حنطة جلب

إطلاق سراح الرّاهبات السّوريات كان جزءاً من عملية تبادلٍ للرهائن

إطلاق سراح الرّاهبات السّوريات كان جزءاً من عملية تبادلٍ للرهائن

نور مارتيني

 

بيروت- لبنان: تمَّ في صباح يوم الاثنين العاشر من آذار2014 بثُّ مقطع فيديو لعملية تبادل أسرى غير اعتيادية، بين الحكومة السورية والمعارضة، الأمر الذي سيثبت صحة المقولة التي لطالما نفاها المسؤولون السوريون على ما يبدو، وهي أنّ الحكومة السورية تحتجز نساءً وأطفالاً كمعتقلين لديها، بينهم أقرباء لأشخاصٍ يشتبه بانتمائهم للمعارضة المسلّحة.

وقد تمَّ التقاط صورٍ في يوم الأحد وصباح يوم الاثنين من قِبل الناشط السوري المعارض «هادي العبد الله»، والتي على ما يبدو تُظهر عدداً من عناصر المعارضة المسلّحة، وهم يطلقون سراح مجموعةٍ من الراهبات، كانوا قد قاموا باحتجازهن لمدةٍ تزيد على الثلاثة أشهر، بمقابل مجموعةٍ من النساء وعددٍ من الأطفال يصل إلى اثنين على أقل تقدير، قام أحد مقاتلي المعارضة باحتضانهما، قائلاً بأنّهما يلوذان به.

ويظهر في الفيديو رجالٌ مرتدين ستراتٍ مضادةٍ للرصاص، وهم يحملون صبياًّ وفتاةً عند حاجزٍ محاطٍ بالأسلاك الشائكة، ويقومون بتسليمهم لمسلّحين ملثمين، والذي يصرخ بفرحٍ كمن تخلص من همٍّ جاثمٍ على صدره: «الله أكبر!»، فيما ترتدي الراهبات زيّهن الأسود التقليدي، والابتسامات العريضة مرسومةٌ على وجوههن في الجهة الأخرى.

وحتى ليل يوم الاثنين، لم تكن وسائل الإعلام الرسمية السورية قد اعترفت بصفقة التبادل التي قد حصلت بالفعل، وأتت فقط على ذكر خبر إطلاق سراح الراهبات، كما أنّ بعض مؤيدي النظام يرفضون عمليات تفاوضٍ من هذا النوع، معتبرين أنّها تقدّم نوعاً من الدَّعم للقتلة.

 ولكن وفي سياق محادثاتٍ تمَّ التقاطها من خلال الفيديو جرت ما بين الراهبات والمسلحين، تمَّت مناقشة موضوع إطلاق 152 معتقلةً ضمن عملية تبادلٍ مع الراهبات، وهذه المعلومة لم يتمّ التثبت منها حتى اللحظة.

وبعد يومٍ من ردود الفعل المعادية من قبل مؤيدي النظام، الذين اشتكوا من أنّ الصفقة تجاهلت جنوداً سوريين ومواطنين عاديين تمَّ القبض عليهم من قبل المعارضة، أكّد وزير الإعلام السوري «عمران الزعبي» الخبر على التلفزيون الرسمي،  نافياً صحة التقارير التي أشارت إلى أنّ الصفقة تمّت بوساطة قطر، إحدى الدول الداعمة للمعارضة.

وقد أشار الزعبي إلى «أنّ العدد الحقيقي للمعتقلات اللواتي تمَّ الإفراج عنهن في صفقة التبادل مع الراهبات هو 25 فقط»، واستطرد قائلاً: «أيديهن ليست ملطخةً بالدّم السوري، ولكن لديهن صلاتٌ بشكلٍ أو بآخر مع الفصائل الإرهابية»، وقد ذكر بأنّ الصفقة حصلت «بدون وجود أيِّ شكلٍ من أشكال التّواصل السوري- القطري على الإطلاق»، وأكّد على أنّ الحكومة كانت تعمل جاهدةً كي تطلق سراح الرهائن الموجودين في قبضة المعارضة في اللاذقية»، والتي تمثّل عقر دار مؤيدي النظام.

إنّ عملية التبادل بحد ذاتها تعدُّ عمليةً نادرةً، وإذا تمَّ أخذ فشل المفاوضات في جنيف في إعطاء قوائم من قبل كلا الطرفين، يعترفان من خلالها أو يعطيان قوائم بأسماء الأشخاص المعتقلين لديهما بعين الاعتبار، فليس أقل من صفقة تبادلٍ واحدة يقوم بها الوسطاء الدوليون، والتي كانوا يعوّلون على أنّها قد تبني جسور ثقةٍ بين الطرفين.

