدنيا على الأقل من العيش المشترك فيما بينهم.

كما باقي المناطق السورية مرت على الجزيرة الكثير من الصراعات في ظل الثورة السورية، وبدأت الوسائل الإعلامية على مختلف أنواعها وتوجهاتها بالتحذير من وقوع اقتتالٍ أهليّ وطائفي بين أبناء منطقة الجزيرة، كصراعاتٍ محليةٍ تغذي الصراع الرئيسي الدائر في سوريا. وكثُر الحديث عن الاقتتال الأهلي ضمن منظومةٍ دعائيةٍ مبرمجة. تبدأ من مسؤولي الدول الخارجية، وتنتهي بأصغر ندوةٍ أو بيانٍ صادر من أطرافٍ محلية معينة، والتعبير عن مخاوف غير مبررة، وتصعيد في مواقف تغذي الانقسام وتزيد المخاوف لدى العامة.

يشترك أهالي منطقة الجزيرة في سوريا بقواسم اقتصادية واجتماعية وعلاقات تبادلية تفاعلية متينة. من الغير الوارد أن تسقط بسهولةٍ، بل من غير الوارد أن ندعي أن هناك انقسام مجتمعي أفقي. فالنزاعات تنشأ بين الأهالي على المصالح والحاجات. حاجات اجتماعية ومادية وحقوقية. تربط أهالي هذه المنطقة مصالح مشتركة لتلبية حاجاتهم ضمن منظومة من السلم، فالخيار السلمي خيار استراتجي لأهالي هذه المنطقة، والحالة السكونية المجتمعية التي شهدتها سوريا قبل الثورة السورية لا تنطبق على منطقة الجزيرة. فالحراك المدني في مدن هذه المناطق لديها من الإرث والتجربة لدى تنظيماتها وأبنائها تستطيع أن تخلق حالة تفاعلية تلبي حاجات الناس.

وقد أقيم في هذه المدن الكثير من المبادرات والمجالس السلمية التي اقتصر عملها في التدخل في نزاعاتٍ وخلافاتٍ فردية، لم تكن لهذه النزاعات القدرة على تغذية صراعٍ عنفي طائفي أو عرقي، وتحدّث الكثير من المنظرين عبر ندواتٍ ومحاضراتٍ ولقاءات عن تهديد السلم الأهلي في المنطقة دون التطرق إلى معطياتٍ تؤيد نظريتهم أو حوادث يستشهدون بها، عدا حوادث فردية تحصل أينما كان وفي أي وقت كان.

لا يعني بالضرورة أن الوعي السائد بأولوية السلم الأهلي والمخاوف المترتبة عليها هو وعي يتسم بالاتساق والوضوح المفهومي والمنهجي. سنواتٌ من التعتيم والسكونية الاجتماعية والسياسية نتج عنها مفاهيم عن السلم الأهلي مبنية على أسسٍ خاطئة، انعكس من خلالها مفهوم العقد الاجتماعي السائد في سوريا «القمع مقابل الأمن»، هذا العقد الذي عملت عليه السلطة في سوريا في العقود الماضية مولدةً ثقافة الخوف من التغيير وحياةً اجتماعية ذات صبغة أمنية.

يعمل ناشطون في المجال المدني في منطقة الجزيرة على برامج حول تحليل واقع الجزيرة السورية، ترتكز على المنهجية النقدية في خلخلة الأفكار والمفاهيم الراسخة، مما قد يفتح المجال لتشكل أفكار ومفاهيم جديدة على أنقاض التصورات السائدة، ويساهم في إنتاج معرفةٍ مجتمعيةٍ جديدة، سواء على المستوى البحثي أو مستوى الثقافة الشعبية المتداولة، ويقوم المنهج على فصل القول الأيدولوجي في خطاب السلم الأهلي، عن الفعل المعرفي الأكثر مصداقيةً وتحييد عوامل النزاع الأهلي وإيجاد مشتركاتٍ اجتماعية جديدة، وتعزيز صماماتٍ للسلم الأهلي كانت سائدة. كما بدأ ناشطون في بيت مانديلا بإطلاق برنامجٍ من الجلسات الحوارية تشارك فيها شخصياتٍ من مختلف الشرائح في المجتمع، يراعى في المشاركين التنوع العرقي والثقافي والإثني في المنطقة، والفوارق التعليمية والطبقية في المجتمع، وتناقش في الجلسات عوامل السلم الأهلي والنزاع الأهلي في الجزيرة السورية عبر حوارات ونقاشات بين المشاركين، كما سيتم توزيع استبياناتٍ على الناس لإبداء آرائهم وتصوراتهم في هذه القضية، برنامجٌ يشارك فيه أكبر عدد ممكن من المدنيين، للوصول إلى مُخرجات جديدة عن السلم الأهلي، وتشكيل تصورات جديدة عن الواقع المجتمعي في المنطقة.

تحدث لنا أحد إداريي بيت مانديلا: «بيت مانديلا، بيت شبابي مستقل، يحمل قيم السلام والتسامح والحرية، وعندما نفكر بالسلم نفكر بالشباب أن هؤلاء من يُزرع فيهم فكر الحقد والعنف والكراهية، وهم أنفسهم من نستطيع أن نزرع فيهم قيم المحبة والسلام، فهم الأرضية الخصبة لبناء السلام».

كما تحدث ناشطٌ في المجال المدني، أن الكثيرين يحاولون زعزعة السلم في منطقة الجزيرة، عن طريق الإشاعات وبث روح الطائفية والتقوقع في زوايا مجتمعاتهم الضيقة، ولكن وجود صمامات أمانٍ في ثقافتنا وتراثنا في هذه المنطقة كانت السد في وجه هذه المحاولات.

أشعلوا شمعةً خيراً من عتمة تنشرونها بأفكاركم، لدينا من التشاركية المجتمعية ما نستطيع من خلاله أن نحجّم الأطماع السياسية، دعونا نعش بسلام، أنتم تشعلون الحروب كي تغطوا على هزائمكم.

برومو الشهيد ناجي الجرف