ملف

عن اللجوء…والسوريين

عن اللجوء…والسوريين

علي صدر الدين حمودي

 

حق اللجوء هو مفهوم قضائي قديم، يقضي بإعطاء الشخص الذي يتعرّض للاضطهاد بسبب آرائه السياسية أو المعتقدات الدينية في بلده -والتي قد تكون محميةً من قبل سلطةٍ أخرى ذات سيادة، أو بلدٍ أجنبي- الفرصة له للتعبير عن آرائه.

مصطلح اللجوء:

تعريف اللاجئ حسب ما جاء في قانون تنظيم اللجوء رقم 45 لسنة 1974م (قوانين معتمدية اللاجئين): «كلمة (لاجئ) تشمل كل شخصٍ يترك القطر الذي ينتمي إليه بجنسيته خوفاً من الاضطهاد أو الخطر بسبب العنصر أو الدين أو عضوية جماعة اجتماعية أو سياسية، أو خوفاً من العمليات الحربية أو الاعتداء الخارجي أو الإحتلال أو السيطرة الأجنبية أو الاضطرابات الداخلية، ولا يستطيع أو لا يرغب أحد بسبب ذلك الخوف من الرجوع إلى قطره، أو كان لا جنسية له ولكنه ترك القطر الذي يقيم فيه عادةً بسبب تلك الأحداث ولايستطيع أو يرغب بسبب الخوف في العودة إليه.»

ويشمل مصطلح (لاجئ) أيضاً الأطفال الذين لا يصطحبهم كبار، أو الذين هم أيتام حرب، أو الذين إختفى أولياء أمورهم ويوجدون خارج الأقطار التي ينتمون إليها.

أما بالنسبة لحالة اللجوء السوري، فهي حالةٌ لا تشبهها حالةٌ أخرى، شعب كاملٌ يضيع مابين النزوح الداخلي والهجرة الخارجية، أطفالٌ بأحسن الأحوال ليسوا يتامى، ولكن بلا وطنٍ ولا مستقبل واضح، ولا حياة إنسانيّة تكفل لهم تربيةً وتنشئةً لائقةً وصالحةً لبناء مستقبل دولة، مجتمعاتٌ يسكنونها مابين رافضةٍ لهم وقاسيةٍ عليهم، ثقافة وعاداتٌ وتقاليدٌ وتاريخٌ طويل هو كل ما تجده في حقائبهم القليلة التي نجت من الدمار، والسرد يطول!

اللجوء السوري في المملكة الأردنية  الهاشمية:

كان للمملكة الأردنية موقفٌ واضح وصريح تجاه ما يحدث في سوريا منذ بداية الثورة، فقد أعلنت ودونما ترددٍ أنها تدعم مطالب الشعب السوري بالحرية والكرامة والمستقبل الواعد، وترفض الأسد بكل أشكاله وألوانه، وعلى الفور تم فتح الطريق أمام جميع السوريين القادمين من سوريا، وكان ذلك منذ بداية الأحداث السورية، وفي بلد يُعد فقير الموارد، ويعيش أزمةً اقتصادية، بدأ الوضع يتغيّر على جميع الأصعدة نحو الأسوء، ففي البداية كان عدد اللاجئين قليلاً يقتصر على القادمين من المناطق القريبة من الحدود السورية الأردنية، وكانت الحكومة الأردنية بالتعاون مع المنظمات الإنسانية والإغاثيّة العالمية والمواطنين الأردنييّن قد تكفلت برعاية من دخل أراضيها مُستجيراً، ومع مرور الزمن بدأ عدد اللاجئين يزداد بشكلٍ كبيرٍ، وبتسارعٍ غير متوقع، وبحسب إحصائيّاتٍ قامت بها الحكومة الأردنية والمنظمات الإنسانية والحقوقيّة والإغاثية كاليونسيف والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين واليونيسكو، فإن تعداد اللاجئين السوريين كان في بعض الفترات كالتالي:

في شهر آب/2012 كان عدد اللاجئين السوريين خمسة عشر ألفاً.

في شهر تشرين الثاني/2012 تضاعف العدد ثلاث مرات ليصبح خمسة وأربعين ألفاً.

في شهر ايار/2013 أصبح العدد مائةً وخمسين ألف لاجئ.

و في عام 2014 نجد أن هناك عشرين ألف كرفان، بالإضافة إلى ثلاثة آلاف خيمة بحسب تصريح الناطق الرسمي باسم المفوضية السامية.

و يبلغ الآن عدد اللاجئين السوريين حوالي المليون وثلاثمئة ألف ينتشرون في جميع أنحاء المملكة.

