خميرة

فاوست سوكوروف الإنسان وهو يتمرد على سلطة القدر..

علي سفر

لم يخرج الروسي ألكسندر سوكوروف (Aleksandr Sokurov) في قراءته الجديدة لأسطورة فاوست، والتي شاهدها العالم في العام 2011، عن البيئة التي وضعها غوته في النص المسرحي، كفضاء للحدث، فالإخلاص للأصل يبدو شديداً لمعطيات الزمانية والمكانية، وكأن المسألة هنا هي إعادة إنتاجٍ سينمائي للعمل المسرحي، فكل التفاصيل هنا تبدو متلاصقةً مع صورتها المتخلية، وربما يعود الأمر إلى جذر القراءة، أو منهجها، إذ أن ما يتم على خشبة المسرح من إعادة إنتاج للأعمال المسرحية إنما هو إعادة قراءة، وبالتالي فهو إعادة تأويلٍ أيضاً..

فمنذ بداية الفيلم يركز سوكوروف على تفاصيل دقيقة تقود المشاهد إلى عتبة قراءته، فالدكتور فاوست(يوهانس زيالر Johannes Zeiler) المأزوم يقوم بتشريح أجساد الموتى باحثاً عن موضع الروح في الجسد الإنساني، غير أن هذا الجسد الذي نراه في صورةٍ بشعة، لا يقدم للرجل المهووس بالتفاصيل ما يبتغيه، بل إنه لا يغدو أن يكون سوى كتلٍ لحميةٍ يجب على الإنسان أن يتطهر جيداً بعد أن يلمسها..!

ولكن السياق الذي تذهب نحوه كاميرا سوكوروف، حين تركز ومنذ اللقطات الأولى في الفيلم على الأعضاء الجنسية، يجعلنا في مواجهة التصور الذي يبني المخرج عليه رؤيته، ففاوست هنا يصبح رجلاً مهووساً بجسدٍ وحيد هو جسد مارغريت (ايسولا دايشك Isolda Dychauk)، وهو يعرف أن الشيطان الذي اتخذ في الفيلم شكل المرابي (أنطوان ادسينسكي Anton Adasinsky)، لا يقدم له الخدمات مجاناً، بل هو يريد مقابلاً لها، فاللعبة مفضوحةٌ منذ بداية التماس بينهما، ففاوست يريد النقود كي يستطيع أن يأكل بعد أن أنهكه الجوع، والمرابي يعرف أن عقل فاوست تواق للحصول على الرغبة، ولهذا فإنه يقوده خارج عالمه، فيمر به إلى حيث يرى النساء وهن يغسلن الثياب ويغتسلن، وكذلك يأخذه إلى الخمارة حيث يقتل فاوست عن طريق الخطأ شقيق مارغريت..، وتبعاً لهذا التدرّج في تغيير المعطيات حول فاوست فإنه يصبح مطواعاً لرغبته، فنراه يوقّع العقد بينه وبين المرابي، رغم ملاحظته وجود أخطاءٍ في نص العقد.

قتامة التفاصيل في الفيلم تجعل المشاهد يشعر بالضيق، وكأننا بمخرج الفيلم يريد أن يرفع من مستوى العلاقة بين ما يصوره في الفيلم وبين المشاهد الذي يريد أن يتتبع رؤيته أو قراءته للأسطورة الفاوستية، مما سيؤدي حكماً إلى أن يصبح هذا المشاهد مستغرقاً تماماً في التفاصيل التي قد تتوازى مع تفاصيل الحاضر، فقتامة واقع فاوست، حيث الجوع والحروب، هي ذاتها قتامة الحاضر الذي يسيطر عليه المرابون الجدد، رجال المال والسلطة، الذين يتحكمون بالرغبات، ويجعلون الإنسان يوقع عقود الاستهلاك، والتي توقعه في عبوديةٍ جديدة، تتعدد تسمياتها، ولكنها تبقى بجوهرها متشابهة ومتماثلة.. ولهذا فإن المشاهد قد لا يستغرب وجود المراقبين لكل التفاصيل التي يقوم بها فاوست، حيث في كل زاويةٍ ثمة عيونٌ تراقب ما يحدث، ورغم أن فاوست يدرك وجودها حوله إلا أنه يتعاطى معها وكأنها راسخة في الحياة.

غير أن الاستسلام القدري الذي يفرضه سوكوروف هنا على مجريات الحكاية، وعبر الألوان التي تسيطر على لقطاته، لا يستمر طويلاً، إذ أنه يختار لفاوست نهاية مختلفة عما تقوله الأسطورة في نصها المسرحي، إذ يقوم بقتل المرابي بعد جولتهما في الطبيعة..

