حصيدة

حلب.. نازحو الداخل.. الهروب نحو الحياة.

حلب.. نازحو الداخل.. الهروب نحو الحياة.

عماد نجم حسو

 

الحرب والموت والدمار والتهجير هو كل ما يعيشه السوريين عامةً وأهالي محافظة حلب خاصة، لم يعد هناك أية بقعةٍ آمنة. الكثيرون من سكان المناطق المحررة تعرضوا للنزوح القسري بعد تحرير الجيش الحر لأحيائهم من أيدي قوات الأسد،  فكانت تغريبتهم الأولى. عاد الكثيرون ممن لم تتعرض منازلهم للدمار، أو من لم يكن حييه على خط النار، وذالك بعد انخفاض حدة الصراع بين عناصر الجيش الحر وقوات النظام السوري الفاسد، ولكن الآن وبعد مضي سنة على التغريبة الأولى، هاهو النظام الأسدي يعاود عدوانه الحربي على مناطق المدنيين، فأكثر من 1500 برميل متفجر خلال الشهر الأول من السنة الحالية، كانت كفيلةً بتحويل أحياء حلب المحررة إلى أرضٍ للموت ولا شيء غير الموت، (الميسر، المرجة، الجزماتي، طريق الباب، مساكن هنانو، الأرض الحمرة، كرم الطراب، الصاخور، الحيدرية) هي أحياءٌ خلت من ساكنيها فكان النزوح.

1،7  مليون هو عدد النازحين داخل مدينة حلب، وذالك بحسب آخر احصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، مشهدٌ يغيب عن اهتمام الإعلام، ويخرج عن دائرة رعاية المنظمات الإنسانية الدولية حيث يعاني أفرادها من صعوبةٍ في الدخول والخروج والتنقل ضمن الأراضي السورية، وبذالك فقد حرم النازحون من التمتع بالحقوق المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، وفي المبادئ التوجيهية للنازحين داخلياً، يعيش النازحون في الداخل أوضاعاً معيشية سئية وظروفاً حياتيةً بالغة الصعوبة.

أكثر من ستة مخيماتٍ في الريف الشمالي لمدينة حلب، تتوزع بين أطراف بلدة اعزاز وبعض القرى الأخرى، لم يكن مخيم السلامة الحدودي قادراً على استيعاب الأعداد الكبيرة من المشردين، والذين وجدوا في العراء ملجأً أقل خطورةً من البقاء في مساكنهم معرضين لذلك الكم الهائل من البراميل التي أمطر بها النظام الأحياء المدنية في حلب، فاستُحدثت تلك المخيمات التي تفتقر سلفاً للأمان والحماية ونقصٍ في قدرة المنظمات الإنسانية والجمعيات الإغائية على سد احتياجات الأعداد الكبيرة للنازحين.

يحدثنا أبو حسن (45 سنة) الذي وجد في مخيم باب السلامة الثاني ملجأً له بعد أيامٍ من التشرد والضياع. يقول أبو حسن: «خرجت أنا وزوجتي وأولادي الأربعة مع ابنتي الأرملة وابنها، والتي فقدت زوجها في أحد البراميل التي سقطت على حي الميسر، نبحث عن الخلاص من كابوس براميل الموت، وبعد أن أصبح حي الميسر هدفاً لدبابات النظام ورشاشات ال 23 والتي حاول النظام من خلالها الدخول إلى الحي من الطرف الجنوبي، لم يكن في جيبي سوى 2000 ليرة سورية، كانت كفيلةً بنقلي من مدينة حلب إلى الريف الشمالي، بقينا أكثر من أربعة أيامٍ في العراء بالقرب من مدينة اعزاز، حيث قام أهل الخير بأخذنا إلى مخيم باب السلامة الثاني، هنا بدأت حياةٌ جديدة ومعاناةٌ أخرى، نقص المواد الأساسية كالطعام والماء، وتحولِ المخيم إلى بركةٍ من الطين في الأيام الماطرة هي أكثر الصعوبات التي نعاني منها هنا. يوجد بعض العناية الصحية، حيث تعمل الجمعيات الطبية على تأمين العناية الطبية وتقديم الدواء لساكني المخيم، نحاول التأقلم مع الحياة الجديدة ومع الصعوبات التي نواجهها بغية حياةٍ أفضل.»

إن رحى الحرب الدائرة ووحشية قوات النظام أفقدت الكثير من المدنيين منازلهم، فهذا من دُمر منزله نتيجة سقوط قذيفةٍ أو برميل، وذاك من أصبح منزله في الخطوط الأمامية لجبهات القتال بين طرفي النزاع كما، فقد الكثيرون وظائفهم وأعمالهم وأصبحوا عالة على غيرهم، بالإضافة إلى فقد بعض الأسر لمعيلها، إما نتيجة  موته أو نتيجة اعتقاله من قبل قوات النظام الأسدي. أم أحمد امرأة في العقد الرابع من عمرها، وهي من أهالي حي الحيدرية، اعتقل ابنها ذو الثمانية عشر عاماً منذ أكثر من سنة من قبل قوات الأسد، وتوفي زوجها نتيجةً لإحدى القذائف التي سقطت على دوار الحيدرية منذ خمسة أشهر، تحدثنا أم أحمد حيث تقول إن الهجمة الشرسة التي قام بها النظام على حي(الحيدرية) من خلال البراميل المتفجرة  جعلتها تغادر المنزل الذي لا تملك سواه لإنقاذ نفسها وأولادها الثلاثة، عدم وجود من يعيلها وقيام أحد الاقارب الذين منحوها منزلاً لتسكن فيها هي وأولادها وذلك في حي (الهلك) جعلها تمتنع عن الذهاب خارج حلب، حيث لم يكن على قائمة الأحياء التي تعرضت لبراميل الموت في الإعتداء الأخير لقوات الأسد على أحياء حلب المحررة.

