حكايا البيدر

مرض شلل الأطفال

الدكتور سامر العمري

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بالقضاء على بعض الأمراض نهائياً والحصانة منها بشكل كامل، نجد أن هذه الأمراض أصبحت تشكل تهديداً حقيقياً لأطفالنا،إذ نراها وقد عاودت للظهور في سوريا نتيجةً للأوضاع الراهنة، مع أن الوقاية منها سهلة وبسيطة جدا.

على رأس هذه الأمراض”شلل الأطفال” فماهو هذا المرض وكيف يمكن الوقاية منه؟

شلل الأطفال :
مرضٌ فيروسيّ معدٍ، تتراوح شدّته من عدوى بسيطة إلى مرضٍ حاد، حيث يبدأ بحالةٍ عامة سيئة للطفل تشبه الإصابة بالإنفلونزا،يليها شللٌ رخويّ لبعض أطراف الجسم، وبصفة خاصة الأطراف السفلية عند الأطفال، ويكثر انتشاره في فصلي الربيع والصيف وحتى نهاية الخريف.

ينتشرشلل الأطفال في عدد كبير من بلدان العالم، وبصفة خاصة في الدول ‏النامية وأماكن النزوح، مخيمات اللاجئين وخاصةً تلك التي لا يتم فيها تصريفٌ صحي بشكل سليم، بمعدلات متفاوتة تبعاً لمعدّل التغطية بالتطعيمات اللّازمة في الأوقات المناسبة والإصحاح الأساس للبيئة، وتحدث غالبية الإصابات(90 ‏%) منها، بين الأطفال ‏دون سن الخامسة مع العلم أن إصابة البالغين الغير ملقّحين ممكنة، ولكن في حالات نادرة.

الفيروس المسبب للمرض:
فيروس شلل الأطفال”Polio Virus”وهو فيروس معوي له ثلاثة أنماط ، وجميعها قد تسبب الشلل، ولكن النمط(A) هو أكثرها ‏انتشاراً وإحداثاً للشلل، كما أنه يتسبب في غالبية الأوبئة، ولا توجد مناعة تبادلية ‏بين الأنماط الثلاثة.

مصادر العدوى :
الإنسان المريض أوحامل الفيروس، وهما المستودع الوحيد للعدوى، وتنتقل العدوى عبر الطريق الفموي البرازي أوالطريق التنفسي للمخالطين عبر الرذاذ المتطاير، وهنا تبرز أهمية وجود صرف صحي والتخلص من الفضلات بشكل سليم ومع كل ظهور لحالة من المرض الشللي يُتوقع وجود حوالي مائة حالة لا شلليّة غير مسجلة، وتُشير ‏هذه الحقيقة إلى أن مستودع العدوى ‏كبير جداً.

قابلية العدوى:
الطفل الذي لم يتم تطعيمه أو لم يسبق له الإصابة بالمرض أكثر عرضةً للعدوى سواء نتج عنها شلل أم لا، والمناعة المكتسبة بعد العدوى الطبيعية أو التطعيم بالجرعات الكاملة، تبقى مدى الحياة مع إمكانية العدوى بنسب ضئيلة جداً للبالغين.

الأعراض والعلامات: إن فترة الحضانة لهذا المرض تتراوح بين 4-14 يوم، وعند انتقال العدوى للطفل، فهناك ثلاثة مراحل المرض وهي:
المرحلة الأولى: أن يصل الفيروس إلى الحلق ثم الحنجرة ويتوقف عندها، ولا تظهر الأعراض على المصاب، وهذا هو الإحتمال الأكثر حدوثاً،ويرجع ذلك لعدّة أسباب منها: المناعة الطبيعية للطفل، أوالمناعة لإصابة سابقة بالفيروس أو ‏التطعيم باللقاح المضاد.
المرحلة الثانية: أن يتعدّى الفيروس الحنجرة إلى الجهاز الهضمي، ومن ثم إلى الدم ويتوقف عند هذا الحد، بسبب المناعة الطبيعية ووجود الأجسام المضادة التي تكونت نتيجة دخول الفيروس إلى الدم، وهنا يظهر على المصاب بعض الأعراض، مثل: ارتفاع درجة الحرارة والقيء مع تصلب عضلات الرقبة والظهر، وتختفي هذه الأعراض بعد عدة أيام.
المرحلة الثالثة: أن يتسلل الفيروس إلى الجهاز العصبي، فيصيب الخلايا العصبية الحركية في النخاع الشوكي فيحدث فيها التلف، وينتج عن ذلك شلل رخوي في الأطراف خصوصا السفلية منها.
‏أعراض وعلامات المرحلة الثالثة: هي المرض الحاد-الشفاء-الشلل المتبقي.
‏وفي هذه الحالة يظهر ارتفاع في درجة الحرارة مصحوباً بصداع وآلام عامة مع غثيان وقيء، وقد يعاني الطفل المريض من تشنجات في العضلات، ويعقب ذلك مرحلة ‏الشلل الذي يصيب غالباً الأطراف السفلية .
وفي الأسبوع الثالث من المرض تختفي الأعراض العامة ويتماثل المريض للشفاء، يليها ظهور الشلل المتبقي في العضلات المصابة الذي يتحول إلى الإعاقة الدائمة.

