حنطة جلب

سوريا 1982 ذكرى مجزرة حماة.. درس للأسد حتى اليوم

سوريا 1982 ذكرى مجزرة حماة.. درس للأسد حتى اليوم

ترجمة عمر الأمين

دافيد أرنولد.. 3-2-2012

من موقع أصوات الشرق الأوسط    middle east voices

صورة المادة الأساسية
صورة المادة الأساسية

بعد اشتباكاتٍ عنيفة بين القوات الحكومية والمتمردين الإخوان المسلمين في عدة مناطق مضطربة عام 1982، أمر الرئيس حافظ الأسد بدخول القوات العسكرية إلى مدينة حماة، حيث عملت الدبابات والطائرات السورية على قصف مدينة حماة، في حين قام الجنود بإخراج المدنيين من منازلهم وإعدامهم على الفور.

قُدر عدد المدنيين الذين لقوا حتفهم في حصار مدينة حماة ما بين 10000 و 45000 مدنياً.

فتاةٌ سوريةٌ أميركية تعود جذورها إلى مدينة حماة، روت  في الآونة الاخيرة قصصاً سمعتها من أفراد أسرتها الذين نجوا من المجزرة ولجأوا إلى بيت أبيها في دمشق.

تقول رنا الحموي: «كان عمري 16 عاماً، وكنا نسمع كل يوم عن تلك القصص المرعبة. أستطيع أن أتلو عليك ما يمكن أن يملأ كتباً من القصص عن كل شخصٍ كان في المدينة وماذا شاهد هناك، حتى الآن كل ما أراه في الحياة هو تلك السحابة السوداء التي رافقتني منذ زمن طويل».

سحابة سوداء تمر فوق مدينة حماة

تعمل رنا الحموي الآن كمدرسة، وتعيش على ساحل الخليج في الولايات المتحدة الأميركية.

لقد رفضت إعطاء اسمها الحقيقي حين أجريت معها هذه المقابلة، لأن أعمامها وعماتها ما زالو يعيشون في مدينة حماة، وهي تخاف عليهم من انتقام حكومة بشار الأسد نجل حافظ الأسد.

في الذكرى ال 30 لمذبحة حماة لا يوجد علامةٌ على بداية أو نهاية جهود بعض النشطاء لإنهاء حكم الأسد السياسي الذي استمر لأكثر من 40 عاماً، تتحدث رنا: «كانت الدبابات السورية تقصف مدينة حماة ، محاولةً أن تقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة على الصعيد الوطني، والتي استمرت 10 أشهر، وكانت الاشتباكات مستمرًة ومتكررة على نحوٍ متزايد بين وحداتٍ تم تشكيلها مؤخراً من المنشقين عن جيش الأسد وبين قوات الأمن وميليشيات الشبيحة الموالين للنظام من جهة أخرى.

حماة هي مدينةٌ قديمة ومزدهرة، يوجد فيها عدد كبير من السكان المسلمين السنة المحافظين، ويقدر عددهم بحوالي 700000 ، في عام 1982 كان العديد من سكان حماة يعارضون نظام الأسد المتنكر بالقومية العربية والسياسات الاشتراكية».

تقول بعض التقارير عن المذبحة: أمر حافظ الأسد شقيقه رفعت الذي كان يدير القوات الخاصة بتوجيه حملةٍ للقضاء على جماعة الإخوان المسلمين في مدينة حماة، وأرسل الرئيس رسالةً عبر الاذاعة يحذر فيها جميع سكان حماة بأنهم إذا لم يخلو المدينة خلال 24 ساعة فانها تعتبر حاضنةً للمتمردين.

وأضافت الحموي قائلةً لموقع أصوات الشرق الأوسط: «لم أصدق ذلك إلا بعد أن تمت محاصرة المدينة بالفعل، حيث بدؤوا ليلاً بجلب الجنود إلى المدينة والمروحيات والدبابات، وتم تطويق المدينة ببطء في الليل». وفي اليوم التالي استيقظ الناس على أصوات القصف.

