حنطة بلدية

احتفالية العام الثالث

احتفالية العام الثالث

 سامر قطريب

لا أحدَ يضيعُ منكَ في بيروت، إذا أردت مقابلة أحد الناشطينَ السوريين عليك بالذهاب إلى شارعِ الحمرا أو زيارة صفحته على الفايسبوك لتعرف مكان تواجده في إحدى القهاوي التي اعتاد الشباب التجمع فيها، هناك تخفُ وطأة الغربةِ قليلاً عندما تتنقل بين الطاولات المستديرة، ذاكرة الثورةِ والأحداث الدموية والمظاهرة الأولى، كلُ شيءٍ أمامكَ، ماضيك ومستقبلك، الأوضاع المعيشية المستحيلة في بيروت إضافةً لكتابٍ مقلوبٍ في يدِ فتاةٍ تغني للسماء( فوق إلنا خِل)، سريرٌ في غرفةٍ بثمنِ رصاصِ كتيبةٍ في سوريا، اجتماعٌ يبدأ بترديد الشعار، يليه كأسٌ أو فنجان قهوةٍ في بارٍ، جيوبٌ منفوخةٌ وأخرى مثقوبةٌ كالجوارب، رقصةٌ بربرية حزينة، بكاءٌ ونواحٌ على المجازر القديمةِ والجديدةِ والقادمةِ، قبلةٌ سريعةٌ لكسر الخواطر، قصيدةٌ ثورية سكرانةٌ من شفتي ريتا، ريتا الاسم الحركيّ لناشطةٍ سياسيةٍ وإعلاميةٍ تقاعدت بالتزكيةِ بعد أن فُرِّغتِ  الثورة من ثوارها .
خيمةُ لجوءٍ منصوبة تحت الطاولة، ومعتقلٌ يأكلُ الملح في فنادق اسطنبول، وحوريات باريس، لعبةٌ تبكي صاحبها، وقلم طبشورٍ مستوردٌ من درعا، خيبة الهرموش وخيول طروادة، حنجرة القاشوش ودموع الساروت، رصاصة قناصٍ في سقف البار، غنائيةٌ لحرائر حمص (كل يوم عنا شهيد يا أهل سوريا). صمتٌ ثقيلٌ قبل سقوط الهاون ثم ضحكةٌ مسجلةٌ لنيرون دمشق من خطبتهِ إلى كِسرى ملكِ اليهود، طفلٌ جائعٌ من اليرموكِ يبحث عن حقِ العودة إلى قبرهِ، كرسيٌّ ألماني للتعذيبٌّ من عهد الأب يُعرض في مزادات الثورةِ، وداعشيٌّ يُكبّر على رأس غزال.
جدارُ سجنٍ يُرفع فوق المقبرة الجماعية، تصريحٌ أخضر من الشيطان الأكبر لحفيده الأصغر، جثثٌ فوق الطاولة وجثثٌ معلقةٌ في المعارضِ الدوليةِ، جداريةُ يبرود وشهيدٌ عادَ ليهرب من رصاصةٍ، وفوق رؤوسنا برميلٌ يهوي كالصاعقةِ، وجنازةٌ قيد التحضير..

حنطة46

برومو الشهيد ناجي الجرف