خميرة

عرض «روميو وجوليت» السوري ينتصر فيه الموت على الحب والحياة

عرض «روميو وجوليت» السوري

ينتصر فيه الموت على الحب والحياة

طلال الهادي

 

قدمت مديرية المسارح والموسيقا في وزارة الثقافة السورية ضمن موسمها المسرحي للعام 2014، مسرحية «عن الحرب وأشياء أخرى»، عن نص مسرحية روميو وجولييت للكاتب المسرحي وليام شكسبير، كتب النص زيد الظريف وأخرجه عروة العربي، وشارك فيه الممثلون «بسام نصر\القس لورنس، وسيم قزق\روميو، كرم الشعراني\مركوشيو\المربية، يزن الخليل\تابيلت، جيانا عنيد\جولييت، روبين عيسى\أم جولييت»، بالإضافة إلى الفرقة الموسيقية «باسيليوس عواد\تشيلو، يزن صباغ\كلارينيت، كنان الزبيدي\فيولا، حسن عطفة\صوت بشري، لونا محمد\صوت بشري»، والراقصون «محمد شباط، رواد زهر الدين، أحمد جودة، محمد كمحة، موفق الدعبل، مها الأطرش، سجى الأغا، يارا حاصباني، ياسمين نجار، مروة العيد».

النص والبناء الدرامي:     

 يعتمد البناء الدرامي لمسرحية روميو وجولييت على مبدأ الاستمرارية، إذا أن منظراً يقود منظراً، وفصلاً يقود فصلاً حتى الخاتمة، والعائلتين الأرستقراطيتين أسرة «مونتاغو» التي ينتمي إليها روميو، وأسرة آل «كابولييت» التي تنتمي إليها جوليت، استحكم العداء بينهما كثيراً، ويقع روميو في حب جولييت في المشهد الثاني من خلال الاحتفاء بالحياة، ويبعد البناء الدرامي روميو عن جولييت مدةً طويلةً نسبياً في النص والعرض المسرحي، لكن جولييت تتحول من الفتاة الصغيرة، الحمل الوديع التابعة لأهلها إلى مدافعةٍ شرسة عن الحب حيث تقول في المشهد الثاني:»هلم يا ليل المحبين في ردائك الأسود الغامر، لتعلمني كيف أخرج من خلوتي وأغادر حيائي وانزوائي في أول لقاء بين عاشقين بريئين جمعهما القران في شراكة واحدة»، ثم تؤسس عليه بصيحةٍ صادحة: «هلمي إلى فراش عرسي ومهاد زفافي لكي أُزفَّ إلى الموت مادام (روميو) عني مقصياً».

 هنا تغادر جولييت الوادعة لتصبح شجاعة، وهذا ما ينعكس على خيارات روميو حيث يتصدى بشجاعةٍ -بعد أن عقد قرانه عليها، وأصبحت زوجته- لابن عمها تابيلت الذي قتل مركوشيو في مبارزة، فيقتله روميو في مبارزةٍ أيضاً، وتتعمق العداوة حيث يصبح روميو مطلوباً لعائلة آل كابولييت، ويساعده في الهرب القس لورنس، الذي يقع في حيرة شديدة عندما تطلب منه جوليت الهرب إلى زوجها، وهنا تدخل واقعة استخدام السم المؤقت من قبل القس لتنام جوليت 48 ساعة، لكن روميو يعود إلى المقبرة، ليجدها في غفوة الموت المؤقت، فينتحر، لتصحو وتجد زوجها قد فارق الحياة بوجود القس الذي يحمل ذاته موت روميو في منولوج، وتنتحر جولييت لتلحق بزوجها.

