ملف

نزوح مزدوج – مخيمات اللجوء في إقليم كردستان العراق

نزوح مزدوج

مخيمات اللجوء في إقليم كردستان العراق

عباس علي موسى

 

إقليم كردستان العراق، الذي كانت له حكايةٌ مرةٌ وصعبة مع اللجوء في تاريخها القريب، واجترّت آلامه، صارت اليوم حاضنةً لموجة نزوحٍ كبيرة من سوريا التي تعاني من ويلات حربٍ، اشتعلت فتيلها بين مدنيين عزل يطالبون بالكرامة والحرية وبين أدوات القمع التي ارتقت إلى القتل سريعاً، ومع غض طرف العالم برمته على المأساة الإنسانية في سوريا، أريقَ دمٌ كثير، وحدثَ ما يمكن وصفه بالتغريبة السورية، حيثُ اقتلعوا من أرضهم ودمّرت منازلهم، وتَهددهم الموت وشبحُ العوز والفقر، بين ركام الدمار الذي خلفته آلة قتل النظام نبتت حكايا عديدة، كان من بينها حكايا المخيمات، مخيمات اللجوء/مخيمات العودة.

حكومة الإقليم لم تبدأ باستقبال اللاجئين منذ بداية الثورة السورية، بل إنّ استقبالها للاجئين السوريين يعود إلى فترة ما بعد انتفاضة قامشلو 2004، والتي تُعدّ بحسب بعض المتابعين والنشطاء بداية التحرّك الشعبي ضد النظام، والصور التي نُشرت في عامودا عن إسقاط تمثال الأسد الأب وسط ساحة عامودا هي ذاتها مشهدُ طالبي الحرية بعد تاريخ آذار 2011، فبعد الانتفاضة الشعبية في قامشلو 2004 وملاحقة النظام للكثير من الضالعين والنشطاء في تلك الانتفاضة، وفصله للكثير من الطلاب الكرد، فرَّ العديد منهم واستقبلتهم حينها حكومة الإقليم.

وهذا الدور قامت بهِ إبّان اندلاع الثورة السورية وموجة النزوح السورية صوب دول الجوار، فعقب أحداث رأس العين-سري كانييه، ووصول القتال إلى المناطق الكردية بدأت موجة نزوحٍ كبيرة صوب إقليم كردستان، ومع أنّ غالبية اللاجئين هم من كرد سوريا لكنّ حكومة الإقليم لم تغلق الباب أمام السوريين، وهذا ما يؤكده المسؤولون، كما يؤكده وجود العديد من العوائل السورية من غير الكرد.

تتحمل حكومة الإقليم أعباءً كبيرة وتحدياتٍ أكبر، فالجزء الأكبر من الدعم لهذه المخيمات تدفعها حكومة الإقليم والمنظمات الخيرية داخل الإقليم، هذا الأمر الذي يؤكده المسؤولون في هذه المخيمات، ففي مخيم دوميز مثلاً صرّح معاون محافظ دهوك «بهزاد علي آدم» وهو رئيس غرفة عمليات استقبال اللاجئين في دهوك لـ«الشرق الأوسط»، حينها بأنّ:«حكومة إقليم كردستان تتحمل 80% من نفقات اللاجئين السوريين من أجل أن يعيشوا بكرامتهم، بينما لا تهتم المنظمات الدولية كثيرا بهم مثلما يهتمون بأمثالهم في الأردن ولبنان وتركيا»

وثمة 12 مخيّماً لللاجئين في إقليم كردستان العراق، وحوالي 250 ألف لاجئ سوري، أكبر مخيماتها على الإطلاق هو مخيم دوميز الذي سجلّ أكثر من 130 ألف لاجئ فيه، بينما يعيشُ فيه فعلياً حوالي 85 ألفاً، ويتوزع الباقي في محافظة دهوك وريفها كمقيمين للعمل.

وربما من أكبر التحديات التي وقفت عائقاً أمام حكومة الإقليم هو التحدي الأمني، والتي كان من نتائجها الهجوم الإرهابي الأخير في أيلول 2013 على الداخلية/الأسايش في هولير/أربيل، هذا التحدي كان من شأنه الحد من حركة اللاجئين السوريين في المخيمات إلى خارجها للعمل والتنقل، وكانت حكومة الإقليم سمحت للاجئين السوريين بالتنقل للعمل والزيارات داخل الإقليم.