وأما بالنسبة لصفة اللاجئ في الأردن والتي يحصل عليها القادم من سوريا، فهي تكون عبر تقديم طلبٍ من الشخص نفسه يطلب فيه اللجوء، وهو أمرٌ متعارفٌ عليه دولياً، حيث أنه يمكن أن يتم بهذه الطريقة، أو أن يكون بتحميل جميع القادمين صفة الجوء دونما الرجوع إلى طريقة تقديم الطلبات، خاصةً وأن طرق الدخول تعددت وكثرت، فمنها الشرعي الذي يكون عبر الحدود البرية والبحرية والجوية، ومنها مايكون بطريقةٍ غير شرعيّة ، ولابد من التوقف عند هذه النقطة المثيرة للجدل.

الدخول اللاشرعي إلى الأردن (عقبات ومخاطر):

وهو تجاوز السوريين الحدود من غير تأشيرةٍ أو جواز سفر أو التزامٍ بالقانون الذي يضبط التنقلات السورية الأردنية، وفي ذلك مخاطر كبيرة، فطريق الهروب من سوريا يمر بمناطق ما زالت تحت سيطرة النظام، وأخرى مُتنازعٌ عليها، وقد يتخلّل الطريق مناطق اشتباكات مسلحة، مما سبب الكثير من حالات القتل الخطأ بانفجاراتٍ أو سقوط قذائف، أو القتل المتعمد من قبل قوات النظام، وفي بعض الأحيان قد يطلق حرس الحدود الأردنية النار إذا استشعر الخطر من القادمين، وهنا تبدأ معاناةٌ جديدة، إذ أن هناك الكثير من المصابين من الجيش الحر أو المدنيين يتم إسعافهم إلى النقاط الحدودية الأردنية، تحديداً إلى المستشفيات الحكومية، مدير مستشفى الرمثا الحكومي السابق قاسم المياسي، أكد أن المستشفيات والمراكز الصحية في الشمال الأردني، «تستقبل كل المرضى السوريين من مراجعين، أو جرحى عبر الحدود.»، حيث استقبل مستشفى الرمثا في عام 2013 المصابين والجرحى السوريين بأعدادٍ وصلت إلى أكثر من (25000) حالة عبر الحدود، وأجريت (2216) عملية بمختلف الاختصاصات، وتمّ تحويل حوالي (18000) حالة إلى مختلف مستشفيات المملكة. الطبيب السوري المقيم في الأردن أسامة المحاميد أكد أن هناك مشاكل تواجه بعض الحالات على الحدود، كـ»عدم وجود آليةٍ معتمدة وواضحة يُستقبل على أساسها الجريح، فيتم إرجاع بعض الحالات إلى سوريا حسب (مزاجية) المناوب على الشيك الحدودي، وليس بتوجيهاتٍ من السلطة الحاكمة». وقد أوضح الدكتور أسامة أن المعاناة الأكبر للجرحى تبدأ بعد الانتهاء من العمل الجراحي، إذ يتم إرسالهم إلى نقطة الاستقبال والترحيل المعروفة بــ (رباع السرحان)، ليُحول البعض إلى مخيم الزعتري، بينما يرجع البعض الآخر إلى سوريا قبل الشفاء التام، بالتنسيق مع الحاكم الإداري الذي يقدر حسب التقارير الصادرة من المشفى إرجاع أو إبقاء الجريح، وقد أرجعت الكثير من الحالات الخطرة كعمليات البتر مثلاً، ناهيك عن بعض حالات سوء المعاملة للجرحى (كالتقييد بالأسرّة) كما يقول أحد شهود العيان، ولابد من التنويه من دون الإطالة إلى أن اتفاقية جنيف تنص على احترام وحماية الجرحى والمرضى والمنكوبين، أياً كان الطرف الذي ينتمون إليه، وأن يعامل أيٌّ منهم معاملةً إنسانية وأن يلقى الجهد المستطاع وبالسرعة الممكنة، والرعاية الطبية التي تتطلبها حالته، كما يجب عدم التمييز بينهم لأي اعتبارٍ سوى الاعتبارات الطبية.

مخيم الزعتري، والقلق من التوطين!

أقيم هذا المخيم شرقي منطقة «المفرق» بحوالي عشرين كيلو متراً (شمال شرق الأردن) بعد شهر يوليو/تموز 2012، ولا يضم المخيم اللاجئين السوريين الذي لجؤوا للأردن قبل تاريخ 21 يوليو/تموز 2012 أو اللاجئين الذين عبروا الحدود بالطرق الشرعية بعد ذلك التاريخ. معظم سكان المخيم من محافظات درعا والقنيطرة ودمشق وريفها وحمص.

