خميرة

رداً على مقالة «ثورة وبروليتاريا وشيوعيون».. حدثٌ، ويسارٌ أوديبيّ

رداً على مقالة «ثورة وبروليتاريا وشيوعيون».. حدثٌ، ويسارٌ أوديبيّ

محمد الجرف

نشرت مجلتكم في عددها الماضي مقالاً جميلاً للأستاذ مصطفى الجرف بعنوان «ثورة وبروليتاريا وشيوعيون»، وطالما أنّ المقال–فيما عدا آخر فقرة- هو عبارةٌ عن شبه سردٍ ذاتيّ لاعترافات يساريّ سابق، لا يُنتج معرفةً (على اعتبار أّنّه يقف على مُعرَّفٍ لا أكثر)، فإنني سُعدتُ كثيراً بقلمٍ مُمْتع ينتقل برشاقةٍ منْ فكرةٍ لأخرى، وهذه موهبة فذّة يتمتّع بها مصطفى، كان هذا الحراك النّبيل فرصةً لإظهارها.

المشكلة تبدأ حين يُقرّر مصطفى حقيقةً دون نقاشٍ كافٍ من مثل أنّ: «معنى اليسار الشّيوعيّ في سوريّة تحديداً هو يسار النّظام السّوري، أيْ تماماً في المنطقة الأقصى بعداً عن مناطق الحشود الشّعبيّة التقليديّة!»

ليس غريباً أنني عايشتُ المراحل كافة التي تكلّم عنها مصطفى في عُجالته السّابقة، فأنا وإياه ننتمي –تقريباً- إلى ذات الفترات: البحث عن إيديولوجيّةٍ خلاصيّة، وانهيار تلك الأيديولوجيّة، ثمّ انبعاث الحلم السّوري الكبير في آذار الـ 2011، لكننا لا نصل دائماً إلى نفس الاستنتاجات.

لا أظننا نختلف كثيراً في تعريف البروليتاريا، أو في تعريف اليسار، ومن ضمنه طبعاً «اليسار الشيوعيّ في سوريّة»، وحتّى وإن حدث واختلفنا فالمعاجم والموسوعات والويكيبيديا تستطيع أنْ تكونَ -على ما أظنّ- حكماً جيداً، ومقبولاً فيما بيننا.

الخلاف الحقيقيّ هو في أمرين، غالباً ما يسْلكهما مصطفى طريقاً له: الانطلاق من كليّات يفترضها بديهيّة، والوصول منْ ثمّ إلى تعميماتٍ عامة، إذْ أنني أعتبر أنّ كلّ تعميم هو خطل، خصوصاً إذا ّتمّ إخضاع الجماعات لمنطق التّعميم ذاك.

لم يكنْ اليسار، ومن ضمنه «اليسار الشّيوعيّ في سورية»، في طليعة الجموع الغفيرة التي ملأت الشّوارع والسّاحات في المدن والبلدات والقرى في طول البلاد وعرضها، ولكن أيضاً لم يكن اليمين هناك، ومن ضمنه اليمين الإسلاميّ في سوريّة. من استطاع اللحاق بالجماهير وتنسيق حراكها هم شباب وصبايا التّنسيقيات، وهم في معظمهم معتقلون سابقون من بقايا اليسار الشّيوعيّ في سورية، والذي وضعه مصطفى في المنطقة القصوى النّائيّة عن مناطق الحشود الشّعبيّة التّقليديّة! (إشارة التّعجب هذه ليست لي، بل وضعها مصطفى في نهاية مقالته)، ويكاد يكون من المتفقّ عليه بين المتابعين أنّ اعتقال وتغييب الجيلين الأولين من قادة التّنسيقيات هو من الأسباب الرّئيسة لما يعتبره البعض وهناً أصاب الحراك في مقتل، أو كادْ. بل إنني سأضيف معلومةً ذكرها الأستاذ حسّان عبّاس في إحدى دراساته عن أنّ قادة التّظاهرات -التي تحولت حقاً إلى ملحمةٍ بطوليّة لم يشْهد مثلها التّاريخ إلاّ نادراً- هم من شباب الأمانة السّوريّة للتنميّة، والتي على هزالتها، إلاّ أنّها استطاعت أن تُساهم في زراعة ثقافة المبادرة والتّطوع في نفوس منتسبيها.

لا يستطيع المصطلح أن يتحوّل بذاته إلى فعل، كما لا يستطيع العنوان أن يكون هو الظاهرة، وغالباً ما نتعامل نحن مع انطباعنا عن الحدث، لا مع الحدث ذاته. لذا، لا يمكننا تلقي مفاهيم «كالإسلام السياسيّ، والليبراليّة، واليسار (والذي من ضمنه طبعاً اليسار الشّيوعيّ في سوريا) بوصفها مقولات كليّة مجردّة فحسب. إذ لابدّ أن تلبسَ الكلمات تاريخها، وأن تتقاطع مع اختلافاتها لتتحوّل إلى معنى. والتّاريخ، بما فيه تاريخ اللحظة الرّاهنة، يقول أنّ ليس كلّ اليسار هو على يسار النّظام السّوريّ، كما أنّ ليس كلّ اليمين هو على يمينه كذلك، فهذا الحراك –أو الثّورة إنْ أحببت- هو جَمْع ما لا يُجمع في تاريخ سوريّة.