وهنا يجد المشاهد أمامه بعد أن يرى المقترح الذي يقدمه المخرج في قراءته الجديدة لفاوست ضمن حيز الأسئلة حول معنى ومؤدى هذه القراءة، وقد لا تصعب الإجابة على هذه النوعية من الأسئلة حين نعرف المدى الهائل الذي حاولت الأسطورة أن تُلمَّ به في أصلها حين عبرت عن رغبة الإنسان بالانعتاق عبر تحولات هذه الشخصية والتي يقول عنها غوته: «شخصية فاوست في أعلى درجاتها تأليف جديد مستخلص من الأساطير الشعبية القديمة الغليظة. تعرض إنسانا ضاق ذرعاً بالإطار الأرضي العام وتبين له أن اكتساب أعلى معرفة والاستمتاع بأجمل الخبرات هما أمران غير كافيين لإشباع أمانيه ولو لأقل درجة: إنه روح أينما تلفت عاد شقياً يائساً. وهذا الشعور مماثل للإنسان الحديث حتى أن الكثير من الرؤوس الجيدة شعرت بأنها مدفوعة الى معالجة هذه المسألة» (1)

وضمن هذا السياق نفسه، فإن لكل من تعاطى مع الأسطورة رؤيته الخاصة، وهكذا تظهر لنا رؤية سوكوروف أنه يؤشر بشكلٍ أو بآخر لأزمة الإنسان في بدايات القرن الحادي والعشرين، حيث لا سلطة تعلو فوق سلطة المال، وهذه السلطة هي من يهب الفرد السعادة أو الشقاء، فإذا كانت المعادلة تقوم على بيع الروح مقابل الحصول على الرغبة والسعادة، فإن فاوست هنا يخوض في ذات المعادلة، و لكنه في النهاية يقرر أن يقتل هذه السلطة الجائرة، التي شوهت كل القيم التي كان يؤمن هو بها، وهنا ربما تساعدنا القراءات المعاصرة لأسطورة فاوست على أن نتلمس المنحى الذي حاول سوكوروف أن يمضي به في الفيلم الذي يشكل نهاية رباعية سينمائية، حاول من خلالها مقاربة أحوال الإنسان المعاصر في هذا الزمان(2)، ولعل من أبرز هذه المقاربات هي دراسة الألماني (هانز كريستوف بينزوانغر) التي صدرت في بداية العام 2011 تحت عنوان «الإيمان المشترك للاقتصاديين»، فالمأساة وبحسب المؤلف تقوم على العلاقة بين الإنسان وبين الاقتصاد، إذ «هكذا تتكشّف الرغبة الجامحة في العمل في المجال الاقتصادي على أنّها سعيٌ محموم للأبدية ها هنا». مطاردة الوقت الميت التي تقتل وقت الموت. إلاّ أنّ فاوست الساعي إلى السيطرة على الوقت محكومٌ بالفشل: وسيعلن مفيستو أنّ «الوقت بات هو السيّد»؛ لقد فشلت التجربة الخيميائية، وسيبقى فاوست الساعي وراء اللامحدود في مواجهة عالمٍ محدود.

وفق هذه القراءة، تبدو هذه القصيدة المسرحيّة محاولةً من غوته للتأمّل حتّى النهاية.. ولجعل مسرحيته مختبراً لنتائجها المتعدّدة. وستزاوج حكمته الشهيرة، المؤسسة لليبرالية، أنّ «الرذائل الخاصّة تصنع الخير العام»، قول مفيستو عندما يعلن بأنّه «جزء من هذه القوّة التي تسعى دائماً للشرّ ولا تنفكّ تصنع الخير». لكن ماذا يفعل فاوست، المتكئ على «قوة» إبليس، سوى تحرير غرائزه والنجاح «شيئاً فشيئاً في تكنيس كل ما يعيق تطوره»: وهو مبدأ السوق الإلهية..(3)

ربما يكون فعل التمرد على هذه السلطة هو القول الأساسي في محاولة سوكوروف، ولكنه وكما هو واضح لم ينهِ فيلمه بها، إلا بعد أن أغرق مُشاهده وبشكل كامل في حالة من الاستسلام للمصير، ففاوست يقوم بقتل المرابي، وبالتالي فإنه يلغي الصفقة بينهما، وبطريقة غير متوقعة، بعد أن تم بناء تفاصيل الحكاية كلها على التلاصق بينها وبين نصها الأصلي، وربما يكون هذا ما منح قراءة سوكوروف ألقها، والذي جعلها تحوز على جائزة الأسد الذهبي لأفضل فيلم، في مهرجان فينيسيا للعام 2011.

وهنا علينا أن نتذكر حقيقةً تقول بأن أبرع القراءات للأسطورة، إنما تلك التي تقوم على ملاحظة الواقع، ومقاربته مع الخطاب الذي تقوله، ولعل الفكرة الفاوستية، مازالت حاضرةً وبقوة مما يجعلها قابلةً للإعادة مراتٍ ومرات، دون أن يصيب الملل المشاهد الذي يرغب في رؤية طرائق التفكير الإبداعية، وهي تنتج الجديد، من أصول الأفكار القديمة.

هوامش

1-جيته، فاوست، ترجمة وتقديم عبد الرحمن بدوي، الجزء الأول، سلسلة من المسرح العالمي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الإصدار الثاني، سبتمبر 2008، ص 84-85.

2-تشتمل الرباعية على الأفلام: (مولوخ Molokh) في عام 1999 عن هتلر، و(تاوروس  Taurus) في عام 2001 عن لينين، ثم فيلم (الشمسthe sun) عام 2005 عن الامبراطور الياباني هيرو هيتو.

3-أومبرخت برنار، مسرح الأزمة، فاوست وخيمياء الرأسمالية، لوموند ديبلوماتيك، تشرين الأوّل/أكتوبر، 2011.

برومو الشهيد ناجي الجرف