مقاربة الواقع السوري:

 تأتي هذه المقاربة من خلال سينوغرافيا العرض المسرحي التي تعتمد على الدمار الشديد الموجود على منصة مسرح الحمراء بدمشق، والذي جعل منه المخرج خلفيةً للأحداث الجارية في سوريا، ويجعل من الأداء التمثيلي على منصة هذا الدمار، عبر شارعٍ عريض أمام هذه الأبنية المدمرة، ويتسق معه شارعٌ موازي، لكن إلى تحته قليلاً ليشكل مستوى اللعب الثاني، وكذلك شارع ثالث لمستوى أداء آخر، حتى نصل إلى منصة خشبة مسرح الحمراء. إن لعب الممثلين على هذه المستويات يوحي بالصراع الدائر في سوريا، ويعمّق الكاتب والمخرج صلة العرض بالواقع من خلال غياب مسؤولة الأزياء في العرض «الخياطة سحر»، التي تنقطع كل الاتصالات معها قبل العرض وأثناءه، ليخرق المخرج عروة العربي قاعدة الأزياء الشكسبيرية، وليؤدي الممثل دور «روميو» في زي الجينز وقميص عصري، وذلك في توجيهٍ واضحٍ من المخرج، وهكذا يستمر الممثل قزق في أداء روميو في زيٍّ عصري، ويعتذر من المخرج والممثلين لعدم حضوره على موعد العرض بسب الحواجز وتأخّر باص «هرشو» الذي ينقله من زيارته لأهله إلى مدينة دمشق، فيصل إلى مسرح الحمراء متأخراً.

وفي نهاية العرض يختتم المخرج العربي بالأداء الصوتي من غرفة الكونترول، بأنه نجح في الاتصال بأهل الخياطة سحر، لكنها فارقت الحياة نتيجة قذيفةٍ سقطت على بيت أهلها، وهم بخير رغم ذلك. وهكذا يحضر الواقع السوري من خلال الإشارة إلى هذا الواقع الغرائبي الذي يعيشه الإنسان السوري في العاصمة دمشق ومحيطها القريب.

الإخراج والأداء:

 نجح المخرج عروة العربي، وبحسب العرض، في رسم صورة الواقع السوري من خلال الصراع الموجود في مسرحية روميو وجوليت، ليتحول الصراع العائلي إلى مساحة الوطن السوري الذي ينقسم أبناؤه بين سلطةٍ وإلى جانبها فئاتٌ اجتماعية، ومعارضةٍ أيضاً عسكرية وسياسية وإلى جانبها فئاتٌ اجتماعية أخرى، وساهم الممثلين بطريقة غير مباشرة في عكس هذا الصراع من خلال مفهومي»الحب، والكراهية» و»الموت، والحياة»، فالموت ينتصر على الحياة والحب والأمل، على عكس النص المسرحي الشكسبيري ولا يعقد صلحاً في النص المسرحي المقدم على مسرح الحمراء بدمشق.

استطاع فريق الممثلين عكس روحية هذا الأداء، الذي أوصل الحب إلى حالةٍ واضحة بين روميو وجولييت، لكن الصراع يزحف ليقضي على أربع شخصياتٍ وهم «روميو، جوليت، تابيلت، مركوشيو». ولعب الفنان بسام ناصر دوراً كبير في عكس حالات حب الحياة والدفاع عنها، لكن مسار الشخصية تؤدي لقتل بلسم الحياة والحب في المسرحية عبر الثنائي روميو وجوليت.

وظهر الممثل»كرم الشعراني» في دور المربية بصيغته الإنسانية. بينما لعبت الأصوات البشرية في نقل الحالات الجنائزية والكربلائية في العرض، وزاد من تعميق حالات الأداء الجماعي للراقصين في العرض، كما حضرت الموسيقى المعبرة عن هذه الحالات، ومرت لحظات الحب والفرح قليلةً غير مؤثرةٍ في ملامح العرض.

أخيراً، إن عرض «عن الحرب وأشياء أخرى» يقدم صورةً من الواقع السوري، معتمداً عن نصٍ شكسبيريٍّ كلاسيكي، قادرٍ على بث سوداوية القضية السورية الراهنة.

 حنطة39حنطة40

برومو الشهيد ناجي الجرف