جرن حنطة

دروسُ مصر الممتنعةُ

دروسُ مصر الممتنعةُ

خضر سلمان

 

من اللافت أن تَعقُّد الحالة المصرية، يرتب نتائج حاسمة وبسيطة، إذ تكاد تتلخص بـ كم من الأثمان المكلفة يمكن أن يترتب على الخيارات الخاطئة، وأحياناً بالكثير من الدم الذي لا يمحوه غير الزمن ومقتضيات انقضائه وحسب، كما لا يتمنى أحدٌ لمصر.

طبعاً ما من محاولةٍ للتقديم لفهم ما للصواب والخطأ عند استعمال تعبير الخيارات الخاطئة، وإنما أعني فقط ذلك النوع من الخيارات البائسة التي تؤسس للديكتاتورية عبر الثقة الساذجة بحسن نية قوى التقاليد في المجتمع، الخيارات الأكثر بعداً عن الثورية والأقل ارتباطاً بحاجات المجتمع الحقيقية، لصالح معارك الكبار على السلطة، هي ما أعنيه.

تطابقٌ غريبٌ ومشبوه للتاريخ المصري الحديث والمعاصر، الرسمي، مع النماذج التاريخية السابقة عليه، أو النماذج النظرية في التحليلات والقراءات. كأن مجرى الأحداث اتجه دائماً لمصلحة الأمر الواقع، بما يؤسس لفوز قوى المجتمع التقليدية بحق كتابة التاريخ، وطبعاً وفق مصادراتها السلطوية الميالة إلى النمذجة والتأطير والإلحاق، وبصورةٍ ثابتة ومتجذرة، للتخفف من واجب النقدية الضروري لتدوين جديٍّ وواقعيّ للتاريخ كان ليكشف البنى العميقة للتسلط والاستعباد وحراسهما. سيرة التزييف الطويلة هذه، يغلب أنها السبب في عدم قدرة كثيرين من المثقفين «الثوريين» خارج مصر على فهم حالة الاحتراب البطيء التي تعيشها. بعيداً عن هذا، تقطف مؤسسة السلطة في مصر انتصاراً جديداً، مُصادِرةً الحق في إيجاد الحل، بعد أن صادرت المشاكل وراء مشاكل مستدعاة قابلة للحل بالوعود والنوايا الطيبة وحسب. إذن الإخوان يريدون أخونة الدولة، وإذن الحل أن (لا) نؤخونها. ماذا لدينا؟ العسكر طبعاً، وبخلطتهم نفسها لا تزيد ولا تنقص، بيرقراطية عسكر، ورجال أعمالٍ قوية ومجرَّبة هي ما تحتاجه الدولة- الوطن، ولن يختار المجتمع المتعب المستنزف اقتصادياً والمتعشم في وعود الاستقرار، لن يختار تجريب شيءٍ آخر جديد بعد كل هذا الإرضاخ الطويل والخبيث، طريقة «الإقناع» نفسها تنجح مرة أخرى، وفي زمن ما سمي بـ»الربيع العربي»، وبمباركة راعين متحمسين لسردية الربيع العربي في مصر والمنطقة من سياسيين تقليديين ومثقفين وقوى مدنية.

لا يخيلْ لأحدٍ أنه يمكن الثقة بعد بما نعرفه عن «الخصائص المحلية» للواقع المصري، نحن لا نعرف شيئاً في الحقيقة عن هذه الأخيرة، فهي قد أُتخمت تنميطاً وتوكيداً وتسطيحاً، حد أن الوطنية المصرية هي الأخرى، وبعد أن تحولت إلى ما ليس أكثر من أداة ديماغوجية لا تلهم أحداً، تكاد تهترئ تحت وطأة الاستخدام الساذج المأزوم، وليكون من تعاسة فقراء مصر وعبثية وضعهم، أن عليهم قبل كل شيء تمزيق قميص الفقير الجميل، الفقير الراضي السلبي اللطيف الخانع، العبد الكامل، الصورة التي أرادتها لهم النخبة في مصر دائماً، منذ قبل محمد علي حتى، ليتمكنوا بعد ذلك من إيجاد تطبيقاتٍ لثقلهم الطبقي في المعترَك السياسي، بمعزلٍ عن استقطابات الكبار الكريمين بالتضحيات –التضحيات من جيب ودماء الآخرين طبعاً، والآخرون في مصر يصادف أنهم الفقراء دائماً- من أجل اليوتوبيا و»الأفكار» والصراعات «الناعمة» للنخب، مع تجاهل مؤشرات التوتر العالي التي يتناهى إليها الواقع المأساوي لقيعان السلم الاجتماعي والاقتصادي في الأرياف وأحزمة المدن الكبرى، التي تتسع رقعتها الديموغرافية بشكلٍ كارثي، وسط تخبط إرهاصات استواء مصر على خط «آمنٍ» وواثق للتغيير، نحو حلولٍ ثورية لا ينفع غيرها مع هذا التراكم الورمي للأزمات.

