حنطة بلدية

البرميل الخشبي

البرميل الخشبي

راهيم حساوي

 

كانت مهمته صعبةً، أصعب من اغتيال الرئيس، وأصعب من الانشقاق عن النظام، «هكذا قال في سره»، كان عليه أنْ يستلم البرميل الذي تم الاتفاق عليه بسريةٍ تامة، ولا مجال للخطأ بهذا الأمر، وكانت مهمته هذه موزعةً بينه وبين ضابطين من ضباط النظام الذين لم يكن بوسعهم الانشقاق عن هذا النظام.

 عند حلول المساء، جلس في منزله وهو ينظر في عيون أطفاله الذين سيتم إرسالهم بسريةٍ تامةٍ إلى مكانٍ مجهول بالتعاون مع ثلاثة معارضين لهم علاقاتٌ جيدة مع النظام، وهم من المحسوبين على النظام في ظاهر الأمر ولا مجال للشك بهم، ولهم سلطةٌ جيدة، فيكفي الواحد منهم أن يذكر اسم أي ضابط ٍكبير عند الحواجز أو عند احتياجهم لشيء ما، وفي حقيقة الأمر هم لا يحتاجون لهذا، فهم معروفون من قبل بعض العسكريين والضباط الصغار على وجه الخصوص.

كانت الأمور تسير نحو المجهول ولا مجال للتكهن بأي شيءٍ رغم دقة الخطة.

 كان الوقت يمضي سريعاً وبطيئاً حسب الحالة التي كان يمر بها تفكير هذا الضابط الجالس في منزله أمام جدارٍ تتوسطه صورةٌ كبيرةٌ للرئيس وهو يضع إصبع سبابته على خده في لحظةٍ تأملية، أراد أن يحتضن أولاده ويقبّلهم لكنه تردد في هذا الأمر، وأراد أن يتم كل شيء دون تفاقمٍ في جانبه الحسي وبعده النفسي، فلتكن الأمور على طبيعتها، فأنا منذ فترةٍ طويلة لم أحضنهم ولم أُقبلهم بطبيعة الحال، هكذا قال في سره.

لم يكن من قبل يعرف كثيراً معنى أن يفارق الوالد أبناءه ، لكنه بدأ يتعرف على هذا الأمر بعد أن شاهد أشلاء الأطفال وهي ملتصقةٌ على الأرض والجدران عبر اليوتيوب، وسيما ذاك المشهد الذي تم فيه إخراج الطفل من تحت الانقاض وهو على قيد الحياة، وكتلة الأصوات المشحونة بكل الصفات التي يمكن أنْ يحملها الإنسان من مشاعر الفرح والبكاء في مثل هكذا موقف.

منذ زمنٍ طويل لم يسمع أغنيةً  برغبة منه، وكل الأغاني التي سمعها كانت محض صدفةٍ من حوله، فتح علبةً قديمة يوجد فيها بعض (الكاسيتات) التي كانت لديه من أيام تعرّفه على زوجته التي عاش معها فترة حبٍّ جميلة وكان ذلك قبل دخوله السلك العسكري، وهو يتفحص (الكاسيتات) شعر بحجم الخراب الروحي الذي أحدثه النظام في روحه من أول لحظةٍ دخل فيها هذا السلك القائم على قتل روح الذات قبل قتل الأرواح الأخرى، وراح يمعن النظر في كل (كاسيت) ويتذكر أغانيه التي يتضمنها، وردة الجزائرية، محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، أبو بكر سالم، وأحمد منيب الذي كانت أغانيه تبث الروح في دمه كلما جلس يسمع أغانيه المملوءة بالشجن والبساطة والصوت الذي يدخل الروح  مثل زخات المطر في ليلةٍ ممتدة بين ضوءٍ ساطع ونافذةٍ مفتوحة  يجلس عندها.

راح يستمع لإحدى أغاني أحمد منيب وهو ممدداً على الأريكة واضعاً يديه تحت رأسه بعينين مغمضتين إلى أنْ داهمه النوم ونام، فجاءت زوجته وغطته بهدوء ودخلت غرفة النوم ونامت بعد أن تأكدتْ من نوم أولادها بسلام.

حلق الضابط بطائرته بعد أنْ تم تنفيذ المهمة حسب الخطة بسلام، كانت ظهيرة تنذر بهطول المطر، وكانت السماء لا تخلو من طائرةٍ  بين الحين والآخر تلقي ببراميلها المتفجرة هنا وهناك، نظر الضابط الطيار نحو الأسفل، في حين كان الناس يتراكضون ويركضون والذعر ورائحة الموت تخيم حولهم، أطفالٌ يصرخون، نساءٌ مذهولات لا يعرفن كيف يرجعن أطفالهن إلى بطونهن من جديد كي لا يموتوا، رجالٌ يتمنون لو أن بمقدورهم عض الطيارة والطيّار بأسنانهم قبل هبوط البرميل، طريقة هبوط وصعود الطيارة تجعلهم يموتون عدة مرات.

_ من اخترع الطيارة؟ قال مراهقٌ وهو يدخن سيجارته خائفاً على أهله.

_ بما كان يفكر ذاك العامل في مصنع هذه الطائرات وهو يشدُّ برغياً من براغي هذه الطائرة؟ قال شابٌ وبيده الكاميرا منتظراً لحظة التوثيق.

_ ألديه أُمٌّ هذا الطيار أمْ أن الطائرة هي مَن ولدته؟ قالت امرأةٌ عجوز وهي تمسح على رأس حفيدها الذي وعدته بحكاية هذا المساء.

_ إنها فراشة الشيطان تحوم فوق أروحنا الميتة. قال شاعرٌ لم يسبق له أنْ نشر ديوان.

_ سيموت البعض منا، هذا سهل للغاية، لكن الصعوبة تكمن في عدم قدرتنا على العويل والصراخ والحزن، من أين لنا هذا؟ لقد نفد كل ما لدينا؟ أخشى أن يموت أحد أفراد أسرتي أو أحد أصدقائي أو أقربائي وليس بوسعي البكاء عليه! قال شابٌ في الثلاثين وهو ينظر إلى السماء مع مجموعةٍ من الناس نحو الطائرة.

سقط البرميل من الطائرة، نعم سقط وراح يتهاوى في الهواء مثل جثةٍ بلا نسلٍ ولا اسمٍ ولا عنوان، مثل السكران في زقاقٍ ضيق بلا أنوار، سقط مثل منتحرٍ لن يموت رغم انفجار كل ما فيه من موتٍ ودمار وخراب.

سقط البرميل فوق الأرض وتكسَّر، إنه برميلٌ من خشب على غير العادة، وكاد غطاؤه أن يدور مثل قطعة معدنية حين تدور على حافتها فوق الرخام، صرخ الناس فرحين، لم ينفجر البرميل، تجمع الناس حول مكان سقوط البرميل مذهولين، كانت الورود تملأ المكان ، وتناثر بعضٌ منها هنا وهناك، ورائحة الورد غطت المكان وطغت على رائحة العرق التي بين الثياب من شدة الخوف الذي أصابهم قبل رؤيتهم لهذه الورود، وأمسك البعض منهم خشب البرميل المتكسر وشموا رائحته وضحكوا وقالوا إنه برميل خشبي، نظروا في السماء ولوّحوا للطيار بأيديهم فرحين، تم إعدام الطيّار في اليوم التالي.

 حنطة45

برومو الشهيد ناجي الجرف