يحدثنا علي أبو جعفر أحد ناشطي حي الهلك عن الأعداد الكبيرة التي وجدت في هذا الحي ملجأً لها من نيران قوات الأسد حيث يقول أن أكثر من 1000عائلةٍ قد وجدت في الحي ملاذاً لها، حيث خفت وتيرة الصراع على جبهة حي (الهلك)، الذي يقع بالقرب من حي الميدان حيث تتمركز قوات الأسد، وبالتالي فإن أعداداً كبيرةً من النازحين هم في حاجةٍ إلى المساعدات الغذائية والصحية، والتي تبدو ضئيلةً بالمقارنة مع أعدادهم في الحي، بالإضافة لضعف عمل الجمعيات الإغاثية والمنظمات الانسانية، إذ تعاني جميعها من مشاكل وصعوبات في نقل المواد والوصول لمدينة حلب، وبالتالي يتعرض النازحون للجوع والبرد والمرض على أقل تقدير.

 الضغط النفسي والخوف الدائم من الاعتقال والتمييز المناطقي، بالإضافة إلى سوء الظروف الحياتية وارتفاع الأسعار هي ما يعانيه كل من اختار النزوح بإتجاه المناطق التي تسيطر عليها قوات الأسد، في الجانب الآخر من محافظة حلب، وهنا تقوم حواجز الأمن والشبيحة بالاعتداء على المدنيين، فأفعال هؤلاء مرتبطة بمزاجهم وبشهواتهم الدنيئة، فيكفي أن تكون من أحد المناطق المحررة من قبل الثوار لتصبح مطلوباً لدى النظام الأسدي، ومعرضاً لكل أساليب الاعتداء والتعذيب.

أبو صالح وعائلته، إحدى العائلات التي سلكت طريقاً للنزوح إلى مناطق سيطرة النظام ظناً منها بأنها ستكون في مأمنٍ من براميله، 14 ساعة هي الفترة التي قضاها أبو صالح على معبر بستان القصر للدخول إلى مناطق النظام، يخبرنا أبو صالح عن سوء المعاملة والألفاظ البذيئة التي أطلقها الشبيحة ورجال الأمن عليهم عند المعبر (طول عمركن رح تضلو غنم يا كلاب، يلا يا حيوانات..الخ) كما يسرد لنا رحلة البحث عن منزلٍ يؤيه وعائلته، هو متهمٌ لمجرد أنه من حي مساكن هنانو، فلا منزل ولا مأوى إلا بعد إحراءاتٍ أمنيةٍ مشددة، يتم من خلالها الكشف عن وضع العائلة وحتى عن وضع أقاربها الأمني، أبوصالح كان قد جعل من أثاث منزله وكل مقتنياته سلعاً على أرصفة الشوارع  لسد ما يحتاجه من مواد أساسية بالإضافة إلى دعم الجمعيات الإغاثية.

«أهل الخير» «والإحسان» و«التآلف» هي جمعياتٌ أهليةٌ إغائية في المجالين الغذائي والطبي، نشأت مع بدء الصراع بين الطرفين في المناطق التي يسيطر عليها النظام، فكان لها الدور الكبير في التخفيف من معاناة النازحيين، يحدثنا سامر الحلبي أحد الناشطين الإغاثيين قائلاً: «لقد بلغ عدد العائلات النازحة إلى مناطق النظام خلال العدوان الأسدي في الأشهر السابقة إلى (1500) عائلةٍ تقريباً، افترش الكثير منهم الأرض والتحف السماء في الحدائق والأماكن العامة، عملنا على إيوائهم في المساجد وفي بعض الوحدات السكنية الفارغة، والتي تعتبر قيد الإنشاء، نحاول أن نخفف من آلامهم ومعناتهم، من خلال العمل على تأمين سللٍ غذائية، وتقديم العناية الصحية، فهناك الكثير من عمليات الإستغلال التي يتعرضون لها من قبل الشبيحة الموجودين في كل مكان، لقد رأينا صوراً مختلفةً من أشكال النزوح الداخلي، كما تعددت الصعوبات والمعوقات والمخاطر التي يتعرض لها هؤلاء، ولكن يبقى المسبب الذي دفع هؤلاء للنزوح واحد، لذا وجب التدخل الفعال لمعالجة أوضاع النازحين وتوفير سبل المعيشة لهم، عبرتسهيل دخول المنظمات الدولية، كاللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومفوضية اللاجئين، بالإضافة لمنظمات حقوق الإنسان والمنطمات الإغاثية والإنسانية.

 أبو حسن، أم أحمد، أبوصالح، هم مدنيون لم يكن لهم أي يدٍ في الصراع الدائر في البلاد، إلا أن وحشية النظام وهمجيته لم تفرّق بين مدنيٍّ وعسكري، أُجبر هؤلاء على الخروج من منازلهم هرباً من الموت، يبدو أن حلماً بدأ يتشكل في مخيلة هؤلاء، ألا وهو حلم العودة.

 حنطة17حنطة18

برومو الشهيد ناجي الجرف