حكايا البيدر

من ذاكرة أبو محمود الطنبرجي

من ذاكرة أبو محمود الطنبرجي

إهداء إلى (ناجي القمحي وجرنه المتعب)

 مأمون جعبري

 

النشوة

سأحملكم إلى حيث أخبئ الدفء في وجداني، إلى تلك الزوايا التي أضيء فيها شموعاً لاتنطفئ، إلى عالم الروائح الخاص الذي كثيراً ماأغمضت عيني وهِمت بها ولهاً، علكم تشاطروني سُلافي، إنها اللحظات التي رأيت فيها الأرض ترقص طرباً فتندى عرقاً له رائحةٌ لا أروع، تغوص في مساماتي تحملني إلى فضاءاتٍ بلاحدود دون أن أخشى سقوطاً، إنها الصباحات التي عايشتها والأرض تستقبل المطرة الأولى فتنثر عطراً للتراب الأزلي المعتق، في تلك اللحظات الخالدة كثيراً ماخطر لي أن اقفز وأجري، ولكن خوفي أن يظن بي بعضهم أن مساً من الجنون تلبسني كان يكبت رغبتي الجامحة تلك، كنت أرى صدرها الحاني يرتشف غزل قطرات المطر بلا ارتواء، تشاركني شبقها فأتشمم عطرها إلى لحظات الخدر، فأكتب في حميم ذاكرتي يوماً لايغيب

وكم شعرت بأنني خائن حينما بدأت جنة عطرٍ أخر تحجز لسطوتها مكاناً يكاد أن يتماثل مع عطر الأرض، هذه الملكة الثانية كانت تفاجئني وباستمرار مع إنبلاج الفجر في لحظات أكون فيها هائماً في سحر الليل، وقد بدأ يفرش بساطه ليسند رأسه المثقل بأسرارنا على خيوط الضوء الأولى، فجأة تتسلل تلك الملكة وهي مدركةٌ أنها تملك سطوة سلطان النوم، وتداعب أنفى فينتفض معطياً أوامره التي لامرد لها، وتصبح الرائحة طريقاً أسلكه باستسلامٍ إلى أن أصل إلى تلك الكوة، فيخرج مني صوتٌ دافئٌ آتٍ من عمقٍ لا أدركه، «رغيفٌ من فضلك»، أحتضنه منقلاً إياه من جهةٍ إلى أخرى، هارباً من لذة حروقه، ملتهماً بخاره ورائحته قبلاً، نعم إنه عشقي الثاني من الروائح إنه من يجعلني أنحني بكل خشوعٍ حين أجد كسراتٍ منه تعانق الأرض فألتقطها، وأضمها وأضعها في طريق عاملاتٍ اجتهدن كي تجعلها حياةً لصغيراتها.

أنا منكم وأنتم مني، أحبتي السوريين نحن من نحمل عبق الأرض وعتق القمح، إننا نهيم بهذه الأقانيم قمحاً وطيناً وشمساً، وهي جذر الوجود واستمراره، ومن كان قبلته هذا الثالوث المقدس لن يهزم.

 حنطة31

برومو الشهيد ناجي الجرف