حكايا البيدر

عهد المرتزقة الرقميين

عهد المرتزقة الرقميين

مراسلون بلا حدود

«لقد اعتُقِلَ حاسوبي قبلي!».

كانت هذه ملاحظةً ثاقبة نطق بها ناشطٌ سوري تعرّض للاعتقال والتعذيب على يد عناصر نظام بشار الأسد. يروي كريم تيمور، الذي وقع في شباك المراقبة الإلكترونية، لمراسل صحيفة بلومبرغ1 كيف أن عناصر الأمن التي كانت تستجوبه، أُحضرت له يوماً حزمةٌ من أكثر من ألف صفحةٍ تتضمن تفاصيل عن محادثاته الإلكترونية والملفات التي كان يتبادلها عبر سكايب. لقد كان جلادوه يعرفون عنه الكثير، كما لو أنهم كانوا يقيمون معه داخل غرفته، أو بالأحرى في ثنايا حاسوبه.

تمثل المراقبة أو الرصد الإلكتروني خطراً محدقاً بالصحافيين والمدوِّنين والمواطنين الإلكترونيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

في عام 2011، بثّ موقع ويكيليكس ملفات الجوسسة، وهي وثائق تكشف مدى توسّع نطاق سوق الرصد والقيمة المالية التي يمثلها، (أكثر من 5 مليار دولار)، إضافةً إلى الأدوات المتطورة المعروضة.

لكن هذا لا يعني أن الرقابة بطريقتها الكلاسيكية قد اختفت. فالشرطة لا يزالون يحومون حول مقاهي الإنترنت في إريتريا، والمنشقون في فيتنام ملاحقون، وأحياناً يتعرضون للأذى على أيدي عناصر الشرطة المتخفين في زيٍّ مدني، ولطالما تحمَّل المعارض الإلكتروني الصيني هو جيا وزوجته زين جيانغ وجود عناصر الشرطة أسفل عمارتهما أشهراً طويلة. كما وجدت أجهزة الاستخبارات راحتها بفضل أجهزة التنصت على المكالمات الهاتفية للصحافيين الفضوليين، أما اليوم؛ فقد صار مَجالُ المتاح مفتوحاً أمام الحكومات بفضل الخدمات التي يقدمها الرصد الإلكتروني.

تعالج نسخة عام 2013، من تقرير أعداء الإنترنت، موضوع الرصد بمعناه المتعلق بالنشاط الرقابي الموجّه لمتابعة أصوات المعارضة، وما ينشر من معلوماتٍ حساسة، وهو نشاطٌ وُضِع خصيصاً للحفاظ على راحة أنظمة الحكم القائمة وحمايتها من كل خطرٍ محتمل من شأنه أن يهزّ أركانها.

بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الرقابة الإلكترونية، الذي يصادف الثاني عشر من شهر مارس/آذار من كل عام، تم نشر قائمةٍ أولية تتضمن خمسةً من «أعداء الإنترنت»، تجمع القائمة دولاً دأبت على ممارسة رصدٍ نشطٍ تطفلي على الإعلاميين، الأمر الذي يفضي إلى انتهاكاتٍ خطرة لحرية الإعلام وحقوق الإنسان. ويتعلق الأمر هنا بكل من سوريا، الصين، إيران، البحرين وفيتنام.

بالمقابل، هنالك قائمة منشورة لخمس “شركات عدوة للإنترنت“، أو بالأحرى “مرتزقة العصر الرقمي“. لقد تم انتقاء كل من:غاما، تروفيكور، هاكينغ تيم، آميسيس وبلو كوت، في هذا الإحصاء غير الشامل، والذي سيتمدد خلال الأشهر القادمة. لقد كانت منتجات هذه الشركات عرضة للاستعمال من قِبَل السلطات لارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وحرية الإعلام.

كشفت تحقيقات أجرتها صحيفتا بلومبرغ، و وال ستريت جورنال، وباحثون في مركز سيتيزن لاب بجامعة تورونتو، أن تقنيات رصدٍ مستعملة ضد معارضين ومناضلي حقوق الإنسان في بلدان مثل مصر، البحرين وليبيا وردت من شركاتٍ غربية. في هذا التقرير، تم ضبط نوعين من المنتجات التي تعرضها الشركات: تجهيزات تنصُّتٍ واسع النطاق لرصد الشبكة في مجملها، وأيضا برامج تجسسية، وعتادٌ آخر يسمح بعمليات رصد محددة.

