جرن حنطة

دمشق – كييف عبر القاهرة

دمشق – كييف عبر القاهرة

مرهف دويدري

 

مع نهاية الجولة الثانية من مفاوضات جنيف2 بين النظام والائتلاف الوطني دون إحراز أيَّ تقدم على المستوى السياسي، خاصةً فيما يتعلق ببند هيئة الحكم الانتقالي الذي ينهي حقبة الديكتاتور في سوريا، يخرج علينا الأخضر الإبراهيمي باعتذارٍ لا معنى له عند السوريين الذين يتعرضون لقصف البراميل في الشمال، والتحريض الطائفي عبر أغانٍ ساقطة تتحدث عن حسم النصر في مدينة يبرود، وكأن الحزب الذي يتخذ من لفظ الجلالة اسماً له يتحدث عن كيرياتشمونة، خصوصاً أنه وصف المقاتلين بجيش اليهود، فقط لأنهم ضد الديكتاتور –لتُقذف كرة الاتهامات بين راعيي المفاوضات الأمريكي– الروسي؟ فيما ذهب لافروف إلى فكرة أن الوفد المعارض قد أتى إلى جنيف لتغيير نظام دمشق!!

بدأت دول الخليج تشعر بسخونة الموقف في سورية بعد تعنّت النظام فيما يتعلّق بفكرة أن بنود جنيف1 الذي هو أساس جنيف2، يجب أن تكون ابتداءً من البند الأول وصولاً إلى الأخير، وأنه بذلك يتهرب، أو أنه يشتري الوقت بغية عدم الذهاب إلى بند هيئة الحكم الانتقالي، مستفيداً من تفاسير الحليف الروسي «صاحب الفيتو» على أي قرارٍ لإدانة النظام حتى ولو تعلق بالمساعدات الإنسانية التي ربما تذهب إلى الإرهابيين حسب تفسير لافروف؛ وللترغيب أرسلت الدول الداعمة الحاكم العسكري في مصر، عبد الفتاح السيسي، لعقد صفقة أسلحةٍ ضخمة مع روسيا، وتعاونٍ عسكري يعيد إلى الأذهان الفترة الذهبية للغرام المصري–السوفيتي زمن عبد الناصر، وتسرب أن السعودية ودولة الإمارات هما من ستدفعان ثمن هذه الصفقة، وأنها من الممكن أن تذهب إلى أن تكون هناك قاعدة عسكرية روسية في الساحل الشمالي–المصري، ربما تكون بديلةً لقاعدة طرطوس البحرية، كتعويضٍ للمصالح الروسية مع النظام السوري كي يتخلى عنه كخطوةٍ أولى لإنهاء النظام، وكسر القوس الشيعي الممتد من طهران إلى الضاحية الجنوبية اللبنانية، عبر بغداد ودمشق.

لعل الاجتماع السري الذي عُقد في مدينة بيرن السويسرية، بالتوازي مع مفاوضات جنيف، وما تمخض عنه من اتفاقات لم تنضج بعد بين الأميركي الذي يجيد إدارة الأزمة السورية بكلامٍ معسول وتصريحاتٍ نارية لإنهاء الأسد من جهة، والروسي الذي استطاع أن يقرأ الموقف الأوربي الذي يريد أن يرمم الوضع الاقتصادي لمنطقة اليورو، وبدأ يقود الأزمة السورية بنفس الطريقة الهمجية والمتوحشة التي قاد من خلالها الحرب الشيشانية، وهو يحاول أن يصل إلى اتفاقٍ بين النظام السوري، وأية معارضةٍ توقع على اتفاق تعلن من خلاله انتصار النظام المجرم على الشعب الذي خسر كل شيء ليضمن مصالحه من الانهيار في الشرق الأوسط، مستفيداً من الصمت الإسرائيلي على الأسد الذي أجاد لعب دور العدو الأكبر لإسرائيل!

ربما لم تثمر بالشكل الأمثل رحلة الترغيب التي تصدّرها المشير عبد الفتاح السيسي لإنهاء السيطرة الأمريكية على القرار المصري، على الرغم من عدم وقف المبالغ السنوية التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر على سبيل معونةٍ للاقتصاد المصري، أو أن الروس مازالوا لا يجدون تفسيراً للمعضلة، و فكرة أنه كيف يمكن لنظامٍ أن يقبض من قطبٍ عالمي ليشتري سلاحاً من قطبٍ عدوٍّ له؟!

ويتمدد صراع المصالح إلى حليف الدب الروسي فيكتور يانكوفيتش الذي رفض التوقيع على الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وتبدأ رحلة المظاهرات ضده للضغط عليه من أجل التوقيع، إلا أن حليفه الروسي ربما أقنعه أنه سيدعمه ضد هؤلاء المخربين، وهنا تبدأ فكرة الترهيب، ولعبة تصفية الحسابات للضغط على الحليف، وفك الارتباط بين روسيا وأوكرانيا، التي تعتبر الخاصرة الرخوة سياسياً للدب الروسي، لتبدأ جولة مفاوضاتٍ ذات سرعةٍ عالية في كييف بوجود موفدٍ روسي لحل الأزمة، بعد دخول السلاح إلى كييف وانتقال الصراع إلى المربع الأخير.

ربما يصدق الشاعر العربي عندما قال:(ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً.. ويأتيك بالأخبار من لم تزود)، وتبدأ العقدة السورية بالحل من أوكرانيا التي بدأت عواصفها تضرب الكرملين، وتلفح وجه بوتين ليراجع أفكاره، ويقتنع بزيارة الترغيب السيسية كحلٍ للأزمات التي حاولت روسيا أن تأخذ فيها زمام المبادرة لحكم العالم، لكن على ما يبدو أن الدب الروسي سيعود إلى قفص السيرك الذي هرب منه!

 حنطة26

برومو الشهيد ناجي الجرف