جرن حنطة

السلم الأهلي.. ممارسة حياتية

أسامـة أحمد

يُقدّم السّلْم الأهلي”غالباً”، على أنها عمليةُ عيشٍ مشتركٍ بين الناس في دولةٍ ما،وهذا ليس بعيداً عن الصحة ولا مُجافياً للصواب، لكنّه فضلاً عن ما يحمله من تبسيط، يُثير مشكلتين، أوّلهما تحويل السلم الأهلي إلى شعار، يمتلئ كغيره من الشعارات بمضامينَ أيديولوجية، وبشحنةٍ من العاطفة تُخرج الموضوعَ من مَيدان الممارسة الفكريّة والعمليّة إلى ميدان المماحكات اللفظيّة والتسويقيّة.

والثانية صرفُ النظر عن حقيقة أن السّلم الأهلي عمليّة تاريخيّة، صيرورة تقدّم في التاريخِ والمعرفة والممارسة الحياتيّة إلى نقطةٍ مركزيّة، هي تلبية حاجات أفراد المجتمع المعيشية والاجتماعية والسياسية.

من المعروف بأن أكثر الدول أمناً واستقراراً هي التي تستطيع أن تلبّي حاجات أفرادها على مختلف الأصعدة، وتتيح لهم الحقّبإنتاجِ شروط حياتهم بحُريّة، لا إنتاج أنماط من المجموعات البشريّة المُترامية على أطراف الدولة المركزيّة وإصباغ طعم المرارة على هويات أفرادها التي تشكّل الهويّة الجامعة لهذه الدول.

إن مجتمعاً بُثّت فيه شحنات من الكراهية والحقد والتّفرقة عبرَ عقودٍ من الزمن، وافتعلتوأُنتجتأزماتٌ بين أبنائه يحتاج إلى ممارسةٍ حياتيةٍ يومية بين مكوّنات هذا المجتمع. بعيداً عن شعاراتٍ تحت مسميّات”توعية– نشر”ثقافة السلم الأهلي، فالثقافة تنتجها الممارسة وليسَ العكس، ولا يمكن أن تنشأ ممارسة حياتية دونَ حلِّ عادلٍ ومنظومةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ وثقافيةٍ حرّة تكفلُ حقوق كلّ البشر بغضِّ النَّظر عن انتمائهم، أما الثقافة فستنشأ وتتطور تلقائياً وبالتوازي مع الممارسة، مبدأ”التوعية”هذا هو مبدأ نرجسي استعلائي على المجتمع.

إن أخطرَ ما يُهدّدُ السلم الأهلي في سوريا هو التعميم والتنميط بين أفرادِ المجتمع وبناء الحياة السياسية عليها،هو نِتاجُ صراعاتٍ تلبَس أقنعة هواياتية مفتعلة، بينما هي صراعاتٌ على النفوذ والوجود بين مراكز قوى وزعامات دينيّة وقوميّة وعشائرية، هي صراعات تُجنّد فيها الهويّة لصالحِ مراكز معيّنة وليس لصالحِ حاجات أفراد الهويّة أو المكوِّن.

عمليّة التحوّل والانتقال الجارية الآن في سوريا، وتَنَامي العنف واشتداد وطأة التبعيّة والاستغلال،أنتجت ازدياد حدّة التناقضات وإخفاق المعارضة في إنتاج ممارسةٍ عمليّةٍ لتحقيق السّلم الأهلي، فأغلب التجمّعات المعارِضة السورية أُسّست على مبدأ المُحاصصة القومية والدينيّة، فلم تستطع أن تنتج هويةً وطنيةً جامعة، على العكس،فقد ازداد منسوب التنميط ونَتَجتْ ردّات فعلٍ لا أكثر، ولم ينجح مبدأ المُحاصصة في تجاربَ إقليميّةٍ كما في لبنان والعراق في ضمان السّلم الأهلي بين أفراد هذه المجتمعات، بل زادت من انحسار وانكماش الأفراد في دوائرِ هذه الزعامات وتحت سطوتهم وسيطرتهم، وتهميش البُعد الوطنيّ ومقوِّمات الدولة على محيطِ هذه الدوائر، فتشكَّلت في هذه الدّول اقتصادات شبه مستقلّة وميلشيات أشبه بجيوشِ داخل الدّولة بل أبعد من ذلك، فالهويّات التي أُهدرت آمالها وقُمعت حقوقها على مرّ عقود من الممارسات اللاعقلانية، لجأت رغماً عنها إلى وسائلِ التعصّب القوميّ والدّيني بمختلفِ أشكالها وهيَ جميعها ردود فعل تكشف عجزها عن التّخلص من الموروث القمعيّعن طريقِإنتاج علاقاتٍ وممارساتٍ علميةٍ وفكرية.

إنّ تحوّل عمليّة الانتقال في سوريا إلى عملية سلبية وحركة ارتداد، تقودها جماعاتٌ دينيةٌ وقوميةٌ تخدم مصالح وأهداف مراكز قوى، لم تؤدي في نهايةِ المطاف إلا إلى الحفاظ على البنى والعلاقات والأوضاع التي كانت سائدةً قبل البدء بعملية التحوّل والانتقال، فلم تنفجر في سوريا حربٌأهليةٌ بعد.إنما هي جملة من الصراعات بين هذه المراكز تُغذّي الصّراع الرئيسي في سوريا والذي بدوره أصبحَ صراعاً إقليمياً ودولياً.

إن الممارسة الحياتية بين أفراد المجتمع في سوريا بجميعِ مكوّناته وإنتاج صيغٍ وأشكالٍ جديدةٍ من آليات العيشِ المشترك هي الضّامن للسلم الأهلي في مجتمع يزخرُ بهويّات دينية وقومية عديدة، وبالتأكيد الممارسة الحياتية لا تعني إلغاءه أو اندماج وصهر هذه الهويات، بل على العكس، تعني إلغاء الحواجز التي تحولُ دون تواصلها وتفاعلها وتوحيدِ الجّهود في سبيلِ تطوُّر مجتمعاتها، من خلال التركيز على الجوانب الإيجابية، وكشف علاقات وروابط جديدة،وإبراز الدور الريادي للفرد،بما أن هذه الهويات والمكوّنات تعيش جميعها في وطنٍ واحدٍ، وبالتالي لها مصلحة مشتركة في مواجهةِ نفس التحديات،كتقبل الآخر كما هو–ليس كما أريده أنا–مثالاً، فالممارسة العمليّة والفكريّة في نفي الآخر وعدم قبول الرأي المُعارض نشأتْ عنها انقساماتٌ عاموديةٌ في المجتمع سدَّتْ قنوات التواصل والحوار الخلاّق، وحَرَمتْ المجتمع السوري من إمكانية استثمار أفضليّة التعددية القومية والدينية والإثنية في التطوّر والتقدّم.

10361136_816422048386769_2012589264_n

برومو الشهيد ناجي الجرف