حصيدة

التكتلات الثورية في حلب، إلى أين؟

عماد نجم حسو
من أفراد عاديين شاهدوا على شاشات التلفزة شعوبا تتحرر من أنظمتها الفاسدة، وحلموا بثورة تزيل عصور الظلام والاستبداد، إلى مجموعات وحلقات صغيرة تعمل كخلايا نحل، تنسق وتنظم وتحضر للمظاهرات والاعتصامات، كسروا خوفهم من أعتى الأنظمة العالمية استبدادا وديكتاتورية، وقدموا أرواحهم فداء للحرية المنشودة، وأظهروا للعالم أجمع، إرادة الشعب السوري في الحياة ورغبته في تقرير مصيره .

مشاعل الحرية، أحفاد الكوكبي، تنسقية التآخي الكوردية، تنسيقية جامعة الثورة، شباب ثورة حلب.. كلها مجموعات ثورية كان لها الأثر الكبير في رفع وتيرة الحراك الثوري في محافظة حلب، وفي إيصال صورة وحشية النظام ودمويته في قمع الاحتجاجات.

عمل الثوار منذ البدء على إيجاد جسم ثوري يجمع كل تنسيقيات الثورة في حلب، فكان منها المجلس العام لقيادة الثورة، والذي استطاع أن يحمل لواء الثورة في المدينة وأن يجمع العديد من التجمعات الثورية والتنسيقيات والكثير من الناشطين في جسم واحد على الرغم من اختلافاتهم الأيديولوجية. هدفهم بإسقاط النظام ونيل الحرية كان أقوى من كل تلك الاختلافات.

لم يصمد المجلس العام كثيراً بعد تحرير الجيش الحر أجزاء من مدينة حلب، حيث لم يعد له أي ثقل ثوري على الأرض. إهمال النشاط الثوري وتركيز المجلس على خوض أعضائه انتخابات مجالس المحافظة والمدينة في حلب الحرة أدخل العديد من الناشطين حيز العمل المؤسساتي، كما أدى إلى هجرة البعض له، ولهذا ونتيجة للفراغ الموجود على الساحة الثورية الحلبية، نشهد يوما بعد يوم إعادة تفعيل نشاط بعضها، وولادة تكتلات أخرى جديدة.

شباب ثورة حلب، منظمة ثورية ظهرت في مرحلة الحراك السلمي، وهي نتاج اندماج عدة تنسيقيات في أحياء مدينة حلب آنذاك. شارك أعضاؤها في التنسيق والتنظيم للمظاهرات السلمية.

يحدثنا ملهم سمير، المنسق العام ومسؤول العلاقات العامة في شباب ثورة حلب قائلا: “تأسست منظمة شباب ثورة حلب في 29/10/2011 وكانت نتاج اجتماع الكثير من ناشطي مدينة حلب. عملت على زيادة حجم المظاهرات وتوسيع رقعتها من خلال التنظيم والمشاركة في مظاهرات أحياء حلب. علق شباب ثورة حلب نشاطهم بعد تشكيل المجلس العام لقيادة الثورة، كما رفدوا المجلس بكوادرهم ليكونوا شركاء في تشكيله، ولقد أعلنت كوادر المنظمة إعادة هيكلة شاملة في 25/12/2013 لتفعيل نشاطاتها من جديد بعد توقف المجلس العام عن النشاط الثوري وانخراطه في مجلسي المدينة والمحافظة في حلب المحررة.

كما طرحت تعديلا لنظامها الداخلي، وتعديلات في الخطوط الفرعية لاستراتيجية المنظمة، لتسهم بشكل أكبر وأسرع في تحقيق أهداف المنظمة وصولا للرؤية العامة”.

ويتابع ملهم بالقول: “شارك شباب المنظمة بالإضافة للمظاهرات السلمية والاعتصامات والإضرابات، في الكثير من النشاطات الثورية والأعمال المدنية، حيث قمنا مؤخرا بتكريم عناصر الدفاع المدني شكرا على جهودهم، ودعم طلاب المدارس في حلب بالإضافة إلى مساهمتنا في تشكيل بعض مجالس الاحياء ومجسلي المدينة والمحافظة..”.

ملهم ينفي وجود نية بتكوين حزب سياسي في المرحلة المقبلة، ذلك أن “نشاطنا يعتمد على المناصرة والدفاع. نحن أقرب لمنظمة مجتمع مدني وسيكون نشاطنا مستقبلاً في هذا المنحى، حيث نقوم بورشات توعية وتدريب حول مفاهيم منظمات المجتمع المدني والمواطنة وحقوق الإنسان”.

بالمقابل شهدت حلب ولادة تكتلات ثورية جديدة، حيث قام بعض الناشطين بتشكبل تجمعات ثورية محاولين تنظيم أنفسهم من جديد. من هذه التجمعات الوليدة اتحاد ثوار حلب.

يخبرنا مهند عباس رئيس المجلس التنفيذي ومدير المكتب السياسي في الاتحاد، أنه وبسبب حاجة الثورة الملحة في مدينة حلب إلى تشكيل كيان ثوري يضم جميع الثوار ويوحد جهودهم ويرص صفوفهم من أجل تحقيق أهداف الثورة والقضاء على التشرذم وتشكيل كتلة ضغط واحدة برأي واحد في الشارع السوري بما يخدم مصلحة الثورة وإسقاط النظام.

“عملنا على تشكيل هذه الاتحاد لهذه الأسباب. نحن في اتحاد ثوار حلب نؤكد أن الاتحاد مؤسسة ثورية ذات شخصية اعتبارية، ولقد عمل منذ تأسيسه على مواكبة مختلف أحداث الثورة، حيث قام بتقديم المعونات الإغاثية بالإضافة إلى تكريم أمهات الشهداء.

