ملف

اللجوء السوري والخطاب العنصري في لبنان

اللجوء السوري والخطاب العنصري في لبنان

أحمد عيساوي

 

مع ازدياد أعداد اللاجئين السوريين القادمين إلى لبنان، بدأ خطاب معيّنٌ يأخذ منحى متطرفاً في ترسيخٍ جديد لعنصريةٍ كانت سابقةً لفتراتٍ طويلة على هذه الموجة الصاعدة، طالت من طالت من أجانب ووافدين نتيجة ظروف شتى في مقدمتها اللجوء (طوعياً أو قسرياً)، ويبدو جلياً اليوم أنّ النظرة العدائية التي وسمت هذا الخطاب لم تعد تقتصر على تياراتٍ وجهاتٍ سياسية، بل أصبحت منهجاً يستظرف جمهورٌ واسعٌ ممارسته، ويتغنى جمهور آخر به على أنه مدماك أساسٍ لبناء «وطنية» حقيقية، أو حاجة رئيسية في معارك سياسية وانتخابية.

بدايةً لا يمكن الحديث عن اللجوء السوري إلى لبنان دون الاعتراف فعلياً بوجود أزمةٍ تتعلّق بكيفية إيجاد خطةٍ قادرةٍ بدرجةٍ أولى على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين، وتأمين احتياجاتهم بدرجةٍ ثانية. ومشكلة اللجوء ليست حدثاً طارئاً على بلدٍ يضم حوالي مليون لاجئٍ فلسطيني يتوزّعون على مخيمات بيروت وضواحيها والشمال والجنوب.

على أنّ العنصرية أيضا ليست وليدة الساعة في لبنان، وليس السوريون أول ضحاياها ولا هم آخرها في المدى المنظور. ما هو جديد في الأمر أن العنصريين تعددوا وتشعبوا وتمترسوا خلف حججٍ واهية، وغلّفوها بإطارٍ وطنيٍ محافظ، في محاولةٍ فاشلةٍ لتوصيف واقعٍ صعب أسسّه وجود السوريين على الأرض اللبنانية.

سيكولوجيا اللبناني العنصري

ليست العنصرية مظهراً جديداً في الحياة اليومية في لبنان، وكما أسلفتُ سابقاً تعدّدت الموجات العنصرية وطالت فئات متنوعة من عمال أجانب وخادمات في المنازل من جنسياتٍ إفريقية وآسيوية. ويُسجّل سنوياً آلاف حالات الاعتداء اللفظي، ومئات حالات الإعتداء الجسدي على هذه الفئات، يصل بعضٌ منها إلى القتل والتشنيع أو حتى التعذيب النفسي. يبقى أنّ السوريين المتواجدين في البلاد قبل بداية الثورة في آذار 2011 كانوا قد خبروا تلك النظرة العدائية من جمهورٍ (يحسب نفسه اليوم على الثورة)، خاصةً بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، والمظاهرات التي أعقبت الاغتيال والتي أفضت إلى خروج القوات السورية في نيسان-إبريل 2005. حمل خطابٌ لبناني معيّن على مدى سنواتٍ نفساً شوفينيناً، يستعدي كل أجنبيٍّ على أرضه، ويرى فيه سبباً مباشراً أو غير مباشر لمشاكل يواجهها أصلا. تجسّد الخطاب في قوى يمينية حملت لواء الدفاع عن لبنان بوصفه كياناً نهائياً لجماعاتٍ تراها تلك القوى والتيارات متقدّمةً على غيرها، فبات طرد «الأغراب» حاجةً وطنيةً ملحة في خطابات إعلامٍ حرّض ولا زال يحرّض يومياً ضد كل من هو مختلف عنه في الجنسية والثقافة والتكوين الإجتماعي.

