خميرة

الفراشة تُدلي بأقوالها

الفراشة تُدلي بأقوالها

وائل زكي زيدان

 

في ديوانها «قالت الفراشة» (دار رياض الريّس) تستخدم الشاعرة السورية هالة محمد، الفراشة كرمزٍ حيٍّ وجماليّ ينافس الدبابة الضخمة ذات اللون الواحد، ليس على الوجود فقط،، بل على استرداد أكبر مساحةٍ من المشهد المهدد بالسرقة. /الدّبابة /في حديقه البيت /تلاحق الفراشة: الشاهد /كي لا تشفّ /كي لا تبثّ /المجزرة /

وبموازاة ذلك تعمَد الشاعرة إلى انتشال عناصر المأساة السورية من الموت ومن استمارات الإحصاء، ليصبحوا هم عناصرها الشعرية والبلاغية، وحتى ما هو ذاتيٌّ ووجداني في ثنايا الديوان، لن يتوقف عن كونه تتمّةً وتكملةً لما هو عام، /كم تعبوا ليختلفوا  /وأنا أتبعهم /لأشبههم /

عبر 76 مقطعاً، مُضافاً إليها خمس قصائد مُهداة للأمهات الشهداء، تمتنع هالة محمد عن تسجيل أسماء الجُناة. إنهم فقط /دبابة /رصاص حي /طغاة /قاتل/ بينما الضحايا هم /حمزة الخطيب /هاجر الخطيب /زينب الحصني/ابراهيم القاشوش /مشعل التمو/، وهذه الطرح الأمومي يكرّس بشكلٍ غير مباشر الثقة بما هو إنساني، بلغةٍ سقطت منها نبرة الحقد والانتقام /القاتلُ  الأميّ ُ /يُلقّنُ ابنهُ الحَبيب/درسَ التلوينِ/بالأحمر ْ/في دَفترِ الرَّسم ِ/.

في هذا المونولوج الشعري المُتقن، يغيب ذلك الهاجس بالتفتيش عن تراكيب لغويةٍ معقّدة والدخول في متاهة اللفظ والإيحاء، لأن المناسبة هي –الحرب–، وفي الحرب تتجزأ الأشياء وتنفرط، لتعود مرّةً أخرى وتتراكب بطريقةٍ لم تألفها العين البشرية، حيث يمتزج الذاتي بالموضوعي، ويتدفّق احساسان متناقضان في ذات العَصَب، وترى الدنيا مقلوبةً رأساً على عقب، ومرتّبة مثل ترتيب الشعر. الفراشة والدبابة تقفان على سطرٍ واحد، فيما أم الضحية وأم القاتل موجودتان على ذات الصفحة، حين تتساءل أم الشهيد غياث مطر /أم القاتل، هل عرفت حين رأت صورتكَ /في نشرات الأخبار /أنكَ أنت! /حين غسلت غبار ابنها…/دمكَ الطاهر عن بوطهِ الرياضي الأبيض…/هل نقط دمك من عرق جبينها/شمّت رائحة موتك…/وعرفت/ هي أم./

سيكون الموت حاضراً لكن ليس بكونه بطلاً له الكلمة الفصل في الخواتم والنهايات، كفكرةٍ مكررة في جميع الشعر القديم، وهو أيضاً ليس بذلك العاجز والمضحك كما في قصيدةٍ مهمّة  «عن الموت بلا مبالغة» لفيسوافا شيمبرسكا.  بل ستأخذنا هالة محمد إلى زاوية جديدة وتصدمنا حين تطالب بالموت الطبيعي، رفيق الإنسان منذ البدء، كردٍ على الموت القطيعي والمجاني، /نُريدُ موتنا /موتُ المواطنِ فرداً فرداً /من سرقَ موتنا من تحتِ مخدّاتنا /من تحتِ أقدامنا /من سرقَ الموت /من سرق الموت من المستشفيات/من حوادث السّير/من الشيخوخة /من الصّدفةِ/. وسيشي الديوان بشكلٍ آخر من أشكال الموت والإلغاء، حين تجرّد إنساناً من حقّه بالجغرافيا وتطلق عليه اسم لاجئ، في حواريةٍ أرادتها الشاعرة أن تخرج من كون أن اللاجئ حصراً هو سوري، بل أن كل إنسانٍ من المحتمل أن يكون لاجئاً، لأن الجمهور هو العالم برمّتهِ/قالت ِ الفراشة: كم عمرك ِ/قالت اللاجئة: /مِتُّ من سبعة ِأيامٍ/.

في 150 صفحة تنجح النصوص باحتضان الوجع السوري، لتقطع الطريق أمام وحش النسيان، فكم من الجرائم التي طُمست معالمها عبر التاريخ، فلا كاميرا الجوّال ذات الدقّة المنخفضة ولا الخبر البارد، سينجح بتصوير ومحاكات العوالم الداخلية المضطرمة في أعماق الضحايا كما ستفعل فراشة الشعر…/أيتها الحرية /تعرفينَ شعوبَ الأرض ِ/أتقدم إليك بطلب الإنتساب /من بوابة التاريخ الفسيحة/ اقبلينا/ابحثي عنا /نحن في أرشيفك القديم /منذ سالف الزمان والمكان /أجدادي سجلوا اسم بلادي في ملفاتكِ/.

 حنطة40

برومو الشهيد ناجي الجرف