أطلق الاتحاد حملة توعية تربوية تحت اسم (بالعلم نحيا)، كما قام بحملة (خربشات ثورية) وذلك بهدف استرداد وزخم الثورة أيام الحراك السلمي. نسعى الآن للعمل على تشكيل لجان حماية مدنية لمؤسسات الدولة، وحماية المناطق التي سيتم تحريرها إن شاء الله..”.

ويواصل محدثنا من بين تقاسيم وجهه المغضن: “نحن في هذه المؤسسة الثورية بابنا مفتوح لكل المجاهدين والثوار، العسكريين منهم والناشطين المدنيين، وكل المجالس والهيئات الثورية، لنكون يدا واحدة نحو بناء دولة العدل والمواطنة”.

لجوء الناشطين إذن، إلى تنظيم أنفسهم من جديد، ومحاولة تفعيل منطماتهم ومؤسساتهم الثورية من خلال القيام بنشاطات مدنية وثورية يجسدون عبرها مفاهيم الثورة ومبادئها في أعمالهم، يهدف لتحقيق أهداف هي نفسها لدى الجميع. فهل تراها وصلت إلى مستوى طموحات الثوار والأهالي وآمالهم؟ وهل استطاعت أن تجمع جميع الثوار في بوتقة واحدة بعد أن كانوا كذلك أيام الحراك السلمي؟

قمنا بحمل هذه التساؤلات إلى بعض ناشطي الثورة.

وفي حديثنا مع الناشط والإعلامي سيف عزام حول التكتلات الثورية بشكل عام ومدى تأثيرها وفعاليتها علق قائلا: “نحن بحاجة لتجمعات عمل مدنية ثورية، لكن للأسف حتى الآن لم يلب أي تكتل طموحات الثوار وآمالهم، التعصب للتكتل وعدم التعاون مع التكتلات الأخرى هي من أكثر السلبيات والأخطاء التي يقع فيها الجميع، كما أن معظمها قائم على الشللية، حيث تقوم مجموعة من الأصدقاء أو أبناء الحي الواحد بتشكيلها. أعتقد أنها يجب أن تخرج من حالة التقوقع التي تضع نفسها فيها، وأن تعمل على أن تزيد من أعضائها وأن توسع نشاطاتها وترفع من وتيرتها، وأن يكون لها دور أكبر في المجتمع. للأسف حتى الآن لا يوجد قيادة ثورية واحدة في حلب، ما أدى إلى الكثير من الفوضى وعدم التنظيم والصراع بين الناشطين أنفسهم”.

توجهنا في مناقشة موضوعنا هذا إلى الاستاذ حسن برو، مدير تحرير صحيفة (كلنا سوريون)، الذي اعتبر أن تنسيقيات الثورة كانت الصيغة الأولى لتنظيم الثوار لأنفسهم، لكن قلة الخبرة التنظيمية والسياسية جاء بالوبال على التنسيقيات النابتة حديثا من ركام الاستبداد ومن إرادة جامحة للحرية، ما يحتم البحث عن جسم ثوري يستطيع توحيد جهود الجميع نحو البوصلة الأساس وهي المشاركة الفاعلة ببناء سوريا الجديدة. “بقيت الحالة الأنوية الضيقة مسيطرة على شكل العمل على الرغم من تشكيل تكتلات بأسماء مختلفة حينها، ولكنها نجحت في أن تكون حالة أكثر تنظيما. للأسف صارت الخلافات بين رفاق التكتل الواحد تستدعي تشكيل تكتل جديد ينشق مباشرة عن التكتل السابق الذي كان منتمياً له.. وكما قلنا تضخم الأنا وضيق زاوية الرؤية ساعد في تنامي هذه الظاهرة. طبعاً وجود تنظيمات ثورية مدنية يشكل ضرورة موضوعية، وهي مهمة وعلينا دعمها وصقل تجربتها، لكن هل تنجز شيئاً حقيقياً على الأرض؟ هل ساهمت بنقل تجربتنا الثورية من حيز إلى حيز آخر؟ برأيي هنا المشكلة”.

ويتابع السيد برو شارحا ما يراه من أن استمرار التخبط بموازاة استمرار معركة الاستحواذ على الشرعية وصفات النقاء الثوري، دائما ما سيطرت على كل مجموعة كحقيقة وحيدة تنفي الآخر وتعزلها عما عداها من التكتلات”.

ويختم الرجل بالقول: “لن أدخل في تسميات محددة، ولكن صارت هذه التشكيلات الثورية، بخاصة في المرحلة الأخيرة، حالة صورية أكثر منها ميدانية، صارت حلبة للتنازع حول الشرعية والثورية أكثر منها تكريسا لقيم ثورة الحرية. نعم، البعض ممول من جهات داعمة وبالتالي هو يدري، أو ربما لا يدري، أنه ينفذ سياسات الداعمين. دكاكين السياسة انتقلت لتنسيقيات وتنظيمات الثوار المدنية، وأتوقع أن نشهد في الفترة القادمة أكثر من شكل لهذه الدكاكين، ما علينا إلا العمل معا وبإخلاص..”.

لربما يشكل الأمر على ما هو عليه، حالة صحية، وشكلا من أشكال التجربة السياسية، وعلينا جميعاً أن نتقبل فكرة وجود الآخر المختلف، وأن نتعلم كيف نوجه طاقاتنا لخدمة النظام السياسي والاجتماعي الذي نصبو إليه، والذي يحقق دولة عادلة ومجتمعا حرا وإمكانيات تنموية متاحة وواسعة الآفاق..

25 26

برومو الشهيد ناجي الجرف