حكايا البيدر

الراحل تاج الدين الموسى.. و«السباق بالمقلوب» مع الزمن!

الراحل تاج الدين الموسى..

 و«السباق بالمقلوب» مع الزمن!

نور مارتيني

 

عامان مضيا ببسطارهما الثقيل، حلقت فيهما رياحين كثيرة، رياحين ديست بالأحذية، أخرى عصفت بها الرياح، ورياحين ذوت وذبلت قهراً.

وذوت روح تاج الدين الموسى وذبلت قهراً، لم تستطع أن تتعايش مع حجم الحقد الذي يحوطنا، لم تحتمل رائحة البغض والرصاص، فآثرت أن تمضي إلى هناك، حيث رائحة المسك والبخور تعبق في كل الأمكنة.

لم يكن تاج الدين الموسى شخصاً عابراً مرّ في درب الثورة، لقد كان ظاهرةً متفردةً وثّقت شكلاً جديداً من أشكال العلاقة بين الشارع والمثقف، هذه العلاقة الجدلية بجميع المقاييس، فمأساة الثورة السورية الكبرى هي حالة الخصومة بين الشارع الثائر والمثقف الذي يريد أن يؤدلج الثورة، ويفصلها على مقاييس قرأها أو سمع بها، ولكن لم يسبق أن جرّبها من قبل، وبالتالي لا يحق له أن يدّعي المعرفة بها، فلكل شعبٍ خصوصيته، وهو الأقدر على تمييز مكامن هذه الخصوصية في ذاته؛ ومع ذلك فقد تمكّن تاج الدين الموسى –رحمه الله- من تجاوز هذا المطب بفطرته الريفية البسيطة.

كل من عاصر بدايات انتفاضة الشارع الإدلبي سيذكر ذلك الإنسان الحقيقي وهو يمشي لاهثاً في المظاهرات التي كانت تجوب شوارع المدينة، مع أنه كان يعيش على نصف رئةٍ فرئته الأخرى كانت قد استؤصلت قبل سنوات بفعل مرض السرطان، والأخرى كانت شبه تالفة، ومع ذلك لم يكن هذا يمنعه عن السير في المظاهرة، وفيما كان صديقه –المنجد- خطيب بدلة، الذي كان شريكه في رحلة الكلمة، كما كان شريكه في التمرد على تلك الطغمة الفاسدة، يتابعه من نافذة السيارة، حتى إذا نال التعب منه أسعفه وأركبه إلى جانبه وتابعا المظاهرة دون أن يذهب إلى بيته، حتى تُنجز المهمة على أتم وجه.

في الوقت ذاته، كان أباً روحياً لجميع الشبان، فقد كان لا يألو جهداً في تقديم أية خدمة أو نصيحة لكل من يقصده منهم، مقوّماً أخطاءهم ومسدياً لهم النصح، حتى وهو في أتعس حالاته الصحية. ليس من السهل أن يجمع المثقف بين هاتين المهمتين الجسيمتين، أن يقود الشارع ويحتفظ بهيبة المثقف، وأن يوصل معارفه لمن هم دون سوية ثقافته، بدون أن يتنكر لتلك الثقافة، أو يوارب على مواقفه، ولكنه بسجيته الطيبة وحكمته تمكن من تحقيق هذه المعادلة.

لقد كشف الراحل تاج الدين الموسى زيف معظم اليساريين الذين كانوا يتشدقون بالشعارات الرنانة حول الوطن والمواطنة، والانتماءات الضحلة؛ حيث كان مثالاً لليساري الذي انحاز إلى تطلعات الشعب وانحاز لصفه، في وقتٍ انكفأ الكثير من اليساريين نحو انتماءاتهم الحزبية الضيقة، متناسين أن أهم الشعارات التي تنادي بها أحزابهم هي المساواة ومحاربة التمييز الطبقي، ومع ذلك لم يتورعوا عن وصف من خرجوا في مظاهرات الحرية بـ «الرعاع»،  والتقليل من أهمية المظاهرات، لأنها بحسب ادعاءاتهم «خرجت من المساجد».

كل هذه الحجج الواهية كانت عبارةً عن تبريرٍ للقاتل وخدمة للمصالح، وهذا ما دفع بتاج الدين والكثير من اليساريين والليبراليين الشرفاء أن يتجاوزوا هذه الترهات ويوجّهوا بوصلتهم نحو الإنسان في سوريا، الجهة التي تاهت أحزابهم عنها!

قضى تاج الدين أواخر أيام حياته في مشفى «الهلال الأحمر»، ومع ذلك فقد كانت غرفته قِبلةً للجميع، كان يكتب بيدٍ على جهاز الكومبيوتر وهو في غرفة العناية المشددة، بعد أن تمكن «الشباب من تهريب سيرف له» بحسب تعبيره الساخر، أما اليد الأخرى فكان يضع فيها «السيروم»، وحين تحتدم النقاشات الثورية كان ينزع جهاز الأوكسجين عن فمه وأنفه، ينفعل، يصرخ ثم تنتابه نوبة سعال فيعيد الجهاز إلى مكانه.

رحل تاج الدين في 22 شباط 2012، وفي ذلك خيره، فلم ير الأصدقاء ينفضون عنه، هاربين من بطش نظام لا يرحم؛ بعد أيامٍ  قليلة من رحيله بدأت عملية الجيش السوري للسيطرة على المدينة، وهرب من هرب، واعتُقل من اعتقل، واستشهد من استشهد من أصدقائه.

رحل وهو محاطٌ بمحبة الجميع، حتى أن الثوار أقاموا له عزاءً في ساحة الشهداء في المدينة، تلك المحبة التي زرعها طوال سني حياته، كانت حصاده في آخر العمر.

 

بطاقة تعريف

القاص تاج الدين مصطفى الموسى

المواليد: قرية كفرسجنه – ريف محافظة إدلب 2/10/1957

الدراسة: معهد نفط.

العمل: موظف بشركة محروقات – فرع إدلب

من مؤلفاته:

1- مسائل تافهة – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1992

مسائل تافهة ط2 –دار الينابيع- دمشق 1993

2- الشتيمة الأخيرة –وزارة الثقافة- دمشق- 1995

3- حارة شرقية وحارة غربية –اتحاد الكتاب العرب1996

4- سباق بالمقلوب –دار الينابيع- دمشق 2000

5- مجموعة قصصية عن اتحاد الكتاب العرب بعنوان «الخائب»

فاز بعدد من الجوائز على الصعيد العربي والمحلي

منها جائزة سعاد الصباح- المركز الأول- دورة عام 1992

ممارس العمل الصحفي بالإضافة إلى كتابة القصة والسيناريو.حنطة29

 

برومو الشهيد ناجي الجرف