وقد كثفت الحكومة الأردنية جهودها تجاه هذا المخيم بالتعاون مع مختلف الجهات المُهتمة، في محاولةٍ منها لتوفير أكبر قدرٍ مستطاع من وسائل الحياة للاجئين، وذلك في الوقت الذي أعلنت فيه الأمم المتحدة أنها ترى (أن العام 2014 سيشهد نزوح 4 مليون سوري إلى دول الجوار، في ظل عدم وجود أي أفق حل للأزمة السورية، و أنّ عدد البيوت المهدمة في سوريا بلغ المليون ومائتي ألف، أي مايساوي تقريباً ثلث عدد منازل سوريا)، في حين أن هناك مخيمات جديدة بدأت بالنشوء من غير بنىً تحتيه، وبطرقٍ عشوائية وغير منتظمة، هذه المعطيات الأربع (عدد البيوت المهدمة، تقديرات الأمم المتحدة، تطوير البنى التحتية لمخيم الزعتري، ظهور مخيمات جديدة) بالإضافة إلى عدم قدرة أحد على تخمين مستقبل سوريا والسوريين؛ يسبب كابوساً ملازماً للاجئين السوريين في الأردن؛ حيث يقرؤون هذه المعطيات على أنها بدايةُ نهايةِ أحلامهم في العودة إلى الديار !!

أطفالٌ في اللجوء:

استفاض الإعلاميون في نقل صور معاناة الأطفال السوريين في بلدان اللجوء، وفي طريقة دخولهم ومشاكل صحتهم وإطعامهم وغيرها من مشاكل، ولكن ما يركز عليه الآن المتابعون والباحثون والمهتمون في شؤون الطفل هو (وماذا بعد؟؟!!) المستقبل قادم، ومن كان أمس مختبئاً في حضن أمه هو اليوم في عمر طلاب المدارس (بدون مدارس)، أو بدأ مراهقته وشبابه، ولكن المشكلة ليست فقط حال هؤلاء، بل المشكلة في عشرة آلاف طفل سوريّ ولدوا في اللجوء مع مستقبلٍ مبهمٍ تضيع فيه أقل الحقوق!! فأغلب هؤلاء الأطفال لم يُسجلوا في الأحوال المدنية في سوريا أو الأردن على حدٍّ سواء، ولا قيود رسمية لهم، فالكثير من السوريين لم يوثقوا عقود زواجهم بكلتا الدولتين، وهذا أدى إلى ضياع نسب المواليد الجدد. خاصّةً أن هناك 60 حالة زواج يومي بين سوريين بلا أوراق ثبوتيه، وهذا ما دفع ناشطين إلى التقدم بطلبٍ للحكومة الأردنية لإنشاء محكمةٍ شرعية في الزعتري لتسيير معملات السوريين من زواج وطلاق وتسجيلٍ للمواليد الجدد، وما إلى هنالك من معاملاتٍ أخرى، وقد تمت الموافقة على هذا الطلب مبدئياً، في الوقت الذي لم يتوقف النشاط على أرض الواقع لمحاولة الحدّ من أزمة الطفولة، فقد قامت المدارس الحكومية باستقبال الأطفال السوريين الذين بلغ متوسط عددهم في المدرسة الواحدة (100) طفل، بالإضافة إلى ظهور محاولاتٍ فردية يقوم بها ناشطون، كالمدرسة التي أسستها مجموعةٌ من النساء السوريات في جبل التاج في عمان من دون أي دعم، وذلك لمحاولة التّشجيع على إعادة تأهيل الجيل الجديد، ولابد في هذا المقام من التعريج على ذكر مجموعة (البراعم) التي انطلقت من مواقع التواصل الاجتماعي، إلى العمل على أراضي الأردن ولبنان، ولا يقتصر العمل فيها على السوريين، بل هناك أيضاً شبابٌ أردنيين في الأردن، وقد كان الإتفاق الرسمي في هذا التجمع هو منع استخدام صور الأطفال منعاً باتاً، لكي لا تكون سلعة بيد تجار الأزمات الساعين للحصول على الأموال باسم الأطفال، وقد قامت براعم بتغطية احتياجات (7000) طفل بالزعتري من ملابس شتوية وأحذية مانعة للتسرب.

