خميرة

في تذكر طلال نصر الدين، المسرح مرآة الزمن والناس..

في تذكر طلال نصر الدين، المسرح مرآة الزمن والناس..

علي سفر

 

إذا جاز لنا وعلى سبيل اجتراح البلاغة أن نبحث في حيوات المبدعين عمن ستكون حياته مرآةً لعصره، فإننا نجزم أن الفنان المسرحي، يستحق وبجدارةٍ هذا التوصيف..!

جميع المبدعين يكونون بالتأكيد في لحظةٍ ما مساهمين في الإضاءة على التاريخ، من خلال تفاصيل حياتهم ومن خلال إبداعاتهم، ولكن للمبدع المسرحي ميزته الإضافية، فهو الوحيد الذي لا يمكن لمنجَزه الفني أن يكون مسجلاً في لحظة الصدام مع الجمهور، إن عمله هو اللحظة حيةً غير مؤطرةٍ أو معلبةٍ بالمعنى التقني والإجرائي، وبالتالي فإن الواقعة المسرحية، هي وقت اكتشاف الحاضر، كما هي في مرحلةٍ ما بوابةٌ لإكتشاف التاريخ، فإذا ما كان المسرحي مخلصاً لفنه فإن التنقيب في حياته إنما هو تنقيبٌ في التاريخ، إذ طالما شكلت التجربة المسرحية في نصوصها وفي عروضها وثيقةً لقراءة السياسي والاجتماعي وغيرهما وصولاً إلى تكرس المعرفي فيها..!

ومن هذا المنطلق فإن تجربة المسرحي السوري الراحل طلال نصر الدين، لم تكن تجربةً عابرةً ضمن السياق، فحياته كشخصٍ ارتبطت زمنياً بالتحولات الكبرى التي عاشها بلده، فقد ولد في عام 1957، أي قبل عامٍ من قيام الوحدة بين سوريا ومصر، والتي تُعتبر بداية عهدٍ قاد البلاد إلى مراحل مختلفةٍ، مازالت تعيش في تبعاتها إلى يومنا هذا، وكذلك فإن رحيله في هذا العام، الذي يشهد نذر تحولٍ جديد قادم قد يطال كل شيء في سوريا، قد يكون إضافةً للرمزية التي تشكلها حياة المسرحي في توازيها مع الحدث السياسي والإجتماعي والثقافي..!

كان طلال نصر الدين واحداً من أوائل خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، فقد تخرج في العام 1980، في فترةٍ كانت سوريا تشهد فيها صراعاً دموياً بين السلطة البعثية وبين جماعات الإسلام السياسي، فإذا كان هذا الصراع قد حسمته إرادات الحديد والنار لصالح السلطة، فإن تبعات هذا النصر قد انعكست على الواقع الثقافي، غياباً للحريات، جعل جميع المبدعين وفي كافة الأنساق والأنواع الفنية أسرى لتحكّم المؤسسات البيروقراطية في حراكهم وعملهم ومنجزهم، وكان على طلال نصر الدين بالتالي وكغيره أن يكون خاضعاً لآليات العمل في المسرح القومي، التابع لمديرية المسرح والموسيقا، التي تتبع إداراياً لوزارة الثقافة، وهكذا ستمر سنواتٌ طويلةٌ يشارك فيها طلال في أعمال الموسم المسرحي السنوي، دون أن تشكل هذه المساهمة غير المرضية له وغير المتناسبة مع طاقته الإبداعية، إضافةً حقيقيةً على مسيرته، فالعمل المسرحي دون هواءٍ نظيف لا يعدو كونه تكراراً لجملةٍ واحدة، يقولها أحدٌ ما ثم تتالى الإعادات..! ولهذا كان عليه أن يذهب في اتجاهٍ مختلف، ضمن آليات الفعل المسرحي، فبدلاً من الإشتغال على النصوص الجاهزة التي صاغها الآخرون، كان على المبدع أن يكتب نصه الخاص الذي يتناسب مع تفاصيل المرحلة، ففي العام 1991 يشارك طلال نصر الدين في مسابقة التأليف المسرحي في جائزة سعاد الصباح الكويتية فيحصل نصه «نبوخذ نصر» على الجائزة الأولى للإبداع المسرحي، وعلى هامش صراعات الحقبة البابلية التي عالجها في نصه، يورد بين فصول المسرحية ترنيماتٍ من الشعر البابلي تقول إحداها: «في بابل يباد الواهن/ ويصرع الضعيف/ في بابل يرتفع شأن السفلة/ الذين سرعان مايصيرون مرموقين/ في بابل/ يطارَدُ الشرفاء/ والقضاء ينتصر للدجالين/ أما الضعفاء الذين لا حول لهم/ فيطاردهم كالوحوش/ بالغو الذروة» (نص نبوخذ نصر، ص 112).

