حكايا البيدر

من نوروز إلى أكيتو.. عيش مشترك.. ربيع دائم

من نوروز إلى أكيتو.. عيش مشترك.. ربيع دائم           

أسامة أحمد

 

عنوان المقال مأخوذة من حملةٍ أطلقها ناشطون تعزيزاً ودعما للعيش المشترك بين مكونات المجتمع في مدينة القامشلي، وذلك من 21 آذار إلى 1 نيسان في العام الماضي. تسارعت الأحداث خلال هذا العام في المنطقة، وتسارعت وتيرة العمليات العسكرية والانقسامات السياسية والمجتمعية، لدرجة أن الناشطين لم يعد بمقدورهم اللحاق بركب هذه الأحداث، تغيرت المعطيات على الأرض وتغيرت الكثير من المواقف، وانحسر البعض في زوايا قومية وطائفية، وحشروا أنفسهم مع الطوفان، منهم لغاياتٍ شخصية، ومنهم معتقداً أنها سفينة نوح ومتجهة الى جبل جودي. رغم أنهم عارفون بالتاريخ ومدركين أن للربيع ألواناً وليس لوناً واحداً. يموت آلاف الناس لأن المغرورين والمتكبرين يرفضون الإصغاء والمشاركة، يعتقدون أن الإصغاء والمشاركة إهانةٌ لعبقريتهم ومعارفهم، والنتيجة استمرار العنف والموت. يقول ميخائيل نعمة «لو أن فظاعة الحرب توقفت عند تشويه الأجساد وإزهاق الأرواح وتخريب العامر من الأرض وتهديم الآهل من المدن والقرى، لكانت بعض الفظاعة وبعض البشاعة، ولكنها تشوه الروح في الجسد قبل أن تزهق الروح، وتخرب العامر من العقول قبل أن تخرب العامر من الأرض»، الأحجار يُعاد تعميرها، ولكن النفوس من الصعب تعميرها من جديد.

على المستوى الشعبي لدينا ذاكرةٌ جمعية مشتركة، وطقوسٌ احتفالية متشابهة، وحتى أعياد متشابهة من حيث الأسطورة أو الاحتفال.

نوروز الذي يصادف في 21 آذار، عيد له علاقة بالطبيعة والربيع والتحرر، ارتبطت بهذا العيد الكثير من الأساطير، مازالت ترددها الجدات على مسامع الأبناء بأشكالٍ متعددة، ففي ليلة نوروز قَتل «كاوا» الحداد الظالمَ «ضحاك»، الذي كان يتغذى على أدمغة الشبان والأطفال الكورد كما تقول الاسطورة، وأشعل ناراً على قلعة «ضحاك» معلناً الخلاص والتحرر من هذا الظالم، وعند الهنود الآريون يعتقدون أن الكواكب كلها خلقت في أول برج الحمل، وكلمة نوروز تعني «newroz»بالكردية اليوم الجديد، وهو يوم الاعتدال الربيعي، وتقابلها في في اللغات الهندوأوروبية كلمة (NEUSYARES) كما في الألمانية والإنكليزية «NEW» واللاتينية والإغريقيةnews» «، في ليلة نورز تُضرم النيران احتفالا بالعيد وتقام حولها الدبكات، وفي يوم نوروز اعتاد الناس على الخروج إلى الطبيعة واقامة الحفلات والدبكات الفلكورية ويتزينون باللباس القومي الكوردي.

وقد تغنى الشعراء وألفوا كتاباتٍ وقصائد على عيد نوروز، فكتب عمر الخيام «نورز نامه» الذي تناول فيه المراسيم والطقوس الخاصة بهذا العيد، كما كتب عن نوروز الشاعر سعدي الشيرازي في كتابه روضة الورد «كلستان»، وفي الدولة العباسية التي قامت على أكتاف الأعاجم تغنى شعراء كثيرون بعيد نوروز، أمثال البحتري والمتنبي، ابن الرومي، أبو تمام، والشريف الرضي الذي قال :

«وأنعم بذا النيروز زوراً نازلاً ومنتظره

آل بويهٍ أنتم الأمطار والناس الخضره»

وفي الأدب العربي الحديث وعلى عكس الأنظمة العربية المحدثة قسراً، استخدم بعض الشعراء مناسبة نوروز رمزاً كفاحياً وتحررياً للشعوب ضد الاستعمار وأعوانه، ومن هؤلاء الشاعر بدر شاكر السياب في قصيدته «وحي النيروز»، داعيا ًإلى تكاتف الشعبين الكردي والعربي ضد مخططات الاستعمار في المنطقة، ونذكر منها:

«طيفٌ تحدى به البارود والنارما حاك طاغٍ وما استنباه جبار»

ذكرى من الثورة الحمراء وشّحها   بالنور والقانئ المسفوك، آذار»

وكما نوروز أيضا أكيتو يقيم الشعب الكلدو آشوري السرياني احتفالاتٍ شعبية في الطبيعة حسب طقوس وتقاليد  قديمة فيعقدون المهرجانات الفنية والتراثية، من غناء ودبكات وغيرها من التقاليد التي تعبر عن ثقافتهم وحضارتهم ويعود الاحتفال بهذا العيد حسب مصادر إلى 6762 عام قبل الآن، والذي يحظى بمكانةٍ خاصة؛ لما يحمل هذا العيد لدى أبناء هذا الشعب لما يحمله من قيمٍ ودلالات إنسانية وفلسفية رافقت مسيرته الحضارية، وتجذرت في تاريخهم وحاضرهم، ويتوسمون في هذا العيد الكثير في مستقبلهم، وعيد أكيتو «رأس السنة الهجرية» ويلفظ باللغة الآشورية «خا بنسيان»، يمثل بداية الخير وقدوم الربيع، ويعتمد على أسطورةٍ مفادها «زواج عشتار إلهة الحب من تموز إله الخصب»، وتحتوي الأسطورة الكثير من التفاصيل عن احتجاز عشتار في العالم السفلي وعدم اكتراث زوجها لها، فعوقب من قبل مجلس الآلهة بمنحه الخلود النصفي أي يبعث في أول نيسان إلى نهاية أيلول.

نتطلع ليومٍ جديد تصبح فيه أعياد مكونات الشعب السوري لجميع السوريين، أعياد الكورد والعرب والآشوريين والأرمن والشركس والمسلمين والمسحيين واليزيديين أعياداً وطنية، ممارسة الطقوس علناً لا يدل على انقسامنا، بل تثبت فينا روح التسامح والتشاركية، فلنجعل من أعيادنا مهرجاناً للسلام والحرية.

 حنطة28

برومو الشهيد ناجي الجرف