خميرة

ثورة وبروليتاريا وشيوعيون

ثورة وبروليتاريا وشيوعيون

مصطفى الجرف

في أوائل الثمانينات كنت شاباً صغيراً، وكما جميع أبناء جيلي، كنت شيوعياً متحمساً أيضاً. بعد قراءة كتابين أو ثلاثة من كتب البرنامج التثقيفي الحزبي التي أذكر أن أحدها كان للمفكر الشهيد مهدي عامل والآخر للباحث البريطاني فريد هاليداي، تم اعتمادي كمثقفٍ ثوري. وكأي مثقف ثوري في تلك الأيام أصبحت تلقائياً طليعةً للبروليتاريا، وباتت مهمتي الأساسية في الحياة أن أقوم بنشر الوعي الطبقي في هذه الطبقة المباركة وأن أنظم صفوفها، ثم أقودها في معركتها الظافرة لبناء المجتمع الإشتراكي السعيد.

كانت تلك مهمةً مجيدة، وكنت أشعر بالفخر الشديد لأن الحتمية التاريخية اختارتني للقيام بها مع رفاقي في الحزب. ولكن سرعان ما تبين لي، ولهم، أن تلك المهمة الثورية ليست سهلةً أبداً. كانت الصعوبة الرئيسية التي واجهناها هي العثور أولاً على أفرادٍ ينتمون بشكلٍ شرعي إلى طبقة البروليتاريا هذه. كنا نمشّط الشوارع كل يوم باحثين عمن «لا يملك إلا قوة عمله ولا يمكنه أن يخسر إلا أغلاله» كما ينص التعريف الماركسي العتيد للبروليتاري، فلا نكاد نجد في مدينتنا الريفية الصغيرة (سلمية) شخصاً واحداً ينطبق عليه هذا التعريف؛ بحيث يسمح لنا شرعاً بأن نطور وعيه الطبقي بذاته وبما يؤدي إلى تثويره. لم نكن نجد من لا يملك منزلاً أو أرضاً زراعية صغيرة أو دكاناً أو دراجة نارية أو حتى دراجة هوائية أو جميعها معاً، مما سيجعله بالتالي من أصحاب الملكية الخاصة ممن ينتمون حتماً إلى طبقة البورجوازية الصغيرة وليس الى البروليتاريا المنشودة. وأما القلة النادرة ممن لا يملكون شيئاً فقد كانوا إما موظفين مدنيين أو مدرّسين أو طلاباً؛ أي أنهم كانوا بدورهم مثقفين ثوريين جاهزين لا يمكن تثويرهم زيادةً على ما هم عليه فعلاً. كان التناسب بين الطلب النخبوي الثوري على البروليتاريا والعرض الشعبي المحلي المتوفر مختلاً للغاية، بحيث كنا إذا اشتبهنا في انتماء أحدهم إلى هذه الفئة، ننقضّ عليه أنا ورفاقي جميعنا كما تنقض الوحوش على طريدة، ونتناهشه بيننا محاولين كلٌّ منا أن يضمه إلى خليته الحزبية الخاصة، وهكذا كان ينال الضحية البروليتارية المستهدفة أكثر من خمسة أو ستة كوادر يشبعونها تثقيفاً ثورياً. وقد رفعنا في ذلك الحين أصواتنا بالشكوى إلى قياداتنا الشيوعية من الراسخين في علوم المادية الجدلية والمادية التاريخية لكي يفسّروا لنا سبب هذه الحالة الشاذة التي لا تتطابق بالمرة مع النظرية الإشتراكية العلمية التي لا يأتيها الباطل من أمام أيديها ولا من خلفها، فأفادونا بأن المجتمع السوري لم ينتقل بعد بشكل كامل إلى الرأسمالية، وأن علينا الإنتظار بعض الوقت ريثما تكمل حتمية التطور الاقتصادي الاجتماعي عملها ويكتمل نضج نمط الإنتاج الرأسمالي في بلادنا ومعه طبقة البروليتاريا. كانت تلك خيبة أمل عظيمة حقاً وانتظاراً ممضّاً لوقتٍ طويل لم نجد فيه عملاً جدياً نفعله لكي نغير العالم ونخلد أسماءنا في التاريخ. ولكن