لا يمرّ حدثٌ بجسامة الحدث السّوري اعتباطاً، وهو بوصفه حدثاً مفاجئاً غير مسبوق فقد استحدث تاريخاً (بحسب وصف جاك دريدا للحدث)، حدثٌ يحدثُ للمرّة الأولى، وربّما الأخيرة!. لذلك، نستطيع استيعاب لماذا يتمّ التّعامل معه بطريقةٍ طقوسيّة تحوّله ربّما لمجرد حدثٍ رمزيّ، ولكن جلالة الحدث، هي بالضبط ما يجعلنا نحاول مقاومة ترميزه وحصره بمصطلحات عامة توحيديّة.

 لقد وجد السّوريون أنفسهم وهم في خضم حدثهم، في مواجهة مفاهيم  عامة تتحوّل في أحسن حالاتها إلى شعاراتٍ انتقائية، أو مقولاتٍ تبريريّة: فترانا ننتقي مصطلح «محاربة التكفير» لنمتدح جبهة النصرة-مثلاً!- في مواجهتها لداعش، ونذهب لاستعمال مصطلح «اليسار: ومن ضمنه اليسار الشّيوعيّ في سورية-كذا-» كتهمة تقصير، دون اعتبار آلاف الأفراد –ومنهم عشرات المعتقلين- اليساريين الذين اختاروا بملئ إرادتهم الانحياز إلى جانب الثّورة في هذا الحدث العظيم، وعندما نقول بملئ إرادتهم فإننا نعني أن ما حرّك خياراتهم ليست الغرائز أو الاختلاف الطائفيّ، بل الإرادة الحرّة القيَميّة بمعناها الجوهريّ الحقيقيّ. وهؤلاء احتضنهم الشّعب واحتضنوه منذ بداية الحراك، وكانوا من صلب الحشود الشعبيّة، وقد تمّ بذل كُلفٍ كبيرة -ماليّة وإعلاميّة- لفصم هذه العروة الوثقى بين الطرفين. فانفصل نُشطاء اليسار الثّوريّ في سوريّة إلى مساراتٍ عدّة: خطّ لحق بما يظنّه العَصبَ الذي لا بدّ منه لإبقاء جذوة الثّورة مشتعلة، فبتَّ ترى يسارياً يُدافع عمّا هو من المُفترض أنّه يُشكل نقيضه المعرفيّ والحضاريّ. وخطٌّ آخر اختار الانغماس في الحراك على الرّغم من مآخذه الكثيرة على من يدّعي تمثيل الحراك، وخط ثالث اختار -من الزّاوية المعارضة- العمل المدنيّ والفكريّ انتظاراً ليومٍ موعود، ولكنّ اليساريين في معظم الحالات لم يتخلّوا عن خيارهم في الوقوف إلى جانب الثّورة، وإنْ كنت أرى في الخيار الأول خياراً نكوصياً ليس عن الحراك وحسب، بل وعن الذات أيضاً، ولكنّ ذلك مبحثٌ آخر قد نتطرق إليه فيما بعد. وأذكر، ويذكر معي الأصدقاء أنّه وفي أثناء الزيارة الأولى لمصر في أوائل العام 2012، فإنّ انطباع النّشطاء المصريين والعرب –وهو انطباع مبالغٌ فيه طبعاً، ولكنّه يعكس في الوقت نفسه مكانة اليسار الشّيوعيّ في سوريّة – هو أنّ حزب العمل الشّيوعيّ هو من يحرّك الجماهير في حمص ودرعا.

أنا لا أعتبر نفسي شيوعيّاً، فأنا لا أؤمن بالبروليتاريا ولا بديكتاتوريتها، كما أنني –وهذا ما هو أقسى- لا أؤمن بالحتميّة التّاريخيّة لانتصار الشّعوب، وأعتقد أنني أقرب إلى الليبراليّة منّي إلى اليسار، فكتابات فوكوياما تمتعني أكثر من رصانة تشومسكي، وليبرالية اللورد كينز تشدني أكثر من ماركسيّة ماو، ولكنني قطعاً ضدّ توحش جورج بوش، وضدّ استبداد عبد النّاصر (أحد الأصدقاء شخّص حالتي على أنّها ليبراليّة يساريّة، وأنا رضيت بهذا التشخيص وتأقلمت معه كما يتأقلم مريضٌ مع عضالٍ ألمّ به)، ولكنني لا أتوافق مع إطلاق الأحكام على الجماعات، فوحدهم قاطعو الهويات من يتعامل مع الجماعات بوصفها كياناتٍ مطلقة ناجزة، فيشملون كلّ اليسار في كفّة، وكلّ اليمين في كفّة. ويتعاملون مع النّظام ككتلةٍ واحدة، ومع الثّورة ككتلةٍ مناقضة، دون بذل ولو جهدٍ بسيط لمعرفة أنّ هناك من اليساريين من لا يُفضّل شرب القهوة وسماع فيروز في الصباح، ولربّما فضّل عليهما الخشوع لصوت عبد الباسط عبد الصمد، وإذا كنّا نسْعى إلى تناول التّنوع الثّقافيّ تناولاً عادلاً، فلن تكون الثّقافات هي الهدف الأساسيّ الذي نهتم به، بل الأشخاص الذين ينتمون إلى تلك الثّقافات، على حسب تعبير بيتر جونز.

تبقى نقطة أخيرة، فبالرغم مما سبق، فأنا لا أستطيع إلاّ أنْ أبدي إعجابي الشّديد بخفة الدم ورشاقة اللغة والسلاسة التي يستعمل بها مصطفى الجرف قلمه.

 حنطة42\

حنطة43

برومو الشهيد ناجي الجرف