جرن حنطة

الحركات المدنية في سوريا.. إلى أين؟

الحركات المدنية في سوريا.. إلى أين؟   

محمد الحاج

 

أين الحركات المدنية في سورية، و ما هي أسباب توقفها واختفائها؟ لماذا لا يوجد لها دعم كاف من قبل المجتمع الدولي؟

الحركات المدنية لها دور هام في إعادة بناء جيل سورية المستقبل قبل بناء أحجارها، لكن أين الائتلاف الوطني والحكومة الانتقالية والمنظمات الحقوقية المهتمة بالوضع السوري في هذا الموضوع.

في محاولة لنا للوصول إلى بعض الإجابات تحدث إلينا الناشط زياد، وهو عضو في تجمع «تمرد» المدني عن واقع الحركات المدنية في سورية:

علينا قبل كل شيء أن نعلم ما مفهوم الحركة المدنية بشكل مبسط، الحركات المدنية هي من بدأت ثورتنا، تنسيقيات الثورة، تجمعات الإغاثة، وما اصطُلح على تسميتها «مكاتب إعلامية»، كلها تخضع للمسمى نفسه، وأما عن أين هي الآن، أستطيع الإجابة بكل فخر، أننا، ومجموعة ليست بالقليلة من «منظمات المجتمع المدني» الناشئة حديثاً استطعنا خلال وقتٍ قليل خلق آليات عملٍ نعوّل عليها مع الكثيرين، لتكون جزءاً من الحل لحالة الاستقطاب التي يعيشها المجتمع السوري حالياً.

يقول زياد: «بصراحة الصعوبات التي تواجهنا هي كثيرة ولا تحصى، منها مناخ العمل في ظل سيطرة النظام القمعي السابق و تخوفه من أي شكل من أشكال التعاون والتجمع بين أفراد الشعب، استهلاك طاقة الكثير من الناشطين الذين تفرغوا وأنا منهم، للعمل الثوري، وقلة الخبرة أيضا.أريد الإشارة هنا، أنه ولو بنسبة أقل، فإن العمل في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الحر أو الإسلاميين كان يعوزه المناخ أيضاً، بين حالة الحرب والقصف المستمر، والعديد من الاعتقالات التعسفية التي وصلت أحياناً لحد تصفية ناشطين مدنيين من قبل كتائب المعارضة. الوضع ما زال سيئاً، والحراك المدني غير مقبول من طرف العسكر، حركات التوعية رغم أنها عديدة، إلا أنها مبعثرة وتفتقد الإستراتيجيا، ذلك عائد لقلة الخبرة وتشرذم منظمات المجتمع المدني. أما عن أمثلة عن تلك الحركات، أعتقد أنك تلاحظ العدد الهائل من الصحف والمجلات الحرة، التي تُستخدم في المجال التوعوي، على اختلاف قدراتها و أهميتها. على الصعيد شخصي، كان لي أكثر من تجربة في هذا المجال، ويجب أن ننوه إلى أنه لم تختفِ الحركات المدنية، إدعاء ذلك هو كذبٌ مباشر، أو جهلٌ بتعريف الحركات المدنية.

لم تختف المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام، وتصحيح مسار الثورة إن أخطأت، لم تتوقف الجمعيات الإغاثة عن العمل، وذلك في طرفي حلب الشرقية والغربية، وكذلك افتتاح العديد من المدارس في المناطق المحررة، والحملات طبية، وغيرها الكثير، التي تعتبر كلها حراكاً مدنياً، ذلك هو القسم الواضح من العمل، وأود التوضيح، أن مراكز توثيق الانتهاكات في مجال حقوق الإنسان، والعديد من دورات المجتمع المدني لتوعية الناشطين حالياً بالمفهوم الذي لم يسمح له النظام حتى بالوصول إلينا، هي أمور خفية عن الإعلام الذي يلاحق الأخبار الساخنة حالياً لكن أثرها المقبل أكبر.

بشكلٍ شخصي لا أحبذ تسمية إنجازات هذه الحركات، ولذلك سأكتفي بالقول بأن قدرة مجموعات الشباب هذه على التجمع وانجاز استراتيجيات قصيرة الأمد، ومشاريع توعوية في ظل ضغط فوضى السلاح هذه، هو بحد ذاته انجاز.

الخلاصة التي نتجت عن آخر اجتماع هو أن العمل المدني هو عملٌ باستراتيجياتٍ طويلة الأمد، لا يستطيع متابعٌ إنكار الاختلاف في الوعي المجتمعي السوري خلال السنتين ونصف السابقات، أي أن التحول الاجتماعي كان أساسياً في استمرار الثورة، ذلك التغيير لم يأتِ مع الريح، هو نتاج عمل دؤوب لمجموعاتِ كثيرة من الناشطين المدنيين السوريين.

أنا شخصياً أتفق مع الكثير بأن التشرذم وعم اتحادنا كان سلبياً جداً، التشرذم وانعدام الوحدة بدأت منذ تشكيل ثاني تنسيقية في حلب، للأسف يد النظام السابق هزّت كل أساسات جسور الثقة التي قد تُبنى بين مواطنين سوريين اثنين، ما بالك بتجمعاتٍ كبرى؟ لا تبرير لدي، إلا اعتذارٌ ضمني أننا لم نستطع تغيير هذه الحقيقة إلى الآن.»

