حكايا البيدر

اللجوء وأثره النفسي

اللجوء وأثره النفسي

جنان علي

 

الإحباط، مفهومٌ رائج بعاميته وتعميمه، كغيره من المفاهيم النفسية التي دخلت منظومتنا الحياتية، لكن اذا أردنا اليوم تعريفه قلنا:

«هو العتبة الأخيرة للحالة النفسية التي يقف عندها الفرد مراجعاً أفكاره وأسباب تعثره، والنتائج التي أفضت به إلى عدم وجود الخيارات»

وعليه يوصف الإحباطـ على أنه اضطرابٌ نفسي رائج كنتيجةٍ وليس كعلة، ولنفهم جوانب هذه النتيجة وجب علينا دراسة إحدى علله الأكثر تفشياً في الملف السوري، ألا وهي اللجوء، وصولاً بنا إلى أدوات النهوض عن هذه العتبة والارتقاء لعتبةٍ تبدو حالياً عتبة النجاة الأولى.

تُعتبر سوريا اليوم ساحةً لطروحٍ جديدة للنزاعات والاقتتال الداخلي من جهة، وتجربةً لإدارة حربٍ عالميةٍ عن بعد، أرضها سوريا كبيئةٍ مناسبة لصب كل النزاعات الخارجية والتسويات الدولية في منطقةٍ واحدةٍ بحيث لا تؤثر على آلية سير هذه التسويات والمصالح، وكنتيجةٍ لما سبق فقد طالت الحرب مجملَ التركيبة الاجتماعية في البلاد، ولا سيما الفئات ذات الدخل المحدود، من الأُجراء وأفراد الطبقة الوسطى السابقة، والتي كانت المكون الرئيسي للمجتمع قبل الحرب، فولّدت اختلالاتٍ اجتماعية كبيرة شكلّت تراكماً لمعضلات مزمنة.

وعليه باتت سوريا بؤرةً من النزاعات والقوى المتصارعة فكان للسوريين النزوح كحلٍّ من الحلول القليلة المتاحة حيناً، وفي معظم الأحيان خياراً وحيداً أُجبروا على اتخاذه، وتجلى ذلك بالتهجير القسري سواءٌ كان تهجيراً داخلياً أو خارجياً.

وكان لاستمرار ووضوح انخراط الذكور في هذا النزاع من حيث التحاقهم بالجهات المسلحة، أو من خلال الاعتقالات التي كانت تكثَّف عليهم من قبل النظام، وموت الكثيرين منهم، واختفاء بعضهم، دورٌ كبير في التأثير على الأسرة من حيث تماسكها المعنوي الاجتماعي والمادي، فأضاف النزوح مرارةً جديدةً لهذه العائلة السورية المتغربة، وأمست مفككةً ضعيفة البنية، ودون عائل لها في معظم الحالات.

يعد التهجير من أكبر صدمات الحرب، من حيث الشعور بالاقتلاع وفقدان المجال الحيوي المطمئن والمألوف، والوقوع في عالمٍ غريبٍ يفتقر لمقومات الحياة العادية، وكذلك اضطراب لرؤية الفرد للمستقبل، والوقوع في الهامشية التعليمية والمهنية من بعدها، والتحوّل نحو الجماعات الجانحة، سواءٌ كانت مسلحةً أم غير مسلحة. ولا بد من الإشارة هنا إلى الصعوبات الاقتصادية (كالبطالة بمختلف أشكالها)، وأثرها على جو الأسرة وتماسكها وانعكاس ذلك على أبنائها.

إن انعكاسات اللجوء والتوترات المصاحبة لها، ن غموض المستقبل والأزمات الحياتية المصاحبة لها من حيث المسكن (داخل المخيمات وخارجها)، وصعوبة تأمين العمل، وكيفية تعليم الأطفال وعدم توافر مدارس أو قلتها، صبغَ الجوَّ الأسريّ للأسرة اللاجئة بهالةٍ من التوتر الدائم، «صراع الأفكار حول العودة أو البقاء، تبلّد في الجو الأسري، كآبة وضيق، فورات غضب بين الوالدين تنعكس على الأطفال على شكل إحساسٍ بالقلق والعجز، وأخيراً القلق من الأخطار المفاجئة، وما تؤدي إليه من تحديد حرية الطفل بشكلٍ مرضي، وتضيق مجاله الحيوي، وبالتالي انكفاؤه إلى دائرةٍ مغلقةٍ تفتقر إلى المثيرات الحياتية».