نزوح مزدوج

لولا توفّر فرص العمل لمات أهلنا جوعاً

بمعاينة مخيمات اللجوء قد نلاحظ أن كثيراً منهم فرّوا إلى هنا، مع أنّ مناطقهم تنعم بالاستقرار النسبي إذا ما قورنت بمعظم المناطق السورية، وبخاصة إذا ما عرفنا أنّ المناطق الكردية قد استقبلت الآلاف من العوائل السورية من محافظاتٍ سورية أخرى، إلا أنّ السبب الأكبر هو في حالة الفقر العامة التي تعاني منها المناطق الكردية.

وعلى الرغم من كلّ ما يُقال من أنّ معظم اللاجئين السوريين في المخيمات في إقليم كردستان لا يشبهون اللاجئين في شيء، إلا أنّ المأساة تظهر جلياً هنا وهناك، فالكثير منهم قد فرّ جراء الحصار الاقتصادي الخانق على المناطق الكردية، ويكفي أن تعلم أنّ سعر أنبوبة الغاز قد وصلت إلى 8000 ليرة سورية، إضافة إلى إغلاق المعابر الحدودية ما خلّف صعوباتٍ حقيقية في وجه المنطقة، ما دفع معظمهم للتفكير باللجوء إلى الإقليم كفرصة للعمل ودعم ذويهم، فآرام مراد كان صاحب محلّ صيانة ومبيع موبايلات في مدينة الحسكة، إلاّ أنّ عملهُ قد تضرر بشكلٍ كبير جرّاء انقطاع شبكة الاتصالات عن المحافظة، وتوقف الشحن بين المحافظات، والخوف من السرقة، ما اضطره للجوء إلى مخيم كوركوسك في العاصمة هولير/أربيل، والعمل كعامل عادي في سوق البناء.

وثمة الكثير من العوائل التي لجئت إلى المخيمات قادمةً من دمشق، هذه العوائل كانت طيلة سنوات هاربةً من شبح الفقر والتهميش والعازة في المناطق الكردية إلى دمشق بقصد العمل، وما إن وجدت موطئ قدمٍ لها هناك حتى اندلعت الثورة في سوريا، مخلفة ما خلفته من الدمار جرّاء لجوء النظام إلى الخيار الأمني والعسكري لإخماد أي صوتٍ هادر.

هذه العوائل فرت من دمشق باتجاه مخيمات اللجوء في دول الجوار، وبالطبع كان لمخيمات الإقليم ومخيم دوميز بشكلٍ خاص الحصة الأكبر من هؤلاء اللاجئين، وبهذا يكونون قد هُجِّروا، مرةً بمنهجيةٍ من قبل النظام، مرةً باستهداف لقمة عيشهم، ومرةً أخرى باستهدافهم ولقمة عيشهم سوية. فعبد الرحيم كان صاحب مشغل خياطة في منطقة القابون بدمشق وقد دمّر مشغله بالكامل في أثناء قصف قوات النظام المستمر للقابون، وهو الآن في مخيم دوميز يجترّ مرارة الذكرى وعزة العمل كربّ مشغل إلى عامل عادي في سوق العمل بمدينة دهوك.

يقول الكثيرون منهم صراحةً أنهم لم يأتوا إلى هنا بقصد اللجوء وهرباً من الأوضاع غير المستقرة بل هم هنا لتأمين لقمة العيش لأهلهم هناك، فظروف المعيشة الصعبة وغلائها جعل لقمة العيش صعبةً للغاية، وبخاصةً في المناطق الكردية ما وضع حملاً ثقيلاً على عاتق الشباب، الذين وجدوا فرصةً مناسبة للعمل وإعالة عائلاتهم في الداخل السوري.

عنصرية أم مصادفة

معظم اللاجئين في مخيمات إقليم كردستان هم من الكرد.

ليس بخافٍ على أحد أنّ معظم اللاجئين السوريين في إقليم كردستان هم من الكرد، إلاّ أنّ لذلك أسباب غير عنصرية كما يرى رائد محمد وهو ناشط مدني، يعزو رائد سبب ذلكَ إلى الجغرافيا، فمعظم النازحين في مناطق درعا وريفها ودمشق وريفها فروا إما إلى لبنان أو الأردن، كما أن معظم النازحين من مناطق ريف اللاذقية وإدلب فروا إلى تركيا بحكم قرب هذه المناطق من هذه الدول، ولذلك لا توجد نسبٌ كبيرة للسوريين غير الكرد في الإقليم، ومع ذلك فبإمكانك العثور على عوائل من مناطق سورية مختلفة ومن مللٍ مختلفة في هذه المخيمات.