العنصرية إذن حالةٌ مرضية نفسيةٌ تعتري المجتمع اللبناني، وحالة من حالات التعصب البدائي أو المكتسب بتفاوت درجاتها، والتعصب سيكولوجياً ظاهرةٌ نفسية موضوعها تأكيد الذات، وهذه ظاهرةٌ عامة، ولكن التعصب العنصري تطرفٌ في تأكيد الذات ومغالاة في ترفيعها لدرجة أنّ الفرد المتعصب عنصرياً لا يرى العالم إلا في ميدان ذاته الضيق، فيتسم سلوكه بالمظهر العدواني، وكما يقول «هامبري» في كتابه «أمريكا السمراء» أن التعصب نوعٌ من أنواع النرجسية، فمغالاة الأفراد في حب بيئتهم يدفعهم إلى مقت وكراهية الآخرين الذين يختلفون عنهم، ويحول بينهم وبين التفكير السليم، ولهذا فالجماعة بالنسبة للتعصب تنقسم إلى قسمين: جماعةٌ داخلية، وجماعة خارجيةُ، لأن التعصب يؤدي إلى عزل الجماعات المتعارضة، وفي حالة التوتر الداخلي للجماعة المتعارضة، وفي حالة التوتر للجماعة المتعصبة يتسم سلوكها بالعداء الخارجي نحو الجماعة المتميز عنها في المظهر، فتكون كبش الفداء «وتحميل البعض وزر غيره» ويزداد اضطهادها ومعاداتها كلما رافق هذا السلوك العدائي تبريرات وإشاعات مفتعلة تمس الجماعة المضطهدة، وخاصةً إذا كانت جماعةً ضعيفة «فالضعيف يشجع الناس على الاعتداء عليه» كما يقال.

في حاضر العنصرية تجاه اللاجئين

في حين تبدو العنصرية تجاه السوريين شبه غائبةٍ في المجتمعات البقاعية والشمالية للبنان، ومردّ ذلك إلى العلاقة التاريخية مع العمق السوري واتصالها الجغرافي والديمغرافي مع البيئة الحمصية والشامية، أضف إلى ذلك تقاطع مصالح الفئات في تلك المجتمعات، ولجوئها إلى نمط معيشةٍ متاشبه يعتمد في جزءٍ كبير على الزراعة والصناعة (مع وجود مهربين في طرفي الحدود). تبدو الصورة أكثر تعقيداً في البيئة التي تنطوي على تشابكٍ سياسي أو طائفي، بين من هم محسوبون على النظام السوري أو كانوا مناوئين له.

في المجتمعات المدنية (بيروت-وسط البلد) لا يمكن للبنانيين أن يمارسوا عنصريتهم، لأن السلوك الدوني تجاه من يعتبرونهم أضعف أو أفقر أو أقل منهم يغيب تماماً بفعل تواجد أثرياء حلب ودمشق في الحمرا وفردان وغيرها من المناطق التي عوّض لها هؤلاء غياب المواسم السياحية.

في البيئات الأقلوية (الأشرفية مثالا) تتبدّى العنصرية مصحوبةً بالقرف والخوف من مصيرٍ جماعيّ نتيجة وجود «دخلاء» على مناطقهم. يقول أحدهم في فيديو مصوّر لجريدة النهار أعدّته جوانا جرجورة: «شو جابن لعنا؟ زادtraffic؟» وتضيف صبية: «اخدوا محل اللبناني بالشغل ومن وقت ما اجوا ارتفعت نسبة الجرايم». هذا غيضٌ من فيض، وعيّنةٌ بسيطة من شارعٍ تغذّى على مفاهيم راجت في فترة الحرب على لسان كتائبيين وقواتيين «الأجانب غرباء قتلة، محتلون ويجب طردهم» دون أن يميز هؤلاء بين عسكريٍّ محتل ومدنيّ اضطرته الظروف للجوء إلى لبنان. (مع التذكير أنّ هؤلاء أنفسهم كانوا دعاة تدخلٍ عسكري في لبنان سنة 76 لمواجهة الحركة الوطنية وتصاعد نفوذ الفدائيين وهذا حديث يطول..)

