خميرة

في فيلم الملك لا يموت: الأفكار تطغى على الأداء

في فيلم الملك لا يموت: الأفكار تطغى على الأداء

عارف حمزة

 

بدأت عجلة جديدة تدور في السينما السورية منذ ثلاث سنوات تقريباً، عندما بدأ النظام الوحشيَ يستخدم مختلف أنواع الأسلحة، للبطش بالتظاهرات السلميّة التي طالبت بالحرّية ورحيل نظام بشّار الأسد، حتى وصلت إلى درجة محو مناطق بكاملها عن وجه الأرض. حيث أصبحت أيّة لقطة تصوير للحظة رمي برميلٍ مليء بالمتفجرات، من طائرةٍ مروحيّة، على مناطق سكنيّة، وتصوير أعمدة الدخان والنار، والهلع في وجوه الناجين النادرين، عبارةً عن وثيقةٍ بصريّة يمكن الاشتغال عليها في الأفلام الوثائقيّة. وهناك لقطاتٌ حِرفيّة يمكن اعتبارها فيلماً وثائقيّاً بسهولة.

لقد صارت هناك عشرات الآلاف من الوثائق البصريّة المؤلمة تلك في مكتبة العروض الحيّة في موقع «يوتيوب»، ومواقع المعارضة السوريّة والشبكات الإخباريّة، حيث بات بإمكان الكثيرين استقاء أفكار سينمائيّة قد تعبّر، ولو بجزءٍ يسير، عن الأهوال التي يعيشها الشعب السوريّ في كلّ لحظة.

الشبّان السينمائيّون الجدد لم يتأخّروا في دخول مغامرة تصوير وشرح آلام الشعب السوريّ، ونقلها إلى ضمائر الناس، في طريقهم لفتح أفقٍ جديد، وموجةٍ جديدة للسينما السوريّة، التي وصلت من خلالها مؤخراً إلى العالميّة؛ بفضل فوز فيلم «العودة إلى حمص» للمخرج طلال ديركي بالجائزة الكبرى للأفلام التسجيليّة في مهرجان صندانس السينمائيّ العالمي في أمريكا، وكذلك فوز فيلم «الله والكلاب» بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم لذات المهرجان في مسابقة الأفلام الوثائقيّة التسجيليّة القصيرة.

من داخل هذه الموجة يُطل فيلم «الملك لا يموت» للمخرج يامن منذر المغربي، وهو فيلمٌ مأخوذ عن فكرة صغيرة حقيقيّة كتبها المعارض السوريّ ميشيل كيلو عن حادثة جرت معه في المعتقل.

الفيلم، الذي مدّته ثماني دقائق، يتم تصويره داخل معتقل، حيث يسأل المعتقل (قام بدوره نور علاء حور) من الضابط السجّان (بسّام قطيفان) عن الأوراق والقلم الذي طلبها منه، منذ زمن توطّد علاقتهما واللعب بالشطرنج معاً في الزنزانة الانفراديّة.

في اللحظة التي يطلب فيها المعتقل طلبه المكرّر يقول للسجّان وهما يلعبان الشطرنج: «انتبه. الملك كش». أي أنّ ملكه قد يموت وتنتهي اللعبة.

السجّان يقول للمعتقل بأنّه سيجلب له ما يطلب ولكن بشرط أن يحكي حكايةً لشخص معيّن. المعتقل يفرح لسهولة الشرط لأنّ مهنته كاتب، وسرد الحكايات هي عمله. ويفرح أكثر لأنّه سيحصل أخيراً على الأوراق والقلم مقابل رهانٍ بسيط وفق إمكانيّاته وحساباته، خاصّة إذا عرفنا أن السجناء السياسييّن كانوا ممنوعين من الحصول على تلك الأشياء البسيطة تحت طائلة العقوبات الشديدة.

سيأخذ السجّانُ المعتقلَ إلى زنزانةٍ أخرى يوجد فيها فتاةٌ شابة (كريستينا غزال شلهوب)، وطفلٌ في الرابعة من عمره تقريباً (قام بدوره جوزيف شلهوب). ويطلب السجّان من المعتقل أن يحكي قصّةً للطفل، وإذا نجح في ذلك سيعطيه ما يريد من أوراقٍ وأقلام، ثمّ يغلق عليهم باب الزنزانة، ناظراً إليهم من الفتحة الموجودة في الباب الحديديّ للزنزانة.

