حنطة بلدية

تم الدعس

تم الدعس

علي صدر الدين حمودي

في السّنة الثّالثة من مرحلة التّعليم الابتدائيّ، وفي ظاهرةٍ استثنائيّةٍ وغير مسبوقةٍ ولم تتكرّر لاحقاً أبداً، قمنا بأول تقليدٍ ديمقراطيٍّ في حياتنا، وهو الانتخاب، فقد طُرحت تعديلاتٌ إداريّةٌ بالنّسبة للقياديين لمن هم في مرحلة طلائع البعث، وكانت منافسةً حامية الوطيس للفوز بمقعد عرّيف الصّف، وهو السّلطة الطّلابيّة العليا على مستوى صفًّ ابتدائيّ، وكانت المنافسة والتّرشيحات على مراحل، ذلك لأنّ مركزاً كهذا لا يجب أن يُعطى لأحدٍ إلا بعد إجراءاتٍ دقيقةٍ وطاقاتٍ أمنيّة عالية، وتوخي الحذر في كلّ خطوةٍ للوصول إلى المستوى الدّيمقراطيّ الأمثل، وهذا يا أصحابي ما حصل فعلاً، وقد وصلنا إلى المرحلة الأخيرة في التّصويت، ثلاثةٌ من أصل أربعين مرشّحاٌ للفوز بمنصب عريف الصّف، كما قال الماغوط يوماً: «ضيعة كلها زعما، منين بدي جبلك شعب!!».

 كان كلّ تلاميذ شعبتنا قد رشّحوا أنفسهم، واحدٌ فقط رُفض ترشيحه بعد أن قالت له المعلمة: «روح نضّف أنفك وقص أضافرك قبل ما تفكر تصير عرّيف.. تضرب ببوزك شو حمار».

رجع الحمار وحيداً حزيناً إلى مقعده … ونحن أكملنا مسيرة التّطوير والممانعة، وقد قاومت المنافسة بكلّ ما أوتيت من ابتساماتٍ ونظراتٍ مليئةٍ بالحماس والوعود لرفاقي المصوّتين ..رسمنا أسماءنا على السّبّورة، وكأني أرسم اسمي على المدى.. تلك القطعة من الجدار وكأنها نافذةٌ مفتوحةٌ على النّجوم!! لم يعد لونها أخضر باهتاً محفّراً.. كأن لونها تحول إلى قوس قزح.. وكان اسمي رائع الالتفاف بالزوايا.. وعناق الحروف مع بعضها حارّاً مليئاً بالوله والغرام.. وما يزيده روعةً تلك الخطوط التي كنت أخطّها تحته كلما ظهرت بين البطاقات الانتخابيّة بطاقةٌ تحمل اسمي… لم تكن تحمل اسمي، بل كانت تحملني أنا!! سبعةٌ وعشرون صوتاً لصالحي (أي سبعة وستون فاصلة خمسة بالمئة) نتيجةٌ لم يحظَ بها قائدٌ من قبل أبداً.. لم يسبقني أحدٌ من القادة بهكذا نتيجةٍ إلا قائدنا الخالد، والذي فاز بنسبة أعلى من هذه قليلاً.. أقصد أعلى كثيراً!

بدأت الأحلام الورديّة بالمرور أمام عينيّ، كنت أحسّ أنّني أقف دون أن تلامس قدماي الأرض.. كنت أطير!! استمرت عملية الفرز حتى توزعت المناصب كلها، فهذا نائبي الذي ينوب عنّي في غيابي.. «وهذا ما لن يحصل أبداً.. هه! العريف لا يغيب!!»، وهذا أمين سرّي.. «ماذا يعني أمين السّر؟! أسرار العريف لا يجب أن تُعطى لأحدٍ أبداً، لن يعرف أي شيءٍ عنّي!!» وأولئك هم عرفاء المجموعات الطّليعيّة، كان قلبي يكاد يتوقّف من شدّة الخفقان.. هل تعرفون ماذا يعني عرّيف الصّف؟! إنّه صلاحيّاتٌ غير منتهية، يمكنه الخروج من مقعده والتّوجه إلى المُدرّسة من غير إذن، ويمكنه البقاء في الصّف أثناء الفسحة في أيّام الشّتاء.. كما أنّه يجلس في المقعد الأوّل بجانب المدرّسةِ والمدفأة التي قلّما تعمل (أقصد المدفأة!)، ثمّ إنّه أوّل من يخرج للقيام بمراسم استقبال المدير وموجهي التّربية «قيام.. جلوس.. الرفيق الطليعي فلان مستعدٌّ دائماً..»، وقد يحظى بفرصة ترديد الشّعارات الصباحيّة أمام طلاب المدرسة (استاااعد.. استااامح.. رتلن ثلاثياً عد للتلاتة..أهدافنا: وحدن وحريّن واشتركين. وأن نستحقّ عصابة الأخوات المسلمين العتيدة ..استامح:بعث*1) بالإضافة إلى الشرائط الملوّنة بالأحمر والأبيض والأخضر، وقد يتخللها لونٌ رابعٌ كالأصفر لا علاقة له بالألوان الرّسميّة، ولكن هذا اللون مُخصص لأبناء المدرّسات من العرفاء، لم أكن أعرف معنى هذه الألوان أو لماذا نُعلّقها، لم أكن أعلم لماذا نعلقها على الكتف اليسار أو اليمين، أنا سأعلقها على الكتف اليمين، لأنني سمعت أحدهم يقول أنّنا يساريّون، ولكنني لست يسارياً، فأنا أستخدم اليد اليمين في كل شيء، لذلك أردت إثبات أنني فعلاً لا أستخدم اليد اليسرى، طبعاً لم أنس شراءها أثناء عودتي إلى منزلي ها هو والدي ينتظرني، لم يعد والدي، إنه والد العريف! وعليه مراعاة ذلك، فلا قُبَل ولا عضّاتٍ على الوجنات بعد اليوم، ولا حمل على الأكتاف، كلّ هذه العواطف تقلل من هيبة العرّيف، وإن كان لابد من القيام بها، فيكفي داخل المنزل أفكارٌ كثيرةٌ تبخرت وكأنّها لم تكن عندما قفزت بين ذراعي والدي المفتوحتين وحملني وطبع قبلاته ودخل بي إلى المنزل لأبدأ بالتّبجح على من تبقى من الشّعب، أقصد أفراد أسرتي.