مالذي كان يبحث عنه الجنود؟

«أحد أفراد أسرتي كانت امرأةً غنية جداً تعيش مع ابنها في فيلا كبيرة، دخل الجنود عليهم ونهبوا الفيلا وأخذوا كل شيء، وبعد أن نهبوا المكان قاموا بصب الكاز على المرأة وابنها، وأحرقوهما مع المنزل، لقد كانت تبلغ 80 عاماً وابنها يبلغ 60 عاما» وأضافت: «في نفس الحي، وعلى بعد بنائين كان هناك أسرة تمتلك ورشةً لنجارة الخشب، اقتادوا جميع أفراد الأسرة إلى ورشة النجارة وأطلقوا النار على حوالي 25 شخصاً منهم»

إبادة مساكن الأسرة

تتابع رنا: «تلك الأسرة كانت تسكن في بناءٍ واحد، حيث تجد الأبناء والأعمام والعمات وكل أفراد الأسرة يعيشون على مقربةٍ من بعضهم البعض، وكان الحي كله عائلةً واحدة، لذلك أخذوا جميع أفراد الأسرة إلى ورشة النجارة وقتلوهم وأحرقوهم مع المكان هناك.

سيدة أخرى من عائلتي رفضت مغادرة منزلها وقالت: لا أحد سياتي، لذلك سوف أبقى في المنزل… جاء الجنود، ونهبوا المنزل، كان في معصميها أساور من ذهب، فقاموا بقطع يديها وتركها تنزف حتى الموت، لم يعرف أحد ماذا حدث معها، حتى بدأت الأمور تهدأ.. بعد أربعة أسابيع ذهب الناس إلى المنزل ورأوا جسدها الفاسد»

تتابع  الحموي الحديث بسرعة عن قصة أحد الآباء الذي كان يتوسل للجندي قائلا له: «أرجوك ولدي رضيع عمره 14 شهراً، أرجوك لا تجعله يتيماً». فقال له الضابط: «إذن لا تريده أن ينشأ يتيما، حسناً لن أجعل ابنك  يتيماً» وقام برمي الطفل والأب وباقي أفراد الأسرة بالرصاص.

وأضافت الحموي: «من من أخبرنا بذلك كان أحد الجنود المنشقين عن جيش الأسد، قال لنا أنه لن يكون مع جيشٍ من هذا القبيل، لقد عاد ليخبرنا عن ماحدث لهذه العائلة».

حماية الأهالي من العصابات

في احدى ضواحي المدينة، والتي تسمى حماه الجديدة، وقف الجنود في الشارع في حين استخدم أحد الضباط البوق لاستدعاء السكان للخروج من منازلهم، كان ينادي:«الكل ينزل الى الشارع. النساء والاطفال والجميع»، مشى بعض السكان الى الشارع .. فقال الضابط:«ليس هؤلاء هم فقط أبناء الحي.. نريد من الجميع أن ينزلوا.. لا تخافوا.. ثقوا بنا، نحن نريد من كل الناس، في الحي أن يتجمعوا هنا» قال الضابط بأنهم حقيقةً يعرضون  عليهم حمايتهم من العصابات التي تريد قتلهم.

«إثر تلك التطمينات استشعر سكان الحي أنهم ربما كانوا بأمان»، وقالت رنا:«انضم أكثر السكان إلى جيرانهم في الشارع، وبعد ذلك ذهب الجنود والضباط وداهموا المنازل وأخذوا من بقي بها وحفروا حفرةً كبيرة أشبه بالخندق، وأطلقوا الرصاص على السكان وألقوا بهم في الخندق، يقول الناس أن عدد من قتل في تلك المجزرة في ذلك الحي وصل إلى حوالي 1500 شخصا»

طلبنا من رنا تقدير الذين لقوا حتفهم في الحصار، تقول رنا: «لدينا أسماء الذين قتلوا، كما قلت لك بأن الناس في حماة عاشت قريبةً جداً من بعضها، وبالتالي فإن العدد على الأقل، على الأقل» وكررت عبارتها للتأكيد «حوالي 45000 شخص قتل في شهر»

حماة آنذاك.. والآن:

في تلك الأيام في حماه كان الجنود، جنود الأسد هم من يرتدون الزي الرسمي، وكانوا يُدربون على اتباع الأوامر، ولكننا الآن نشهد فئةً جديدةً مختلفة، بعض الناس يسمونهم بـ «الشبيحة».