الفتاة والطفل شعرا بالرعب لوجود المعتقل الغريب معهم، ولكنّ المعتقل طمأنهما بأنّه لن يؤذيهما؛ بل فقط سيقول للطفل حكاية وسيذهب من جديد، وطلب من الطفل أن يجلس في حضنه وبدأ بقصّ الحكاية: «كان في عصفور..»، فسأله الطفل مباشرة: «شو يعني عصفور؟»، فشرح له المعتقل بوصف بسيط بأنّه طائرٌ له جناحان ويطير في السماء. فسأله الطفل: «شو يعني جناحان؟ شو يعني سماء؟؟» فنظر المعتقل مسنفسراً إلى الفتاة الشابة. قالت الفتاة: «هذا ابني. ولدته (أنجبته) هنا. وهو لا يعرف شيئاً!!».

المعتقل سيخرج خاسراً من تلك اللعبة وذلك الرهان الوحشيّ. من لعبة القصّة البسيطة التي لم يعرف كيف يكملها. وعند باب الزنزانة سيتلقّى نظرة الشماتة من ذلك الضابط السجّان. سيمشي باتجاه باب زنانته ليغلقها على نفسه من جديد.

في تلك اللحظات سيقف الطفل «زياد» في باب الزنزانة، التي ما زالت مفتوحة، ويطلب من السجان رؤية الأشياء التي سمع عنها: «بدي عصفور». ويرد عليه الضابط: «فوت لجوا»، «بدي شوف السما» يقول الطفل، فيرد السجّان: «بقللك فوت لجوا»، «بدي السما»، يكرر الطفل برجاء. «مافي عصافير.. مافي سما». يصرخ السجّان في وجه الطفل المتسائل، ثمّ يغلق الباب في وجه الطفل البريء، ويصرخ بصوتٍ عالٍ كي يسمع المعتقل: «وإنت يا مثقف. بدي تفهم منيح، إنو مافي شي اسمو كش ملك.. الملك ما بيموت.. الملك ما بيموت..». يسمع المعتقل ذلك الصراخ والوعيد من الضابط فيضرب الملك الأسود على رقعة الشطرنج داخل زنزانته، دلالة موت الملك ولو في قرارة نفسه.

تبدو الفكرة صارخةً هنا وطاغيةً على كلّ تفاصيل الفيلم؛ وهو شيءٌ منطقي إلى حدٍّ ما، طالما أنّ الفيلم أصلاً مشغولٌ من أجل هذه الفكرة، الفكرة التي تفضح الوحشيّة، سواءٌ ضد المعتقل نفسه بسبب أفكاره وآرائه، أو تجاهَ الأمّ الصغيرة وطفلها البريء الذي ينفّذ معها عقوبة السجن بسبب «جريمة أمّه»، وكذلك تفضّح لذّة السجّان في تعريف الآخرين على إبداعاته وأساليبه الوحشيّة، كأنّ إبداع الوحشيّة هنا يُحاول أن يعادل إبداع الكاتب ضد الوحشيّة أو الظلم أو الاضطهاد.

أداء الممثّلين كان عاديّاً، وخاصّة أداء الطفل الذي يبدو وكأنّه لم يتم تدريبه بشكلٍ محترف، أداءٌ عاديّ ولا يذهب نحو الإبداع، وكانت الموسيقى التصويريّة تحاول إخفاء هذا «العادي» في أداء الممثّلين، كأنّ الممثلين كانوا مضغوطين، مثل الجمهور الذي سيرى الفيلم، بتلك الفكرة الكبيرة المبدعة والمخيفة عن الظلم والاستبداد.

على الرغم من الرعب والألم الذي صنعه الفيلم للمشاهد، إلا أنّه كان بالإمكان صنع مشهديّةٍ سينمائيّةٍ أفضل بكثير من الذي تمّ عرضه، كفيلمٍ صادم وجديد عن وحشيّة النظام المتجدّدة.حنطة41حنطة42

برومو الشهيد ناجي الجرف