جرن حنطة

من الفرات..إلى النيل

نور مارتيني

مرَّت المنطقة العربية بمخاضاتٍ عدّة خلال السنوات العشر الأخيرة المُنصرمة، التي أعقبتْ الاحتلال الأمريكي للعراق، هذه المخاضات أدّت إلى ولادةِ كياناتٍ على الأرض لم تكن موجودة من قبل، وكذلك أفرزت تيارات سياسيّة وثقافية وفكرية، لا تنتمي إلى ثقافة مجتمعنا في شيء، إلاّ أنّ عواملَ كثيرة أسهمتْ في ترسيخِ كلِّ ما سبق، كان أهمّها التدخّلات الإقليمية، وما تبِعها من ضخٍّ إعلاميِّ رهيب، ونشر فكر راديكالي بالغ في الغلوّ في كل شيء، كل هذا أفضى إلى حالةٍ من الديماغوجية، أدّت إلى تكريسِ الشّرخ الحاصل في المجتمع.

ولاعتبار مرحلة ما بعد الحرب على العراقِ عنواناً عريضاً لهذه المرحلة أسبابٌ واضحة لايمكن تجاهلها، فالحرب الأمريكية على العراق هتكت كل الحجب، وكشفَتْ الزّيف والنفاق الاجتماعي الذي يعيشهُ العالم العربي، الذي اتّضح أنّه كان يقبع على صفيحٍ ساخن، إذ أنه وإبَّانَ الحرب الأمريكية على العراق راحت تتصاعد الكثير من الدعواتِ إلى نصرةِ العراق ضدَّ الاحتلال الأمريكي، هذه الدعوة التي كانت مشروعة تماماً فيما لو ظلَّت تنتهجُ النهجَ نفسه الذي خرجت من أجله.

إلاَّ أنَّهذه الدعوة سرعانَ ما تحوّلت إلى “نصرة المجاهد صدّام حسين” وهي أوّلُ الغيث، وبداية زجِّ المفهوم الطائفي، فكلمة”المجاهد”كانت لها دلالاتها الطائفيّة التي تُشير إلى”المذهب السني”الذي ينتمي إليه صدّام حسين، وفي الوقت ذاته تكفير كل من لا يؤيده، فضلاً عن المعسكرات التي افتُتحتْ على الأراضي السورية لإعدادِ المقاتلين، قبل إدخالهم إلى العراق، الأمرُ الذي اتَّضح فيما بعد أنه لايمكن النظر إليه ببراءة، وأنَّ ما حصلَ كان فعلاً من أجلِنُصرة العراق، والغريب في ذلك أن بشار الأسد محافظ”المحافظة الإيرانية الخامسة والثلاثين”اليوم–بحسب رجل الدين الإيراني”مهدي طالب”-هو من أوعز بفتح الحدودالتي شهدت تدفّق مجاهدين من كلِّ أنحاءِ العالم وليس سوريا وحدها، فكيف له أن يخدمَ المشروع”السني”الذي كان”صدّام حسين”يمثّله؟

ومع ذلك بقي النّاس خارجَ هذهِ اللعبة، وظلّوا ملتزمين بما خرجوا من أجله، وهو نصرة الشعب العراقي، ولم ينحدروا بمطالبِهم من الحرية إلى الانكفاءِ نحوَ الطائفةِ بمفهومها الضيِّق، غير أن العائدينَ من جحيمِ العراق عادوا ليقصوا علينا أهوالَ مالقوه من”الحواجز الشيعية”التي ضربتهم غيلةً –من خلف ظهورهم-والغريب أن كثراً ممّن راحوا يروِّجونلهذه الرواية هم ممن يلوذون بالأجهزةِ الأمنية في سوريا، لدرجةِ أنَّ واحداً من المحاضِرين الّذين جيء بهم إلى اتحاد الكتَّاب العرب في مدينتي إدلب قد طرَحَ الموضوع بهذا الشكل، ويومَها قامتْ قائمة الحضور عليه ولم تقعُد حولَ هذه المفاهيم التي طُرحتْ في المحاضرة، والغريبة عن تركيبة مجتمعنا الفكرية جملةً وتفصيلاً، فهل يُعقل أن يأتي محاضر إلى”اتحاد الكتَّاب العرب”، في عهد كان فيه”علي عقلة عرسان”أميناً عاماً للاتحاد، دونما توجيهاتٍ أمنية من نوع معين؟.

اللعبةُ ذاتها بدأت في سوريا، حين أُعلنَ في أواخر عام2011عن تشكيل ما سُميَ بـ”الجبهة الإسلامية لنصرةِ أهلِ الشام”بزعامة”الفاتح أبي محمد الجولاني، والتي أحدثتْ تغييراً كليّاً في مُجريات الثورة السورية، حيث أن النظام لطالما حاول أن يلعب على الوتر الطائفي، والبعد التكفيري للثورة السورية، بُغيةَ ترهيبِ الأقلياتِ واستجلابِ تضامنهم معه، خاصةً من خلال وصفه لمن تمرَّدوا ضده بـ”التكفيريين”، و”السلفيين الوهابيين”، الأمر الذي لم يُؤتِ أُكله، ولم يؤثر في موقفهم منها، حتى أن أشخاصاً كثيرين ممَّن يُعرفونَ بانتماءاتهم اليسارية، أيَّدوا الثورة، بل وهنالك منهم من خرج في مظاهراتٍ مُنطلقةٍ من المساجد.