أمام المفوضية، وفي الشوارع:

ليست المشكلة فقط في الخيام أو الكرفانات، أو في شحّ المساعدات الإنسانية، المشكلة تبدأ من أقل تفصيل ابتداءً من ساعات الإنتظار الطويلة التي تقضيها العائلات أمام مقرات المفوضية السامية، يقول الناشط (نديم): «مئاتٌ من النساء والأطفال تجدهم يومياً على باب المفوضية منذ ساعات الصباح الباكر وحتى المساء، فيهم الأطفال والنساء والعجائز وأيضاً الجرحى، إذ لابد من موظفي المفوضية أن يروا بأعينهم الأشخاص الذين يقومون بتسجيلهم، لتفادي التجاوزات التي قد تحصل، مما يسبب التعب والإرهاق الشديد للموظفين واللاجئين، وبعض الفوضى نتيجة ذلك، على الرغم من أن جهودهم الكبيرة في خدمتنا» يقول الشاب (وائل): «إنهم يقدمون لي كوبونات شراء بقيمة أربعة وعشرين يورو شهرياً على دفعتين، وتُصرف من أحد المولات المتعاقدة مع المفوضية، وفي بلد مثل الأردن مبلغٌ كهذا لا يكفيك لأكثر من ثلاثة أيام للبقاء حيّاً، ناهيك على أنني سأدفع مواصلات أكثر من قيمة الكوبونات لأصل إلى مقر المفوضية لاستلامها، لذلك توقفت عن أخذها منذ زمن بعيد»، ويضيف «أما العائلات فقد يحصلون على مبلغ قد يساوي أجار منزلهم فقط!».

وفي ظل نقص المساعدات الإنسانية والتدهور الإقتصاد الأردني والارتفاع الشديد في الأسعار، يحاول بعض الشبان الانخراط في سوق العمل، خصوصاً وأن اليد العاملة السورية مرغوبةٌ بشدّة في الأردن لمهارتها، وقلّة أجورها بسبب الحاجة، مما سبب الكثير من المشاكل والتي تبدأ مع الشباب الأردني الذي بدأ يرى في ذلك خطراً حقيقيّاً على مستقبله في العمل، فبدأت بعض الأصوات المعارضة للعمالة السورية بالظهور، ووصل الأمر إلى منع السوريين من التوظيف أو الحصول على ترخيص العمل، تحت طائلة الاعتقال والتحويل إلى مخيم الزعتري، وتغريم صاحب العمل بمبالغ تصل إلى خمسة آلاف دينار أردني، مما يجعلنا عاجزين حتى عن التعليق على هذا الأمر!!، ناهيك عن التعاطي السلبي للكثير من وسائل الإعلام مع قضية العمالة السورية، إذ أنّ شماعة اللاجئين السوريين حاضرةٌ دائماً لتبرير أي تقصيرٍ أو مشكلةٍ في عمل أجهزة الدولة، فهم يتعاطون مع السوريين بمنطق اقتصاديٍّ بحت وليس سياسي، ولكن ذلك لا يعني عدم وجود أصواتٍ معارضة لهذه السياسة، فالمجتمع الأردني هو مجتمع (عشائر) تحكمه العادات والتقاليد العربية، من إغاثة الملهوف وإضافته وحمايته، وهي أمور لايسمح بتجاوزها بين أبناء العشيرة الأردنية بشكل عام، فالكثير من رجالات المجتمع يدعون أبناءهم إلى رفض هذه الممارسات، واحترام المستجير بهم، وحمايته، مما يجعل المعادلة متوازنةً نوعاً ما..

التنوع الديني والطائفي والقومي في مجتمع اللجوء السوري:

لم تقتصر حالة اللجوء السوري في الأردن على دين أو طائفة أو قوميّة أو طبقة معينة من المجتمع، فإذا قمنا بالقياس على المقياس الديني أو القومي، نجد أن اللجوء شمل كل أطياف المجتمع السوري المعروف باحتوائه لعددٍ كبير من المذاهب والطوائف الإسلامية والمسيحيّة وحتى اليهودية القليلة جداً، والقوميات الكردية والأرمنية والآشورية والسريانية وغيرها الكثير .. فعلى سبيل المثال (لا على سبيل التخصيص) وبحسب إحصائيّة قامت بها جمعية الكاريتاس المسيحيّة؛ فإن عدد المسيحيين السوريين اللاجئين بلغ حتى الآن (7000) لاجئٍ منتشرون مابين المخيمات والمناطق الأخرى، ويتلقون مساعدات من جمعيات خيرية ومؤسسات المجتمع المدني مثل (شبكة مسيحيو سوريا)، ولا يعاني هؤلاء من أية مضايقات تستحق الذكر، أو اضطهاد أو ظلم بسبب معتقداتهم واختلاف انتماءاتهم، ويُرجع أخصائيون ذلك إلى وجود الوعي والتعاطف مع السوريين من قبل المواطنين الأردنيّين.

مشاكل كثيرة -ليس أكبرها ما تم طرحه هنا- تواجه السوريين في مختلف بلدان اللجوء، مستقبلٌ مبهم، وماضٍ أليم، ورائحة الدماء في كل مكان، تجار حروب وأزمات يتاجرون حتى بجثامين الشهداء، وسوريا الجميلة ما زالت جميلة على الرغم من كل الجراح.

 حنطة10حنطة11حنطة12

برومو الشهيد ناجي الجرف