تُستعمل هذه البرامج التجسسية للتجسس على محتويات الأقراص الصلبة في حواسيب أخرى، سرقة كلمات السر، والاطلاع على مضامين الرسائل الإلكترونية أو التجسس على المحادثات التي تجري عبر شبكة الإنترنت. يمكن لهذه البرامج أن تثبَّت مباشرة داخل الحواسيب أو بإرسالها، عبر الشبكة، كمرفقات في رسائل إلكترونية من دون أن تثير انتباه المستخدِم. الاستعمالات المدنية لهذا النوع من البرمجيات محدود. هناك منتجون يزوّدون المؤسسات الرسمية مثل مصالح الاستخبارات وأجهزة الأمن بهذا العتاد بطريقةٍ مباشرة، ومنهم الذين لا يتورّعون عن الترويج لقدراتهم على رصد وتقفي المعارضين السياسيين. تستعمل هذه التقنيات في الأنظمة الشمولية للتجسس على الصحافيين ومصادر أخبارهم بغية تقويض حرية الإعلام.

لبعض التكنولوجيات استعمالٌ مزدوج، فهي تُستعمل لغاياتٍ شرعية من أجل مكافحة الجريمة الإلكترونية، كما يمكن أن تتحول إلى أدواتٍ خطرة لممارسة الرقابة ورصد المدافعين عن حقوق الإنسان والإعلاميين عندما تصل إلى أيدي الأنظمة الشمولية. إن نقص تأطير تجارة هذه «الأسلحة الرقمية» يتيح للحكومات الشمولية تحديد هويات مواطنين صحافيين للانقضاض عليهم.

إن منظمة «مراسلون بلا حدود» تطالب بفرض مراقبةٍ على عمليات تصدير التكنولوجيات وعتاد الرصد إلى البلدان التي تعبث بالحقوق الأساسية؛ إذ لا يمكن ترك هذا الأمر بين أيدي القطاع الخاص، لا بد للمشرِّع أن يتدخل. لقد منع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تصدير هذه التكنولوجيات إلى إيران وسوريا، وهو قرار محمود يجب أن لا يظل معزولاً، فعلى حكومات الاتحاد الأوروبي أن تتوافق على مسعى منسجم من أجل مراقبة عمليات تصدير تكنولوجيات الرصد، كما يتعين على إدارة الرئيس أوباما أن تتبنى هذا النوع من التشريع، مثلما هو الشأن بالنسبة لقانون الحرية الإلكترونية الشاملة (GOFA).

وكأن الديمقراطيات صارت تتنازل تدريجياً لصالح ما بات يُعرف بالمراقبة الضرورية والأمن الإلكتروني بأي ثمن، ودليل ذلك تعدد مشاريع ومقترحات القوانين التي تحمل في طياتها مواد قامعة للحريات، وتجيز بسط رقابةٍ شاملة.

إن قانون المراقبة الاستخباراتية الخارجية: (FISAA) وقانون تبادل وحماية الاستخبارات الإلكترونية (CISPA) في الولايات المتحدة، ومشروع قانون بيانات الاتصالات في المملكة المتحدة، أو التشريع المتعلق بجرائم الإنترنت في هولندا، وغيرها، كلها نصوصٌ تضحي بحرية التعبير على مذبح محاربة الجريمة الإلكترونية (لمزيد من المعلومات، راجع فصل “جولة في عالم الرقابة الإلكترونية). إن تصديق أنظمةٍ معروفة تقليدياً باحترامها لحقوق الإنسان، على هذا النوع من التشريعات الخانقة للحريات من شأنه أن يقدم مبررات لحكام الدول القمعية الذين يحصنون أنفسهم بترسانةٍ تشريعية ضد الأصوات الناقدة.

إن من شأن السعي الحثيث وراء الرقابة الإلكترونية والتهوين من أمر الرصد الإلكتروني أن يؤديا إلى التراجع عن نمط التواصل الإلكتروني (الإنترنت) كما أراده مؤسسوه أن يكون، فضاءً للتبادل والحريات، عابراً للحدود. فضلاً عن ذلك فإن الإنترنت يدفع ثمن صراعات النفوذ بين الدول. إن تعميم الرصد يُعدُّ ضمن الرهانات الكبرى لأولئك الذين يكافحون من أجل حوكمة النت.