فجاءَ بيانُ تشكيل الجبهة ليقلبَ المقولةَ كلها، ولتصبح هويَّة الثورة هي”نُصرة المسلمين”، كبديلٍ عن”سوريا بدها حرية”، حيث وردَ في بيان الجولاني:”فعلى كلِّ حرٍ أبيٍّ أن يتَّخِذَ سِلاحاً يدفعُ بِهِ عن نفسِهِ وعرضِهِ الخطر، ولو كلّفَهُ ذلِكَ أن يبيعَ أثاثَ منزِلِهِ، فالدين والدم أغلى وأولى يا أهلَ المروءات.”، ولم يعد هنالك أولويةٌ للوطن، صارت الأولوية للطائفة، ثم للدم!

غير أنّنا ما زلنا في إطار”الشام”، أي أنَّ البعد القومي والانتماء للوطن لا يزالان قائمين، ولذلك كان المشروع ما يزال يحملُ البعد الوطني، على الأقل من خلال قيادات سورية، وإن كانت تحت مسمىً “إسلامي”!.

أعقبَ هذا البيان حملة استنكارٍ دوليٍّ لكلِّ ما جرى ويجري، وفي الحقيقة أنَّ الضخّ الإعلامي كانَ هائلاً تجاه ممارسات”جبهة النصرة”، ولكن مع ذلك لم يحدث هذا الضخ الإعلامي سواء من قبل النظام، أو وسائل الإعلام العالميّة في تأليبِ الرّأي العام ضدَّ الثورة السورية.

إلى أن جاء  بيان”أبو بكر البغدادي”حولتوحيدِ”دولة العراق الإسلامية” و”جبهة النصرة”، الأمر الذي بلور التوجُّه الطائفي، فالبيان أشارِ إلى”دمج فرع التنظيم جبهة النصرة مع دولة العراق الإسلامية تحت مسمى الدولة الإسلاميّة في العراق والشام”، وطبعاً دولة العراق الإسلامية، كانت قد تشكَّلت إبَّانَ مقتل”أبي مصعب الزرقاوي”في العراق عام2006.

إذاً، فالطابع الطائفي باتَ ظاهراً للعيان، وهو دمجُ الكيانين، ليعبِّرا عن”المكوِّن السُّني” أيَّاً كانت جنسيته!

يأتي بعد ذلك مؤتمر القاهرة للعلماءِ المسلمين في شهر حزيران2013، والذي أطلقَ الحبلَ على الغاربِ لكلِّ الأجندات،وجعلَ من سوريا مَسرحاً لكلِّ تصفيات الحسابات على كافةِ الأصعدة الدولية، حيث وردَ في البيان الختامي:”اعتبار ما يجرى فى أرضِ الشّام من عدوانٍ سافرٍ من النظامِ الإيرانى وحزب الله وحُلفائهم الطائفيين على أهلنا فى سوريا يُعدُّ حرباً معلَنةً على الإسلام والمسلمين عامة”.

من الممكن تناولُ الموضوعِ ببراءةٍ، وأنَّ هذا الموقف جاءَ غيرةً مِن عُلماء الدِّين على السوريين، ولكن حين تقرأ تصريح العُريفي بهذا الخصوص، حيث يقول الداعية السعودي محمد العريفي للجزيرة أن”الوثائق المرئيَّة والمكتوبة التي عُرضتْ تُفيد بأنَّ من أسماهم الرافضة الصفويينلن يكتفوا بسوريا، بل سيلتفتون إلى مصر ودول الخليج ومكَّة والمدينة”.

فالبعدُ الطَّائفي، وتصفية الحسابات طُرحتْ وبشكلٍ سافرٍ في المؤتمر، ما يُذكِّرنا بالمعسكراتٍ التي أقامها بشار الأسد لتدريبٍ المجاهدين للذهاب إلى العراق ومن بعدها أصبحَ معظم من ذهبوا نُزلاء في “صيدنايا”، وللأمانة فقد كان”العُريفي”هو أوَّل نزلاء السجن في السعودية، على خلفية تصريحاته هذه!.

لقد ساهم نظام بشار الأسد في تقسيمِ العراق، كما ساهمَ مؤتمرُ القاهرة اليوم في تحقيقِ المشروع ذاته في سوريا من خلال”تنظيم دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام”، ولكنَّ أهمّ ما أسفر عنه هذا المؤتمر هو أمران: أوّلهما ما أعقب سقوط القصير من تصريحاتٍ لحزبِ الله أعلنَ فيها وبشكلٍ سافرٍ عن”تأدية الواجب الجهادي في سوريا”لحماية”مقام السيدة زينب”والذي على ما يبدو متواجد في كل شبرٍ من سوريا! وثانيهما، فتح سوريا أمامَ العالم بأسرهِ ومجيء”المجاهدين”من كلِّ حَدبٍ وصوب لإقامةِ”الإمارة الإسلامية”على أرضها، فكثُرتْ الاختراقات، وأشهرت الفصائل العسكرية السِّلاح ضدَّ بعضها بدلاً من النظام، وراحَ صوتُ الثورة يخفت بفعل اختطاف الإعلاميين والناشطين السلميين.

لم يكن كلّ هذا ليتحقق لولا الخطاب الإعلامي الناري الذي امتدَّ خلال سنوات طِوال أعقبتْ الحرب على العراق، فبِتنا نشاهدُ قنوات تكفِّر الشيعة وتظهر فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، يقابلها قنوات تُسيء إلى الصحابة، وتنشر فتاوى تُثير حَفيظةَ المُكوِّن السُّني، فولدت”صفا” و”وصال” ليقابلها”الكوثر”و”الأنوار”، حتى أنّ الخطاب امتدَّ ليشمل الأطفال، فـ”طيور الجنة” و”كراميش”، تقابلها “طه” و”الهدهد”. كل هذا ليتسنى لإسرائيل تحقيق شعارها”من الفرات إلى النيل”ولكن بيدنا، لابيد عَمرو!.

28 29

برومو الشهيد ناجي الجرف