وتتأثر وظائف الأسرة التقليدية حينما تفقد قدرتها على اشباع حاجات أبنائها المادية والمعنوية، ومن ثم تفقد انتماءهم إليها، لأن الانتماء عمليةٌ نفسيةٌ جدلية، تتكون بين الفرد والجماعة التي تحقق له الإشباع، ويؤدي عدم توافر ذلك إلى شحوب الانتماء إلى الأسرة، وبالتالي الانتماء للوطن، وتهديد الهوية كمحصلٍة نهائية.

كل هذه الظروف النفسية المحيطة بالمكون الاجتماعي الأساسي (الأسرة)، أدى لحالةٍ من اليأس المزمن والعجز عن ايجاد حلولٍ لمسألة تعدت المسكن والوطن، وتخطتها إلى أزمة الوجود بحد ذاته، ولفكرة مدى القدرة على الاستمرار ببدائل تكاد تكون وهمية في معظم الحالات.

وهنا يصبح العجز بحد ذاته علةً وسبباً حتمياً لحالةٍ من الاحباط المستديم، وعدم القدرة على النهوض إلا بحلولٍ حقيقيةٍ لكل أسرةٍ سورية تجد نفسها الآن في مهب الريح، فلا ثوابت تنتمي لها ولا واقع تصبو إليه، مجرد تأرجحٍ بين الاثنين.

أخيراً نطرح هنا كيفية تأقلم الأسر مع أخطار اللجوء، وذلك بعوامل محتملة للتخفيف من المشكلات النفسية والتي تحدث بشكل آليّ لدى اللاجئين والدول الراعية لهم.

عامل التكيف والتأقلم مع الحرب، وتشكيل شبكات احتضان الأهالي في النزوح والهجرة، وذلك من خلال أعمالٍ تطوعية من قبل بعض الفئات لتسهيل أمور اللاجئين الجدد، وكيفية تدبير احتياجاتهم الأولية، وفتح صفوف دراسية مثلاً بأدوات ووسائل بسيطة وبشكل تطوعي من قبل الأهالي.

عامل الأسرة النواتية أو الموسعة، ووجود إرث من التضامن والتعاضد، يشكلّ عامل حمايةٍ من كل الظروف (عامل القضية)، وهي الفكرة التي يمكن أن تجتمع عليها الأسرة أو الجماعة كمقاومة النظام الظالم، يسهم هذا العامل في بلورة المجتمع المتكاتف ضد الظلم، والذي يشكل نوعاً من التكيف والمرونة.

عامل الغربة، والذي يحمل جانباً ايجابياً، وهو تقرّب فئات المجتمع المناطقية والطائفية من بعضها وفتح خطوطٍ من التآلف والامتزاج بين عادات هذه الفئات المختلفة، والتي تعمل على نوعٍ من المساندة، وإن كانت مبطّنةً بأهدافٍ بعيدة المدى.

إن تأثير الحرب على الصحة النفسية لها امتداداتٌ عبر الزمن وخاصةً المهجرين، بفعل تواصل التهديد الأمني والاجتماعي والاقتصادي والنفسي، وانعكاسها على الأهل، وبالتالي على جميع أفراد العائلة، ومن ضمنهم الأطفال الذين يُخلقون ولديهم استعدادٌ لتطوير اضطراباتٍ سلوكية نفسية، بالإضافة إلى التهديد الأمني الذي يعيشونه والذي يفجّر لديهم هذه الاستعدادات. ولتجنّب أكبر قدرٍ من النتائج السلبية توجّه معظمنا من متطوعين ومختصين للعمل على الحد من الأضرار، وذلك بالعمل مع الأسرة كخليةٍ فاعلة في جميع أفرادها، وكمنظمةٍ أولية قادرة على ضبط الأطفال، وتقديم قواعد نمو صحيحة فُقدت في ظل الأزمة، ومن ثم تقديم علاجٍ أسري يرصد الأبوين أولاً، والأسرة ككلّ ثانياً، وتكون هنا بداية العتبة الثانية وهي العلاج الجماعي لهذه الأسر التي تتعرض لظروف اللجوء والتهجير خاصةً في المخيمات، غير أنه وحتى اليوم لم يتم رصد مؤسسة أو منظمة تعمل على الملف النفسي الخاص بالحالة السورية، هناك بعض التجارب والمجموعات التي تعمل وفق جهودٍ شخصيةٍ عموماً ولا تستطيع على قلتها و فقر إمكانيتاتها أن تغطي كثافة الكارثة المقبلة، وما أمسّ الحاجة إلى أن نوحّد أهداف هذه المجموعات في إطارٍ واحد ونوحد العمل في البحث عن حلول للخروج مما أسميناه سابقاً العتبة الأخيرة للحالة النفسية، لنخرج بحلولٍ تقارب الواقع حتى وإن لم تجاريه حقيقة.

 حنطة30

حنطة31

برومو الشهيد ناجي الجرف