أما الناشطة رنا والتي كانت عضواً في إحدى المنظمات المدنية التي تعمل في الداخل السوري فكان لها وجهة نظر مختلفة تماماً، تقول رنا: «الحركات المدنية وُجدت  في البداية كعملٍ إغاثي للمدن المحاصرة الأخرى (تجميع ألبسة-أدوية) أو تأمين مبالغ مالية للعائلات التي نزحت من محافظاتٍ أخرى، إضافة للمظاهرات، وحملات التوعية، توزيع مناشير عن الوعي السياسي والحرية والديمقراطية، إضافة لزيارة أمهات الشهداء للتعزية، وفي بعض الأحيان محاولة تخفيف الاحتقان الطائفي-الأهلي- الطبقي، الذي كان يصدر من أهل الشهيد أو من قبل بعض الزوار.

بصراحة الصعوبات التي تواجهنا هي مثل ذاتها التي يمكن أن يواجهها أي تنظيم، أمنية، تأمين دعمٍ مالي خاصةً في البدايات، صعوبة التنسيق والثقة بين الناس هي برأيي من أهم الصعوبات أيضاً.

أما عن  حركات التوعية التي يجب أن تكون نابعةً منا في البدايات كان هناك محاولات (خجولة) للتوعية بسبب الحذر الأمني إذ لم يكن هناك مجالٌ كبير لإقامة حركاتٍ ذات عمقٍ وفعالية ولكن بعد الدمار وكثرة النازحين والشهداء والجرحى، لم يعد هناك قدرةٌ على تقبّل حركات التوعية من الشارع في الفترة الحالية، إذ حالت الضغوط والأوضاع الإنسانية القاسية دون تقبل الناس لأية فكرةٍ لا تحمل لهم رغيفاً أو حلاً مباشراً لما يعانونه، إضافة إلى اعتقال وموت وسفر العديد من الناشطين المدنيين الأمر الذي أفرغ معظم المناطق من النماذج التي يمكن أن تكون فاعلةً في مكانها.

وربما سبب اختفاء الحركات المدنية بعد دخول الجيش الحرّ إلى حلب مثلاً هو انقسام  ناشطي الحركات المدنية عموما إلى عدة أقسام، بين ناشطس إغاثة، وبين منفيين خارج البلد، وبين محاصرين بالتواجد ضمن المناطق الخاضعة للنظام والعمل الإغاثي ضمنها، والبعض منهم تقاعد مبكراً محاولاً أن يكمل حياته بالطريقة التي تسمح له بها الظروف بعد أن تعقدت الأوضاع كثيراً وأصبحت (كل واحد عم يدفع من كيسو»، ومن الممكن أن أحد هذه الأسباب أيضاً هو عرقلة بعض الكتائب للحركات القليلة التي كانت تحاول إتمام عملها بسبب التوجه الاسلامي واتهام المدنية بالزندقة ومعاداة شرع الله، هذه الكتائب ليست تابعةً بالضرورة للجيش الحر، مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق، الفصائل المسلحة تابعة لعدة جهات متخلفة بأيدلوجيتها.

وفي حال قررنا أن نكون واقعيين، فإن الانجازات التي تم تحقيقها إلى الآن هي لا شيء أمام الذي يحصل الآن، لم يعد هناك شيء من يمكن انجازه في ظل استمرار العنف المتبادل واستمرار التحريض والاحتقان سواء الطائفي أو الطبقي.

في كل يوم يطرأ تغييرٌ ما على الأرض، سيطرة تنظيم الدولة على المناطق المحررة والبدء بحملة اعتقال الناشطين، الأمر الذي أجبرهم على السفر إلى تركيا، يمكن أن يعد من أهم أسباب غياب الحركات المدنية في تلك المناطق، لتنحصر نشاطات من بقي بين تأمين مستلزمات للمستشفيات أو افتتاح مدارس، وبعض النشاطات الإغاثية.

بعد سقوط النظام يجب أن يتم العمل أولاً على السلم الأهلي وزرع الوعي، بحيث يتم الحصر من الجرائم الانتقامية التي سوف تحصل بشكل مؤكد نتيجة انتشار السلاح بشكل عشوائي وكثيف، وبعد ذلك من الممكن أن يتم العمل على مجالات أخرى منها شكل الدولة وتشكيل الأحزاب.»

بالطبع فإن رأي ناشطين فقط من ناشطي المجتمعات المدنية لا يعبر بالضرورة عن جميع أراء المنظمات المدنية التي تحاول العمل في الداخل السوري، ولكن هذا إن دلّ على شيء فهو يدل على استمرارية حالة انعدام الرؤية الواضحة لدى المنظمات في ظل غياب الدعم المادي والمعنوي لها وتأمين الحماية ومستلزمات العمل في الداخل السوري.

وفي آخر المطاف نسعى هنا ومن هذا التحقيق إلى تسليط الضوء على أهمية عمل المنظمات المدنية ومدى حاجتنا لها لتأسيس سوريا المستقبل لجميع السوريين.

 حنطة24

حنطة25

برومو الشهيد ناجي الجرف