تكرّر الخطاب في ساحة 14 آذار «ما بدنا كعك بلبنان الا الكعك اللبناني» في إشارة واضحة إلى تحميل السوري مسؤولية اغتيال الحريري، فيصبح السوريون المتواجدون على الأرض اللبنانية هدفاً لموجاتٍ انتقامية وصلت إلى حد المطالبة بخروج كلّ سوري من لبنان. هنا لا بد من العودة إلى شخصٍ مفصلي في 14 آذار ومحوريتها، لا بد من الإشارة إلى شخص سمير قصير، الأصدق والأجمل والأكثر وفاءً لحلم سوريا كما حلم لبنان. سمير ورفاقه وتقدميون وديمقراطيون رفضوا كل هذه المفاهيم والإسقاطات العنصرية وتصدوا لها في الساحات وفي المقالات الأسبوعية وفي العمل بشكلٍ جديّ على خلق روحٍ أخويةٍ بين مصير اللبنانيين والسوريين.

اليوم، يحتلّ العونيون (تيار ميشال عون) بوزرائه ونوابه وقاعدته الجماهيرية المرتبة الأولى في استحداث العنصرية وإخراجها إلى العلن على شكل خطواتٍ ومناهج للبحث والنقاش. لا يتوانى جبران باسيل «الوزير العوني» عن عقد المؤتمرات الصحفية للحديث عن مخاطر اللجوء السوري والأثر البالغ الذي تركه سوريون على الحياة الإقتصادية والإجتماعية، ومؤخرا (أصبح السوريون مسؤولون عن تفاقم الضرر الناتج عن ثقب الأوزون).

المعارك الانتخابية التي يبتغيها المسؤولون العونيون تحيلهم إلى الإبداع في حقل العنصرية، شارعٌ مسيحي بحاجة إلى صوتٍ قادر على حمايتهم من الخطر الدافق من الأكثرية المتواجدة خلف الحدود وداخلها.

يذهب المبررون لذلك الخطاب إلى الخوف من اصطفافٍ طائفيٍّ لللاجئين، ويكررون دائما أنّ وجودهم بات يشكل بيئةً حاضنة للإرهابيين الذين يدخلون لبنان للقيام بتفجيراتٍ إرهابية. عدا عن التكرار «العلمي» لأضرار ومشكلات اللجوء على الوضع الاقتصادي (يخيّل إليك أن لبنان كان يحتل مراتب متقدمة من حيث مستويات الدخل الفردي والرفاهية وغياب البطالة واستباب الأمن).

خلاص لبنان من خلاص سوريا

المسألة في غاية البساطة: هنالك سوريون فتحوا بيوتهم ومناطقهم لأكثر من 800 ألف لاجئ لبناني في حرب تموز (صيف 2006) وأظهروا كل الود والإحترام لشعبٍ شقيق اضطرته الظروف أن يحلَّ ضيفاً على أرضهم، هؤلاء أنفسهم يتعرضون لإهاناتٍ متواصلة منذ بداية الثورة، سواءٌ بالمشاركة أو بتأييد ودعم قتلتهم من قوى لبنانية واضحة، خرجوا اليوم من بلادهم وعليه يغدو كل صوت يدعو إلى الترحيل والتخلص من هذا الوجود صوتاً يجب محاربته والتصدي له ومحاسبته.

أعود إلى سمير قصير لأقول أنّ حلمه فينا لن يتحقق الا في وعينا أنّ الاستبداد الجاثم على صدور السوريين منذ عقود، هو نفسه الذي أذى لبنان ودمّر الحياة السياسية فيه وقضى على مقاومته الوطنية، وأنّ معركة السوريين في سعيهم للتخلص من هذا الإستبداد وكل استبداد جديد هي معركة كل حرٍّ في لبنان.

وعلى ما يقول رفيقي ويليام عن السيد المسيح أنه ينادي المتعبين وثقيلي الأحمال «تعالوا إليّ..» وأنا كما ويليام، أحب المعذبين والمطرودين واللاجئين وهم ضيوفٌ في بلادنا إلى حين نرفع شارة النصر معاً في دمشق وبيروت، نصر لحريتهم ولإنسانيتنا.

 

حنطة7

حنطة8

برومو الشهيد ناجي الجرف