ملف

خيمة السوري جسدهُ

خيمة السوري جسدهُ

وائل زكي زيدان

 

كان يواظب يومياً على التسلل بين المنازل المتناثرة والمهجورة التي تفصل المدينة عن حاجز النظام، مُسلّحاً بمنظارٍ حربي، مستغلاً تضاريس الأرض والأعشاب حبواً أو زحفاً على الأشواك، فقط من أجل الوصول إلى بيتهِ والاطمئنان عليه. وأية غلطةٍ أثناء هذه المجازفة المجنونة سيكون ثمنها حياتهُ، خصوصاً أن المسافة بين منزلهِ وبين أول متراسٍ لجنود النظام 150 متر!.

سألتهُ زوجتهُ مرّةً وقد كان وجهُهُ يقطُرُ بالمرارة، كيف الحال؟ فأجابها أنه لم ينجح اليوم بدخول البيت، ففيما هو يتقدّم زاحفاً نحو الباب، وما إن اجتاز برأسهِ العَتبة حتى فوجئ بكلبٍ يهدر في وجهه!، لذلك آثر الانسحاب والتراجع كي لا يتطوّر الأمر إلى عواء وعندها ستكون الكارثة.

حدثت تلك القصة في مدينة تلبيسة، فكثيراً ما يخاطر أصحاب البيوت الواقعة على الجبهة بحياتهم من أجل أن يلقوا نظرةً على منازلهم. لأن البيت بالنسبة للسوري كما أعتقد يتجاوز مفهوم المكان الذي يسكن فيه المرء ويخلد فيه للراحة والتأمل، أو الحيّز الذي يشعر داخله بالاستقرار. فبالإضافة لخاصّية الأمان، يضيف السوري خاصيّة الوطن ليغدو بيتهُ بمثابة وطنٍ آخر داخل وطن، من هنا يطلق السوريين على صحن البيت وهو باحة كبيرة تتوسّطهُ، يطلقون على تلك الباحة اسم /أرض الديار!/.

تلك الجاذبية التي تنشأ بين السوري ومنزله تصبح أقوى حين يكون البيت من خلقهِ وإبداع يديه، وبالتالي عاكساً ماديّا لثقافتهِ وشخصيتهِ. لقد عُرِف عن السوري منذ القدم اهتمامه بالمنزل الخاص، حتى غدت البيوت السورية القديمة في دمشق وحمص وحماه أحد أهم الآثار وتحت حماية المنظمة العالمية للآثار، لفنّيتها العالية في الهندسة المعمارية، فهي بحسب النقّاد «تمنحك أجواءً جميلةً تشعرك بالراحة، وتعطي انطباعاً مميزاً وإحساساً خاصاً بأنك سلطانٌ في هذا المكان».

ثمة بيوتٌ لسوريين مازالت حتى الآن قائمةً وموثّقةً في فلورنسا والبندقية بإيطاليا لعائلات تجّارٍ منذ القرن السادس عشر، وكان من الممكن نظراً للمكانة التجارية التي لطالما تمتّعت بها المدينتين السابقتين، الإقامة في أماكن مؤقتة كفندق أو خان وما أكثرها.

إن سياسة حرق البيوت للناشطين السلميين، ثم لاحقاً تدمير أحياء وقرى بكاملها يعزّز الاعتقاد باغتراب هذا النظام عن الوطن الذي يحكمه، ويجرّده من أية علاقةٍ تربطه بتاريخه، لأن الهمجية لا تنتمي لوطنٍ أو أرض، بل إن هذا التدمير الهائل هو محسوبٌ وممنهج، سواءٌ بواسطة طائرات الميغ أو القصف العشوائي أو البراميل المتفجرة. ويهدف إلى نزع خاصيّة الأمان التاريخية التي يحملها البيت، ويشوّه مفهوم الوطن الصغير في وجدان كل سوري، جاعلاً البيت يخسر لقبه العريق بتوفير الحماية، وهذا ما دفع السوري أكثر فأكثر للإحساس بأن جسده هو المكان الأخير المُتبقّي الصالح للاختباء، فكم من العائلات التي تركت بيوتها هرباً من القصف  لتجد نفسها في العراء تحت رحمة ظروفٍ مناخيةٍ سيئة. وفيما بعد سيترك كل هذا تأثيراته على الطفل السوري، فمن معرض لرسوم الأطفال السوريين بأنطاكية والتي نجح الفنان التشكيلي خليل حم سورك بتهريبها من مدينة الرقة، سوف لن تخلو أية لوحةٍ من بيت مرسوم، والمذهل أن تلك الرسوم جميعها تكاد تكون خالية من الطائرات أو دبابات!.

يفسّر المختصون رسم الطفل للبيت، بأن الطفل يبحث عن الاستقرار والرغبة بتكوين عائلة، وأحياناً في كونه يفتّش عن ملجئٍ لأنه يشعر بالقلق وانعدام الأمان.

وفي ظل هيمنة النظام لعقودٍ على جميع مفاصل البلد وفرضه ظروفاً اقتصاديةً متردّية، كان على الشاب السوري أن ينفق 20 سنة من عمره حتى ينعم بمنزله الخاص وكثيراً ما يتعاون الأخوة في سبيل ذلك، الأمر الذي جعلهُ -أي النظام-  يوسّع الهوّة بين الإنسان السوري ومفهوم الأمن والأمان. ذلك المفهوم الذي زوّرهُ كعادتهِ بقلب المفاهيم وتشويهها ليقتصر المفهوم حسب وسائل إعلامه على أن الأمان هو عدم وجود قوة استعمارية خارجية في الدرجة الأولى، وخلو البلد من التنظيمات الإرهابية ذات الطابع الدولي في الدرجة الثانية واختزل مفهوم الأمان كلّه وربطه بشخص الرئيس، لذلك سخّر النظام كل طاقاته المخابراتية منذ بداية الاحتجاجات السِلمية لاستجلاب الأمرين معاً، ولم يتوقف ليومٍ واحد عن إلقاء البراميل المتفجرة والقصف العشوائي على المدن والبلدات لتكريس المعادلة القديمة التي تقول «الأمان مقابل شخص الرئيس»، وبذلك لم يبق أمام السوري سوى جسده يتنقل به من مكان إلى مكان كخيمةٍ أخيرة ينصبها في عصرٍ متوحش.

 حنطة9

برومو الشهيد ناجي الجرف