مضاعفات مرض شلل الأطفال:
‏أ-المضاعفات البدنية
تؤدي التشوهات التي تصاحب المرض إلى قصور في حركة ‏المفاصل، الذي يبدأ أثناء المرحلة الحادة للمرض، فيشعر الطفل بآلام شديدة في العضلات أثناء تحرك الأطراف، فيساعده أفراد أسرته على الجلوس في الوضع المريح، وهي أوضاع تكون في الغالب ضارة بالطفل بسبب تقلص العضلات التي تثني الوركينوالركبتين، لذلك في حالة المرض الحاد يجب أن يوضع الطفل المصاب لبعض الوقت يوميا في أوضاع يراعى فيها انبساط الوركين والركبتين، مع المتابعة بالعلاج الطبيعي.
‏ب- المضاعفات الاجتماعية
‏القيود التي تفرضها الأسرة والمجتمع على الطفل وأنشطته قد تمنع الطفل المصاب من ممارسة الأنشطة التي يمكن القيام بها مثل:
‏الحاجة إلى التعليم مثل باقي الأطفال الأصحاء، مع كسر الحاجز النفسي وإعطائه فرصة الاحتكاك بباقي أفراد المجتمع واكتساب الخبرة من الحياة، وتسهيل طرق التنقل وممارسة الحياة الطبيعية.

العلاج:
‏مرض شلل الأطفال من الأمراض التي لا يوجد لها علاج نوعي محدد حتى الآن للأسف، والسبيل الوحيد للوقاية منه التطعيم والعناية بالصحة العامة وفي حال حصول الشلل تقتصر الاجراءات على بعض المعالجة الفيزيائية للأطراف للحد من تصلب العضلات وتشنجها، كما يمكن إعطاء الطفل المصاب (غما غلوبيولين)، وهو مضاد مناعي فيروسي مع بعض العلاجات العرضية البسيطة كخافضات الحرارة ومسكنات الألم

ويتم تأكيد تشخيص المرض عن طريق فحص البراز، وذلك بأخذ عينتين من البراز بفارق زمني 24 ساعة بعد أقل من 15 يوم من حدوث المرض.
الإجراءات الوقائية:
-التبليغ الفوري عند اكتشاف الحالة وعزلهافي المشفى، مع إعطاء العلاج اللازم.

-التطهير المستمر لإفرازات ومتعلقات المريض.
-حصر المخالطين المباشرين مع إعطائهم العلاج الوقائي (الغما غلوبيولين) عن طريق الحقن، مع إعطائهم جرعة منشطة من تطعيم الشلل الفموي للأطفال دون الخمس سنوات، والمتابعة لاكتشاف أي حالات أخرى.
التطعيم

ويوجد له أربعة أنواع
1- التطعيمات الأساسية: وهي خمس جرعات على النحو التالي:

-الأولى عند عمر شهرين من تاريخ الولادة.

-الثانية عند عمر أربعة أشهر.

-الثالثة عند عمر ستة أشهر.

-وجرعتان تنشيطيتان، الأولى: عند عمر سنة ونصف، والثانية: عند عمر أربع سنوات وحتى دخول المدرسة.
2-التطعيمات الاحتوائية: وهي تطعيمات وقائية ضد العدوى في حالة الاشتباه في ‏وجود حالة مرضية، حيث يتم إعطاء جميع الأطفال دون سن الخامسة في منطقة وقوع الحالة المرضية جرعتين من التطعيم بفاصل شهر بينهما، بغض النظر عن سابقة التطعيم.
3-التطعيم الاجتثاثي: وهو يتم في المناطق المعرضة لخطر ظهور حالات مرضية، أو الأماكن منخفضة التغطية بالتطعيم، وبذلك يتم القضاء على فيروس شلل الأطفال من البيئة، ويتم التطعيم بنفس الطريقة السابقة.
4-حملات التطعيم الوطنية: وهي حملات وطنية على مستوى الأقطار، وهدفها القضاء على فيروس شلل الأطفال من البيئة في زمن محدد، ورفع مستوى المناعة ضد الفيروس، ويتم التطعيم بنفس الطريقة السابقة لجميع الأطفال دون سن الخمس سنوات بغض النظر عن سابقة التطعيم.

الجدير بالذكر أنه يوجد نوعين من اللقاح، الأول عن طريق الفم، وهو فيروس حيّ مضعف،والثاني عن طريق الحقن العضلي، وهو فيروس مقتول، ويتم استخدام النوع الأول في أغلب الأحيان .
‏-أوقات الأوبئة: يجب التركيز على التوعية الصحية عن المرض، وطرق انتقاله، والوقاية منه مع تأجيل أية عمليات جراحية عادية، أو الحقن بالعضل، حيث إنها تساعد على تحويل الحالات تحت السريرية(غير الظاهرة) إلى حالات ‏مرضية شللية، مع مراعاة النظافة العامة، وتحسين صحة البيئة، والابتعاد عن الأماكن المزدحمة، وضرورة رفع نسبة الكلور في مياه الشرب أثناء التنقية.
دور المجتمع في القضاء على المرض

تساهم البيئة المحيطة بالقضاء على هذا المرض وبصفة خاصة الأسرة والمدرسة إذ لهما دور أساس ومهم وذلك من خلال:
أ-التأكد من أن جميع الأطفال قد أكملوا الجرعات الأساسية والمنشطة طبقاً لجدول التطعيمات المعمول به والحرص على إعطائهم أية جرعات تنشيطية أخرى.
ب-التعاون مع الجهات الصحية المعنية عند تنفيذ الأنشطة الخاصة لاستئصال مرض شلل الأطفال بشكل نهائي.

ج-في حالة ظهور أعراض أو اشتباه في حالة مرض شلل الأطفال بالمنطقة، على أي طفل مصاب بارتفاع في درجة الحرارة أو قيء غير معروف السبب، يجب عرضه بأسرع وقت ممكن على الطبيب المختص لفحصه وتشخيص حالته.

32 33

برومو الشهيد ناجي الجرف