أبناء هذه الفئة كانوا في السجن، والبعض منهم تم شراؤهم من قبل الحكومة، بحيث قدمت الحكومة لهم حريتهم مقابل أن يقتل لأجلها، وتلك هي مكونات فئة الشبيحة بالإضافة إلى الجنود ورجال الأمن.

السوريون في الشتات يترددون في التحدث مع أصدقائهم وأقاربهم في سورية حول المواضيع السياسية على الهاتف، والذي يعد إحدى أدوات سيطرة الحكومة، خدمات الإنترنت لا يعَّول عليها كثيراً لكنها تقدم بعض وسائل الاتصال الآمنة، تقول رنا أنها تجاذبت أطراف الحديث عبر الإنترنت مع ابن عمها في وقتٍ سابق من هذا الاسبوع، ولدى سؤالها: «هل أنت آمنة؟»، قالت: «أنا أتساءل فيما لو استطعتم سماع ما نسمعه، هل سيكون بإمكانكم أن تحتفظوا بقدرتكم على السمع؟ يقول ابن عمي أنهم يعيشون تحت القصف والقتل لوقتٍ طويل، ليس هناك كهرباء، ويمتد حظر التجول لمدة تسع ساعات في اليوم، ليس لدينا وقودٌ للطهي والتدفئة، نحن نخاف من الخروج من المنزل، كل مانملكه كميةٌ صغيرة من الطحين لصنع الخبز».

ولدى سؤالها فيما اذا كان ابن عمها آمناً قالت: «لا أعلم إن كان كذلك، فقد كتب لي في ظهيرة اليوم قائلاً: أجلس في الليل وأنا غير قادرٍ على النوم بسبب القصف، وأقول لنفسي إن كانت هذه هي آخر ليلةٍ لي في هذه الحياة ، فلتكن، أنا لا أستطيع أن أفعل أي شيء»

لقد هدم جزء من منزل ابن عم رنا بسبب قصف الدبابات للأحياء، تستطيع أن ترى الجثث في الشارع لكن لا أحد يجرؤ على الذهاب لإحضارها، هنالك قناصةٌ في كل مكان، كل من يتحرك باتجاه الشارع يتم قنصه على الفور.

تتابع رنا: «قال لي أقاربي بأن الشيء الأكثر رهبةً هو أن ترى بعض الهيئات البشرية تتحرك على مسافةٍ منك وهي على قيد الحياة، جرحى يلفظون أنفاسهم ويعانون حتى الموت ولا يمكن لأحدٍ أن يذهب لإحضارهم».

كيف سينتهي كل شيء؟

قالت الحموي: ستتضح أهمية العبر والدروس التي يمكن تعلمها مما حصل في حماه، سيحدث ذلك في الوقت المناسب.

أنا أعرف أن الولايات المتحدة بلدٌ بعيدٌ جداً عن سوريا، لكني أريد أن اقول شيئاً مهماً: إن الرؤساء هناك لا يبقون في الحكم ويورثونه كما في دول الشرق الأوسط، هناك توجد الحرية والعدالة، وسوف يأتي كل رئيسٍ ليبقى في منصبه بضع سنوات فقط، أرجو أن يسجل التاريخ بأن هنالك أعدادٌ من الشعب السوري قد قتلوا وتعرضوا للتعذيب ولم يُعاملوا كما البشر، لذلك أرجو أن تكون هنالك بعض الإجراءات المتخذة لوقف هذا العنف».

على الرغم من الجهود الدبلوماسية في الأمم المتحدة والجامعة العربية، وفرض عقوبات اقتصادية على نظام الأسد من قبل العديد من الحكومات الأجنبية، فان الصراع مازال مستمرأ حيث تجاوز عدد القتلى المدنيين عدد القتلى الذين وقعوا في حماة قبل ثلاثة عقود.

برومو الشهيد ناجي الجرف