يبدو أن المشاكل التقليدية للدولة البرجوازية التي أسس لها محمد علي، والتي استمرت دون عتبات الانفجار وساكنةً على حال استقرارٍ قلق، بالطريقة المعهودة في توازنات المدنية الحداثية، كما فهمها محمد علي على الأقل، السلف المبكر لـ «المستبد العادل» العربي القادم من الجيش إلى السلطة (بلا نيةٍ في استخدام القوة ولا طمعٍ في الاستيلاء على السلطة!)، دخلت في طورٍ طويل من التعفن منذ استحكام دولة عبد الناصر الأمنية، نتيجة انكتام المجتمع تحت متطلبات المسؤولية الضمنية التي يحلو للديكتاتوريات العسكرية «التقدمية» العربية إلصاقها بالناس، مسؤولية «الشعب» عن مطابقة الرؤية المسبقة في وعي السلطة، ومطابقة ما «ينبغي» أن يكون عليه، لينال بالمقابل السعادة، أو أياً تكن.

لدينا مثالٌ قريب وأسود، القذافي الذي قلَّب ليبيا بين القومية العربية والفاطمية (!) والإسلام «القذافيّ» ثم هوس إفريقيا، بكل سلاسةٍ وبلا مشاكل تذكر، فالمجتمع لا يحتاج ليَصلُح، إلى أكثر من انقلابيٍّ متهورٍ وذي خيال. تقريباً هكذا كان يرى القذافي الأمر، أو هذا ما يقوله سلوكه المجنون.

ضخ عبد الناصر دماءً جديدة في الطبقة الوسطى المصرية التي احتاجها بشدة لتطويع المجتمع لأدلجة الاشتراكية الناصرية الهجينة، وكان هذا آخر تخديرٍ «فعال» للاختناق الطبقي في المجتمع المصري الكبير والمترامي، ولكن هذه المرة مع استبدادٍ عسكريٍّ «حديث»، معضود بجهاز مخابراتٍ قوي، الوصفة الحمقاء لأنظمة القرن العشرين الشمولية لـ»تصحيح» المجتمع. تفويضٌ على بياض -حتى لو بدأ الأمر بتعاقدٍ مؤقت- إذ بمجرد تحصيل»الالتفاف الشعبي» سيجيد «المستبد العادل» دائماً تدبر تقوية أجهزته وشحذ أدواتها، بما يضمن تفويضاً أطول قليلاً مرة بعد مرة، حتى يستتب مجتمع الرعب في النهاية على جثة آخر إنسان حر. (من المثير متابعة كيف سيتذكر السوريون اليوم طقس «تجديد البيعة»، وهو ما كان يطلق على النسخ الأخيرة من الاستفتاءات التي «وصل» بها حافظ الأسد مرةً كل سبع سنوات، طوال قرابة أربعين عاماً، إلى حكم سوريا).

اليوم تقف مصر على حافة الانهيار، وبين انهيارٍ «حميد»، أي مسارٍ ثوريٍّ قوي واعٍ لذاته ولشرطه التاريخي، حلم به ثوريو 25 يناير، وما يحدث في الصراع على السلطة اليوم، تحاول جذوة شباب مصر أن تتنفس، ولو لمجرد البقاء، لحين بناء الصف الثوري من جديد. تتداخل المسارات لتقترب الثورة من رهانات السياسة وحساباتها أحياناً وتنطوي أحياناً أخرى، فنجدها تدلي بدلوها بقوةٍ بمددٍ من زخم 25 يناير في الاستحقاقات السياسية جميعها، ثم تختنق في معركة صعود العسكريتاريا والفاشية وبقايا الطبقة الوسطى وحراس التقاليد والفلول بثورة مضادةٍ داميةٍ أزهقت أرواح الآلاف في أيامها الأولى، آلافٍ من المواطنين المصريين الذين مارسوا الحق في التعبير عن الرأي، فكان نصيبهم الموت، لأنهم عبروا عن الرأي «الخاطئ»، كما يحاول أن يخبرنا الفلول الصاعدون اليوم.