قدرة طلال نصر الدين على العمل التأليفي المسرحي وبالتوازي مع عمله التمثيلي على الخشبة، جعلته ينتقل إلى ضفاف التنشيط المسرحي، والإشتغال على الإخراج، فالمسألة هنا لا تتعلق بتملّك الأدوات فقط، بل بتملك الرؤية، وهذا ماغاب كثيراً عن الخشبات المسرحية السورية، فمن بين الكم الكبير من العروض المسرحية كان على الناقد والمتابع أن يتحرى عن التجارب التي تحمل الإضافات المرتقبة لمسيرة المسرح..!

وهكذا تقدّم طلال نصر الدين إلى جهة الإخراج المسرحي عبر عملٍ مسرحي حمل الكثير من التقاطعات بينه وبين الواقع الثقافي العربي، وهو نص «حلم العقل» للكاتب الإسباني بويرو باييخو، وفي هذا العرض الذي يحكي تفاصيل عن حياة الرسام الإسباني الكبير (جويا) في فترة الحرب الفرنسية الإسبانية، كان طلال نصر الدين يقدم رؤيةً لواقع المثقف الذي يتعرض لحصارٍ مزدوجٍ من قبل القوى القامعة في مجتمعه، ومن قبل الجيش الذي يحتل بلده..، صورة جويا هنا والتي ينتهكها الدمار والقتل وسيل الدم، تتقاطع في الكثير من تفاصيلها مع الشجن الداخلي الذي عانى منه المثقف العربي في الكثير من البلدان العربية، فالمبدع الإسباني الذي أصيب بالصمم في أواخر حياته، كان قادراً على قراءة الشفاه وسماع أنّات الضحايا، وبالتالي كان قادراً على الحديث عن المأساة الإنسانية في ظل عالمٍ يُهان فيه الإنسان: « لماذا نعيش، كي نرسم هكذا؟ هذه الحيطان ترشح بالخوف، خوف أجل، لا يمكن أن يكون جيداً هذا الفن الذي يولد من الخوف!… من الذي ينتصر في هذه الرسوم، الشجاعة أم الخوف؟» ( حلم العقل، ص 118).

لا يمكن للعمل المسرحي أن يكون محض نزوةٍ إبداعية، هكذا فهم طلال نصر الدين معادلة الإبداع المسرحي، ولهذا كان يميل في كل ما حاول مقاربته مسرحياً إلى أن تكون كتابته مساهمةً في عملية التغيير الإجتماعي، ضمن فضاء أسئلةٍ كبرى، كانت ومازالت عالقةً في سماء العقل العربي، ولهذا فإن أهم ملامح تجربة طلال تتجلى في مسألتين مهمتين، الأولى وهي ما يتعلق بالشكل المسرحي، فقد كان غير مهتمٍ بالشكلنة، وغير شغوفٍ بالبحث عن ميزانسينات ومشهدياتٍ جاهزة، بل كان يكفيه استخدام الفضاء المسرحي بأبسط أدواته، مع القليل من العناصر البيئية كي يجهز فضاء الصراع الدرامي..، أما الثانية فقد تجلت في الإصرار على صناعة العمل المسرحي المرتبط وبشكلٍ لصيق بالواقع المحلي، طالما أن مشروع النهضة مازال قائماً لدى المثقف رغم إنهيار المنظومات الفكرية الكبرى الحاملة له..

ومن خلال هذين الملمحين يمكن لنا كمتابعين تفهّم التجربة المسرحية عبر نصوصها أو عبر عروضها، ولاسيما منها تجربته في مسرحية «عمر بن عبد العزيز» (قدمت في عام 2004) التي حاول فيها الغوص مرةً أخرى في التاريخ لإستخلاص الأمثولة التي توجِب على سدنة الواقع الراهن الذهابَ إلى التغيير، وفي هذا يقول طلال مجيباً على سؤالٍ وُجِّه إليه حول الدوافع التي تجعل المسرحي يذهب إلى تاريخ هذا الخليفة الأموي من أجل أن يقدم خطاباً راهناً :»إن المشروع الذي أراد إرساءه عمر بن عبد العزيز هو نفسه الذي نبحث عنه الآن، كان يريد القضاء على المظالم وهذه مشكلة كل زمانٍ ومكان، كان يريد سيادة النظم القائمة على جميع الناس، ومازلنا حتى الآن ننادي بسيادة القانون، ثمة إشكاليةٌ عميقةٌ مابين مفهوم الحق وفعالية السلطة، وهذا هو الموضوع الذي كنت أود طرحه على المسرح. ربما هو موضوعٌ لا نبحثه كثيراً مسرحياً لأنه يقترب من الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ»‏. (من حوار منشور في جريدة تشرين، بتاريخ 27/06/2004، أجراه الكاتب مصطفى علوش).