ويظهر في الفيديو مقاتلٌ يُدعى «أبو عزام»، وهو قياديٌّ في «جبهة النصرة»، إحدى فصائل المعارضة التي تمَّ وضعها على اللائحة السوداء في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يرحّب بأطفالٍ قال بأنّهم يلوذون به، وعيناه كانتا تلتمعان بالرغم من اللثام الذي لم يستطع أن يخفي ما كان من الواضح أنّه ابتسامةٌ عريضةٌ، فقد كان يعبث بشعر طفلٍ أزرق العينين، كان بدوره يبتسم ابتسامةً عريضةً، فيما كانت طفلة ترتدي قبعةً بيضاء مشغولةً بالخرز تندفع إلى أحضانه، ليضمّها بين يديه.

أثناء محادثات السلام في جينيف خلال شهري كانون الثاني وشباط، كان ممثلو النظام يشددون على أنّهم لا يحتجزون أي أطفال، وبدورهم قال المسؤولون إنّهم لا يمتلكون أيّة معلوماتٍ حول المئات من النساء اللواتي تمَّ تقديم لوائح من قبل المعارضة بأنّهن قد يكنَّ معتقلات.

«أنا أنفي بالمطلق اعتقال أي طفل» هذا ما قاله نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، موضحاً بأنّها «مجرد شائعات».

فضلاً عن ذلك أظهر الفيديو الراهبات وآسريهن في السابق، وهم يتحادثون بارتياحٍ كبير، وتقاربٍ شديد، كما تظهر الراهبات وقد تمّ تزويدهن بسياراتٍ لتقلهن إلى لبنان، وهنَّ يبتسمن، ويلوحن بأيديهن مودعاتٍ قائلاتٍ للشاب الذي يصوّر بالكاميرا: «الله يحميك».

كما أنّ إحداهن كان يبدو عليها التعب الشديد، فقام أحد الشبان الملثمين بحملها، ونسمع أيضاً في الفيديو صوت رجلٍ آخر يقول لإحدى الراهبات «بأن الله سيكافئ هؤلاء النساء بمقدار معاناتهن»، فتجيبه الراهبة: «فليكافئك الرَّبّ أنت وكل شخص ساهم في حل هذه المسألة»، مضيفةً: «يا رجل! إنّه الشهر الرابع!».

ولقد أثار الفيديو، وعملية التبادل بحد ذاتها ردود فعل الناس من كلا طرفي الصراع، فالأشخاص الممثلون للمعارضة اشتكوا من أنّ الراهبات حُزنَ على قدرٍ مبالغ فيه من الاهتمام، أكثر من أولئك الذين يعتقدون أنّ تعدادهم عشرات الآلاف على أقل تقدير ممّن هم معتقلون في سجون النظام.

فيما لجأ مؤيدو النظام إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليدينوا الراهبات، واتهامهن بأنّهن خائناتٍ للأمانة لأنّهن لم يقمن بإدانة الخاطفين، وليتهموا الحكومة بتجاهل أسراهم، إذ أنّه قرابة 200 طفلاً وامرأةً ينتمون إلى الأقليّة العلويّة ما يزالون رهن الاعتقال منذ شهورٍ إبان اختطافهم من قبل المعارضة في محافظة اللاذقية.

وكانت الراهبات، وتترأسهن الأم «بيلاجيا سياف» رئيسة الدّير التابع للروم الأورثوذوكس في معلولا، قد كرّرت، وحتى بعد وصولها بشكلٍ آمن إلى إحدى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية بشكلٍ كامل، بأنّهن لم يتعرضن لمعاملةٍ سيئة من قبل خاطفيهن «جبهة النصرة»، حيث قالت الأم بيلاجيا: «يجب أن أكون صريحة، لقد تمّت معاملتنا من قبل الجبهة بشكلٍ جيد جداً».

وبذلك تكون الراهبات قد فشلن في شقّ طريقٍ للنظام، الذي لطالما أكّد بدوره على المخاطر الحقيقية التي تتهدد المسيحيين من قبل المتطرفين والمعارضة المسلّحة، وبخاصةٍ «جبهة النصرة» حسبّما أفاد أحد المعلقين المؤيدين للنظام على الموضوع، عبر وسائل التّواصل الاجتماعي المرئي، بانفعالٍ شديد.

***************

آن برنارد

نيويورك تايمز

 حنطة35حنطة36

برومو الشهيد ناجي الجرف