إن من حقق الإنجاز الصغير في 25 يناير كان الكتلة الضخمة من «بتوع العشوائيات»، أستعير التعبير من تسريبٍ لحبيب العادلي وزير داخلية مبارك من سجنه (قال أيضاً بالحرف إن «ثورة» 30 يونيه هي الثورة الحقيقية، لأن من قام بها كانوا «أولاد ناس»، حسب ما أوردت صحيفة اليوم السابع المصرية بعددها ليوم الأحد 22 سبتمبر 2013!).

هذه الكتلة الهائلة ممن استنفذوا كل شيء ولم يعد لديهم ما تُخشى خسارته، من الفقراء والعمال اليوميين وعمال المصانع وسكان الضواحي المُفقَرة، هي من يُنتظر اليوم أن تلملم جراحها وتسترد العزيمة والتوق إلى التغيير، بعيداً حتى عن «مفجري» يناير من بقايا اليسار النقابي والأحزاب التقليدية والثوريين بالنظرية، ومتاهات سلاسل التنازلات الإصلاحية التي ضاعوا فيها بعد ذلك، هناك، حيث طالما ضاع في أوحالها ثوريون واعدون عبر التاريخ، مضيعين معهم فرصاً ممتازة لصمودٍ مثمر وعنيد..

ماذا بقي من 25 يناير؟ لا أدعي جواباً، لكنني أعرف في مصر من عليه أن يجيب، شبابٌ نشطوا من أجل قضايا الفقراء والمهمَّشين بإخلاص، عملوا ضد دولة مبارك في أيام قوتها وناموا في عراء ميادين التحرير وذاقوا سياط أمن الدولة وشاركوا في صناعة إنجاز يناير، ثم هتفوا بشراسةٍ ضد العسكر وأدانوا المحاكمات العسكرية للمدنيين ومحاولات إطالة عمر المرحلة الانتقالية آنذاك، صوتوا لمن اقتنعوا ببرنامجه ولم ينسوا أن يحاسبوا على الوعود، وهناك من قاطعوا استفتاءاتٍ واستحقاقاتٍ بدت حاسمةً في أيامها، لم يغرَموا بزعيم ولم يرتاحوا إطلاقاً لنهم الإخوان إلى السلطة، رفضوا انحراف الإخوان وأدانوا استئثارهم وهتفوا بسقوطهم، نزلوا في الحراك ضدهم وانكفؤوا في لحظة الانقلاب وسخروا من التفويض وصرخوا في وجه القطيعية ومروجي أسطورة البطل الشعبي، ونالهم من الداخلية في عهد الإخوان ما نالهم في العهود السابقة، وحين أُطلق الرصاص على العزَّل في ميدانَي رابعة العدوية والنهضة وكرداسة ودلجا والجامعات والمدارس والأحياء المعاقَبة وقرى الصعيد وسيناء، كانوا وراء الكاميرات المحمولة وعربات الإسعاف وفي المشافي الميدانية، يحتالون على حظر التجول ويسربون ما يمكن لمراسلي الإعلام الأجنبي ويحرصون على القيام بما يجب، بلا كثير كلام ولا كثير آمالٍ خداعة، ولكنه نداء الواجب الإنساني والثوري فقط لا أكثر. يحلمون بمصر بلداً لكل من يعيش فيها ساعة، ليس ثقةً بالتراب وبالماء الوطني المقدس أبداً، لكن لأنهم يدركون أن كل البلاد جميلة طالما كان الإنسان فيها حياً وأن المستغِل واحد والكفاح واحد، يستمرون في الحياة، يعملون ويحبون ويحلمون، يجلسون في مقاهي وسط البلد مساءً، متناقلين بغلٍّ آخر النكات حول وزير الدفاع السيسي، «البطل الشعبي» الرديء عديم الموهبة، يتندرون على معالم المرحلة القبيحة، ويفعلون شيئاً يغيظ الفلول والعسكر والجميع، لا أعرفه لأنني لم أعد هناك، لكنني متأكد من هذا..

 حنطة22

حنطة23

برومو الشهيد ناجي الجرف