خلال المؤتمر العالمي للاتصالات الدولية الذي احتضنته دبي عام 2012، أيدت الصين مقترحاً موجهاً لتعميم رصد خدمات الاتصالات الدولية على الإنترنت بطريقة تعسفية. وقفت إلى جانب الصين دولٌ أخرى هي روسيا، المملكة العربية السعودية، الجزائر والسودان، والهدف كان الطعن في دور مؤسسة (آيكان) في توزيع أسماء المجالات وعناوين الملقمات التعريفية، وحماية أمن الشبكات2.

الإعلاميون باتوا أمام معادلةٍ صعبة، وصاروا محاصرين بين مطرقة الحاجة إلى توفر حماية شخصية وتأمين مصادرهم الإلكترونية، وسِنْدان الحاجة إلى جمع المعلومات ونشرها. إن حماية المصادر لا تدخل فقط ضمن مجال أخلاقيات الصحافيين، بل هي تتعلق أكثر فأكثر بكيفية التحكم في حواسيبهم، مثلما يشير إلى ذلك المختص في قضايا الأمن الإلكتروني كريس سوغويان، في افتتاحية نشرتها صحيفة نيويورك تايمز.

إذا كان المراسل الحربي مهتماً بسلامته الشخصية، فإنه يجلب معه، قبل أن ينزل إلى الميدان، خوذةً وسترة واقية ضد الرصاص. كذلك على الصحافي أن يحرص على أن يتزود بـ «عُدَّة النجاة الرقمية» بمجرد أن يشرع في تخزين أو تبادل معلومات حساسة على شبكة الاتصالات، من حاسوبه أو هاتفه الخلوي. إن هذه العُدّة، التي توفِّرها منظمة«مراسلون بلا حدود» تدريجيا على موقع «نكافح الرقابة»، تشدد أوّلاً على أهمية تنظيف الوثائق المتضمنة بياناتٍ وصفية ثرثارة في العادة، وتوضِّح كيفية استعمال شبكة المُوَجِّه البصلي  أو الشبكات الافتراضية الخاصة من أجل حجب الاتصالات، وتقدِّم أيضا نصائح من أجل تأمين الاتصالات والبيانات على أجهزة الهواتف الجوالة، إلى غير ذلك من المعلومات الضرورية.

على الصحافيين والمواطنين الإلكترونيين أن يتعلموا جيداً كيف يقدِّروا مخاطر الرصد المحتملة ونمط البيانات أو الاتصالات الواجب حمايتها، حتى يجدوا الحل الملائم للحالة التي يكونون عليها، وأن تكون سهلة الاستعمال قدر الإمكان. في مواجهة الوسائل المتطورة التي يستعملها الرُّقباء وأجهزة الاستخبارات، تظل براعة الإعلاميين والنشطاء الإلكترونيين الذين يدعمونهم أمام اختبارٍ عسير. لكن مستقبل حرية الإعلام يبقى معلقاً بمآل هذه القبضة الحديدية. معركة بلا قنابل، وبدون قضبان السجون، وبلا رقابة على الصحف، لكنها معركة قد يفرض فيها أعداء الواقع والحقائق سيطرةً مطلقة إذا لم نحترس.

——————————

1- طالع تقرير صحيفة بلومبرغ، قراصنة دمشق

2- كان الغرض من المؤتمر العالمي للاتصالات الدولية المنعقد في دبي في ديسمبر/كانون الأول 2012، توحيد المقاييس والمعايير المستعملة على شبكة الإنترنت.  إحدى المعايير المقترحة في المؤتمر كانت تعميم استعمال تقنيات حزمة التفتيش المعمقة، هذا النوع من التكنولوجيا شديد التغلغل، حيث يسمح بالاطلاع على مضامين الرسائل الإلكترونية المتبادلة، وكشف محادثات الدردشة وأيضا الاطلاع على مجمل ما تصفحه مستخدم الإنترنت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: موقع مراسلون بلا حدود

 12-03-2013

برومو الشهيد ناجي الجرف