مخيمات تضج بالحياة

في مخيم دوميز والذي يعد أكبر المخيمات في الإقليم، سترى نبض الحياة، فالمخيم هو أقرب ما يكون إلى مدينةٍ صغيرة، فكل شيءٍ متوفر داخلها، ابتداءً من بعض الحرف اليدوية، وانتهاءً بمحلات لتأجير فساتين الأعراس، ومحلات صياغة الذهب، وبإمكانك رصد حركة العمال عائدين من أعمالهم في محافظة دهوك أو ريفها.

وتوفّر حركة قطاع البناء النشط في الإقليم عملاً للكثير من اللاجئين الذين كان يزاول قسم كبير منهم هذا العمل أساساً في دمشق وحلب وباقي المدن الكبرى.

فالكثير من الشباب يعملون بشكلٍ متواصل ويضجّون حيوية ونشاطاً، بقصد دعم أهلهم وذويهم وتحسين أوضاعهم المعيشية، كما أنّ هناك الكثيرين منهم يعقدون أعراساً هناك في المخيمات ويتزوجون إشارة إلى الحياة.

الدراسة على المحك

إنّ أهم التحديات التي تواجه قطاع التعليم في المخيمات هو كثرة أعداد اللاجئين من مختلف الفئات العمرية، والتي خسرت دراستها في سوريا، فالمدارس القليلة التي تم انشاؤها لا تكفي بأية حال أعداد الأطفال، إضافةً إلى عوائق تتعلق بمسألة المناهج والكوادر التدريسية، بالإضافة إلى أنّ هناك فئةً من الأطفال الذين يحتاجون إلى برامج خاصة سواء أولئك الذين هم من ذوي الاحتياجات الخاصة،أو أولئك الذين يعانون من مشاكل نفسية عميقة، وبحاجة إلى رعايةٍ وبرامج خاصة، كأولئك القادمين من مناطق القصف أو الذين شهدوا بأعينهم أحداثاً دامية.

هذا وإن حاولنا أن ننظر في وضع طلاب المراحل الأخرى وبخاصة الجامعية نجد أنهم يعانون الأمرّين، فالخوف من ضياع المستقبل شبحٌ يطاردهم دوماً، إذ إن الكثيرين ممن تقدموا بطلباتٍ للجامعات في الإقليم، سواءٌ لإكمال دراستهم أو الالتحاق بأقسامٍ جديدة حسب الشهادة الثانوية، يعدّون بالآلاف كما ذكر لنا الكثيرون منهم، فالجامعات تضعُ طلباتهم في الأدراج، فالطالب آزاد محمد كان طالباً في الفيزياء في جامعة الفرات، اضطر لترك جامعته نظراً لظروف المدينة الصعبة وأوضاع أهله الصعبة، فأشار إليه بعض الأصدقاء بالتقدم لإحدى الجامعات في الإقليم إلاّ أنه متخوفٌ من فقدانه لدراسته، لأنه لم يحظ بالقبول هذا العام في أية جامعة، وسيضطر للانتظار سنةً أخرى، وكذا يبدو أن هنالك مصاعب أخرى تتعلق باللغة، فبعض الأقسام العلمية يجرى تدريسها بالإنكليزية وهي جديدةٌ كلياً بالنسبة لطالب، وإما هي بالكردية الصورانية التي تعتبر صعبة بالنسبة إليه.

إنّ أكثر ما يقلق الطلاب هو الخوف من ضياع فرصة الدراسة ومعها المستقبل.

التغريبة السورية بدأت منذ وعي النظام لضرورة القتل كأسلوبٍ للبقاء، بقائه، هذه الحقيقة التي يمضي فيها النظام على الرغم من مرور ثلاث سنوات على الثورة ودخولها في عامها الرابع، اللاجئون يعيشون مأساةً مزدوجةً ما بين خوفٍ من مستقبلٍ مجهول، وحاضرٍ مرّ، قدمٌ للعودة وقدمٌ للفرار، ولكليهما عينٌ للدموع.

 حنطة5

حنطة6

برومو الشهيد ناجي الجرف