مع ذلك، فإن صلابتنا الأيديولوجية منعتنا من التشكيك في صحة النظرية أو التخلي عنها. في أجواء الثقافة السائدة تلك الأيام، لم يكن هناك من نظريةٍ بديلة على أي حال. وكان أن ابتعدنا عن جموع الشعب هذا الذي لا بروليتاريا فيه، وانغلقنا في مجموعاتنا الضيقة على أنفسنا. وكنا في انتظار نضج «الظرف الموضوعي» للثورة، نشغل أنفسنا ونقتل الوقت في نقاشات ظريفة لا تنتهي حول طبيعة النظام السوري في عهد حافظ الأسد؛ مثلاً، هل هو بونابارتي أم فاشي، بوجوازي صغير أم بورجوازي بيروقراطي، وطني أم لا وطني؟ وفي تخمينات نظرية عجيبة من قبيل، ماذا ستكون طبيعة الثورة المقبلة؛ ديمقراطية بورجوازية أم اشتراكية، وهل التطور اللارأسمالي ممكن أم لا، وهل نتبع نحن لأسلوب الإنتاج الآسيوي؟.. إلى آخره مما يشبه هذه التمارين الذهنية المسلية. بطبيعة الحال، لم يمر وقت طويل حتى مللت من الإنتظار، وأصابني الإحباط من بطء عملية التحول الرأسمالية في مجتمعنا السوري. ثم جاءت نكبة انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه المنظومة الشيوعية العالمية كلها. تخرجت من الجامعة وتزوجت الفتاة التي أحببتها وأنجبت البنين والبنات وانغمست في العمل لتأمين لقمة العيش.. المهم، نسيت تماماً أمر تغيير العالم. في هذه الفترة، أي منذ أواخر الثمانينات، بدأ النظام السوري باتباع نهج الانفتاح الإقتصادي. انتشرت المعامل الكبيرة والمؤسسات الاقتصادية الضخمة في البلاد، اتبعت سياسات مرنة في الإستثمار والإئتمان والإستيراد والتصدير وامتلأت الأسواق بالبضائع. وما هي إلا عشر سنوات حتى كانت سوريا تعج بطبقة بروليتاريا صناعية تملأ الأحياء الفقيرة التي تحيط بمدينتي حلب ودمشق. صحيح أن أصول هذه البروليتاريا ريفيةٌ في معظمها، ولكنها كانت مع ذلك مثاليةً تقريباً من الناحية النظرية وعلى ما يحب قلب ماركس! في 18 آذار من العام 2011 اندلعت انتفاضةٌ شعبية في درعا، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى باقي مناطق سوريا وتحولت إلى ثورةٍ شعبية عامة. كانت البروليتاريا السورية هي عماد هذه الثورة، وكانت جموعها الغفيرة تملأ الشوارع والساحات في المدن والبلدات والقرى في طول البلاد وعرضها. كان البروليتاريون الذين لم ينتبه إليهم أحد سابقاً يتجمعون في مظاهرات حاشدة، يهتفون ويغنون ويقرعون الطبول ويرقصون ويتلقون الرصاص بصدورهم، ويُقتلون كما الطيور فلا يخافون ولا يجزعون، بل يحتشدون مرة أخرى ويهتفون ويغنون ويرقصون ويقرعون الطبول وهم يودعون العصافير الشهيدة.

كانت ملحمةً بطولية لم يشهد التاريخ مثلها من قبل.. ولكنهم كانوا وحدهم؛ لم يكن المثقفون الثوريون الشيوعيون الذين انتظروهم طويلاً معهم! كانت تلك مفاجأة صغيرة سرعان ما علمتنا الثورة السورية أن نتجاوز صدمتها نحو أن نفهم معنى اليسار الشيوعي في سوريا وما هو بالضبط موقعه السياسي: معنى اليسار تحديداً هو يسار النظام السوري، أي بالضبط في المنطقة الأبعد عن مناطق الحشود الشعبية التقليدية!

برومو الشهيد ناجي الجرف