ومن بين تجارب المسرحيّ الراحل في الكتابة والإخراج، يتوقف المتابعون عند نصه «ديك المزابل»، الذي أصدره في عام 2001، والذي تم تداوله في عددٍ من العروض المسرحية المحلية والعربية والعالمية، والذي كتبه بلغةٍ حياتيةٍ راهنة، ويحكي عن قاع المدينة تفاصيلَ تجري أحداثها في مقلب قمامة (مزبلة) أبطالها هما عجوزٌ متشرد، وشاب يعيش تناقضاتٍ مجتمعية تقوده إلى محاولة الإنتحار..!

كثيرةٌ هي العوامل التي تجبر المبدع المسرحي على الإنكفاء والعزلة، ولكن طلال نصر الدين، كان ورغم كل ما عاناه ضمن سياق إشكاليات المثقف العربي في مجتمعه يرفض الإستسلام لهذه الظروف، فقد كان يعمل في عدة مساراتٍ كي يحافظ على صوته خاصاً، وعلى خطابه حراً، ولهذا فإنه كان يستعير من الأنواع الفنية الأخرى أدواته، فكتب في السيناريو التلفزيوني الدرامي، وفي السيناريو الوثائقي، وفي الشعر، وفي الرواية، وأذكر أنه في أخر حواراتنا الشخصية قد حدثني عن مشروع فيلمٍ روائي يروي بعضاً من حكايا أطفال الشوارع، وأظن أن الظروفَ التي تلت إكتشاف إصابته بالمرض قد عطلت مشاريع كثيرةً كان قد خطط لها..

طلال نصر الدين ترك بصمته الخاصة، في صناعة نموذج المسرحي الملتصق بقضايا مجتمعه، رغم محاولات التغييب العديدة التي تحيق بالفن المسرحي السوري والعربي على العموم، لتجعله مجردَ عروضٍ شكلانية، يحضر فيها كل شيء ويغيب عنها كلٌّ من الرؤية والخطاب المجتمعي..

بطاقة تعريف

 

– الممثل والمخرج والكاتب الرحل طلال نصر الدين من مواليد عام 1957، تخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية سنة 1980، وعمل في المسرح القومي في سوريا منذ تخرجه وحتى إصابته بالمرض الخبيث قبل عامين، حاز على الجائزة الأولى للإبداع الأدبي في القاهرة عن نصه المسرحي «نبوخذ نصر» عام 1991. كما حاز على الجائزة الثالثة للسيناريو لمنظمة اليونيسكو ووزارة الإعلام في سوريا عن سيناريو فيلم «ليلة قاسية جداً» عام 2002. وحازت مسرحيته «الديك» على جائزة التمثيل الأولى في مهرجان عمان عام 2003، وعلى نفس الجائزة في مهرجان زيمين إيران عام 2004، كما حاز على الجائزة الثانية للهيئة العربية للمسرح عن نصه «الرجل الذي تحول إلى تشيخوف» عام 2010.

أخرج للمسرح:

-حلم العقل، تأليف: أنطونيو بويرو باييخو، 1990.

-احتمالات، بالاشتراك مع المخرج الدانماركي يينس أوغست فيليه، تأليف هوارد باركر 1997. بالتشارك مابين المسرح القومي في سوريا والرويال ثياتر في الدانمارك.

-الديك، تأليف: طلال نصر الدين، 1998.

-موت عابر، تأليف: طلال نصر الدين 2004.

-ملك الخواء، تأليف: طلال نصر الدين 2006.

كتب للمسرح :

-نبوخذ نصر، وأخرجت للمسرح القومي 1997.

-دم شرقي، أخرجت للمسرح القومي 1994 ثم مثلت في الدانمارك وهولندا والسويد عامي 2006/2007. و في الدار البيضاء مهرجان مراكش في الشهر الخامس 2008.

-موت عابر.

-عمر بن عبد العزيز.

-ملك الخواء.

-الديك.

-التحليقة الأخيرة للطائر الحر.

-قرن العار.

كما صدر له ديوانا شعر هما:

أناشيد على قدم الموت.

اتساعية الحضور.

رحل عن عالمنا إثر صراع طويل مع المرض، بتاريخ 25/6/2012.

حنطة37حنطة38

برومو الشهيد ناجي الجرف