ليلاً وبعد سلسلةٍ طويلةٍ من الأحداث، تخلّلها غسيل المريول المدرسيّ وكيّه وتعليق ألوان مجرات الكون كلها على أحد الكتفين، وتجديد بعض الدّفاتر، وهلمّ جره، استلقيت على فراشي محتضناً قشعريرتي التي لازمتني كلما تذكّرت أني سأكون ما أريد، إنه المجد بعينه! لن تطردني المديرة من مكتبها، ولن تضربني المدرّسات إلا لأسباب قاهرةٍ جدّاً، حفاظاً على هيبة الدّولة، فكلب الوزير وزير، والعكس صحيح، وقد أحظى أخيراً بابتسامة من ابنتها (أقصد المديرة)، التي أعياني حبها، وجعلني أهيم على وجهي في ممرات المدرسة الكثيرة لأيامٍ طويلة.

ها هو الصّباح المنشود، أتوجه الى مدرستي وبرفقتي كتيبةٌ من أطفال الحارة، مسلّحين بكل ما نملك من زعتر وشيبس وصور لعلكة الكابتن ماجد، وأنا لم أكن حتى تلك اللحظة أعلم ما يخبئه القدر لي، لاحظت في عيون تلاميذ الصّف بعض نظرات التّحذير والقلق، مالذي يجري؟! اعترتني رجفةٌ قويّةٌ جدّاً وقلقٌ شديدٌ ترافق مع الكثير من طقطقة الأصابع.. يا إلهي هل هناك أية مؤامرة ؟! ثم فجأة

-هلق هادا الخـر.. صار عريف!؟

نظرت إلى صاحب الإهانة التي وجهت لي، لحظةٌ واحدةٌ فقط فصلت ما بين انتهاء جملته وطرحي أرضاً أنا وحقيبتي المدرسيّة وشرائطي الملونة، وأحلامي الطّفوليّة، وكل ما سأملك من أحزان في المستقبل، لحظة واحدة فهمت فيها كل شئ، إنّه ابن المدرّسة (فلانه) بنت (فلان)، وزوجها العميد (فلان) ابن الكلب (فلان)، لم يكن طفلاً عاديّاً، كان طفلاً برتبه عميد كوالده، وكان أتباعه أبناء أتباع والده، أطفالٌ كآبائهم ترعرعوا على التّشبيح لابن من شبّحوا هم له.. ويشبّحون، أحسست ببروده الأرض وصلابتها وتنفّست أتربتها، استسلمت تماماً للقدر، لم أحرّك ساكناً، كانت رفساتهم هي من تحركني، أنا لم أكن أفعل شيئاً، فقط كنت حزيناً جدّاً، هه.. تبّاً لكلّ شيء.. كيف لم أنتبه إلى أنّ ابن الكلب كان حاقداً على نتيجة التّصويت بعد أن حصل على أصوات أتباعه فقط، بينما أنا كنت.. كنت لا شيء!! ولن أكون شيئاً أبداً، نعم لن أكون شيئاً بعد أن انتهت المعركة بـ(دحش) الشّرائط الملوّنة في فمي بعد نتفها عن كتفي، والدّعس على (شاربي) الذي لم يرَ النّور بعد، ونظرات الأسى من بنت المديرة التي طالما حلمت بها، والتي لمحتها وأنا تحت حذاء المتنمّر الصّغير، لن أكون شيئًا بعد اليوم، لم أعد العرّيف، وأبي لم يعد والد العرّيف، وأخي لم يعد أخو العرّيف، أصبح أخو (القحـ..)، هكذا قال لي ذالك الفتى، نعم أخو (القـ..) ما أنا عليه الآن لأني فقط بعقلي الطّفوليّ اعتقدت أنني سأغيّر العالم بثلاث شرائط ملوّنه عرفت لاحقاً أنها ترمز لأفكار منظّمة طلائع البعث، رديفة حزب البعث العربيّ الاشتراكي.

*١: كانت الشّعارات في مدارس سوريا عسكريّةً بحته، وتنتهك كلّ معايير حقوق الطّفل عبر التّاريخ، وقد كنّا نرددها من دون أن نفهم معناها، ومن دون أن نلفظها أصلاً بلفظها الصّحيح .. (استعد.. استرح .. رتلاً ثلاثيّاً رتلاً ترادف ..أهدافنا : وحدة وحرية واشتراكية، وأن نقضي على عصابة الأخوان المسلمين العميلة، رفيقي الطّليعيّ كن مستعدّاً دائماً لبناء المجتمع الاشتراكيّ الموحد والدّفاع عنه: مستعدّ دائماً .. استرح:بعث!!)

برومو الشهيد ناجي الجرف