حكايا البيدر

عامل سوري في لبنان

عبود سعيد                                                    

 

عملَ أبو علي مُنذ نعومةِ أظفاره كطورنجي في ورشتنا،وكانِ يأخذُ في الجمعة (جمعية) خمسين ليرة بالإضافةِ إلى وجبةِ غداء هي عبارة عن صندويشة قد تكون فلافل أو عجّة أو لحم بعجين، ويحقُّ له أن يشربَ كازوزة أو كأس لبن، وكلَّما زادتْ أيام الخدمة ازدادت (جمعيّة) أبو علي، فبعدَ خمس سنوات مثلاً أصبحت600 ليرة، ثم التحق بالخدمةِ العسكرية واستغلَّ كلّ إجازاته القصيرة والطويلة في العملِ مقابلَ تقاضي مصروفهِ أثناءَ خدمةِ العلم، عملَ أبو علي13سنة في ورشتنا، وخلالَ هذه الفترة،كانت الشاشةُ التي يشاهدُ أبو علي من خلالها العالم هي ورشتنا وبيتنا، فتعلّمَ منها فنونَ الحدادة والطورنو، وكان يعرفُ آخر صيحاتِ الموضة من خلالِ ما يلبسهُأخي يوسف، أما فنون الطبخِفمن الشّيف أختي التي أصبحتْ زوجته.

أُعجب أبو علي بأساليبِ حياةِإخوتي، فتبنَّاها وحافظَ على علاقته الأسريّة مع هذه العائلة التي تربَّى عندها، ليس لأبو علي أصدقاء لذلك كان ينتظرُ عطلةَ يومِ الجمعة ليزورنا، لم يتخلَّف جمعةً واحدةً عن المجيء،وكان يستلم أمّي عادةً ويحكي لها إما عن العمل أو حكايةً ممِّلةً تنتهي بحكمةٍ مفروغ من أمرها مثل:”الدم ما يصير مَيْ”.

تعلَّم أبو علي من أخي يوسف عادةَ الاستماعِ إلى الأغاني العراقية فاشترى كلّ كاسيتات أغاني تلك المرحلة، وظلَّ يُكرر سماعها إلى يومنا هذا، ولا يقبل أي تجديدٍ أو تحديثٍ على مجموعته الموسيقية، كل ما لا يعرفه أبو علي بنظره غير مهم ولا داعٍ له.

كان يشتري ويرتدي الملابس الجميلة والأنيقة فقط ليلبسها عندما يزورنا، غيّر فرش بيته تحسباً لزيارةٍ مباغتةٍ مِنّا، وعندما كان ينتظر زيارتنا كان يُحضّر المسجِّلة والكاسيت ليضغطَ على زرِّ التشغيل فورَ سماعِه أصواتَ أقدامنا على الدرج، لم يكن أبو علي يشرب الكحول، لكنه يضعُ البيرة دائماً في البراد في فصلِ الصيف للفت انتباهنا.

لم يتوقف اكتساب الخبرة عند أبو علي، من منبعهِ الذي هو نحن، على أيام الورشة، فقد كان حريصاُ على تتبع كلّ التحديثات في تفاصيل الحياة، ففي أيام العيدِ مثلاً كان أبو علي ينتظرنا أن نشتري حلويات العيد، ويطلب من أختي أن تتصلَ وتعرفَ بحيلةٍ وذكاء عن نوعية حلوياتنا ومستواها فيشتري أبو علي أغلى منها بقليل، وعندما قمنا بتركيب المكيِّف في غرفةِ الجلوس استطاعَ أبو علي من خلال جهاز استخباراته المحترف أن يعرفَ استطاعة وقدرة المكيّف وماركته، واشترى مكيّفاً من نفسِ الماركة وباستطاعةٍ أكبر، عِلماً أن غرفة الجلوس في بيته أصغر من صالوننا.

يهتم أبو علي بتفاصيل يومه بدقَّة واعتناء، ساعات عمله، وقت القيلولة، وقت الغداء، هندامه، حتى عندما يعود إلى البيت لا يجلس إلاَّ في غرفةِ الضّيوف وإن خلت من الضيوف، ولا يتحرك إلا بتاكسي. يمتازُ أبو علي بنظافة عمله، كل شيئ في ورشته مرتَّب ومنظم، حتى اللباس موحَّد، لديه طاقمٌ من العمال يترأسهم أخوه الأصغر منه، لا يعمل أبو علي بيديه إنما يُشرف على العمل ولا يتدخل إلاّ عندما يستعصي أمرٌما،وأحياناً أخرى يتدخل ترفاً، وعندما يُخطئ في العمل يؤنِّب العامل الصغير الذي يقف عادةًإلى جانبه بانضباط مُستعداً للأوامر حاملاً بيده كلَّ المعدات المتوقعة، فبمجرد أن تعصلَج شيئٌ ما في يد أبو علي، أكلَ الصبيُّ كفاً وبعض المسبات.

أبو علي لديه أربعة صبيان، لا يعرف عنهم شيئاً سوى أسماءهم، ويميِّزهم من أشكالهم المختلفة ويوزِّع عليهم الأوامر حسبَ أحجامهم، فمثلاً كلَّما اشتهى الحمّص، علماً أنه يشتهي الحمّص كل يوم، أرسلَ الابن الأكبر حجماً لأن الطريق إلى مطعم الفول والحمُّص بعيدة، أما عندما يريد كازوزة من الدكان المجاورة لبيته فتكثر هنا الخيارات، ويختار عادةً المُتاح والأقرب من أبنائه، لا يعرف عنهم أي صفة، ولا يتابع أعمارهم، أو دراستهم أوهواياتهم، بالنسبة له هم أبناؤه فقط.

كان يحزُّ في نفس أبو علي أنه ليس مثقفاً كإخوتي وأن المواضيع التي يتحدثون فيها لا يعرف هو عنها شيئاً، فاضطر أبو علي لشراء صندوق المعلومات، وهو عبارة عن ورق كورق الشدة فيه أسئلة وأجوبة عن معلومات عامة مثل: من اخترع الطيارة؟ ما هي أعلى قمة جبل في العالم؟!.

واظبَ أبو علي على المطالعة والقراءة كل يومٍ بعد عودته من العمل، وكان حريصاً على متابعة وشراء كل نسخة جديدة من صندوق المعلومات، وكان يتململ أحياناً من تكرار بعض الأسئلة بين نسخة وأخرى. عرف أبو علي من فتح الأندلس، ومن اخترع المصباح الكهربائي وعدد عظام جسم الإنسان، وكان يناقشُ بهذه المعلومات أحيانا عمَّال ورشته، فمرَّة كان يُخبر أحدهم أن الأرض تدور ويرد العامل عليه:”يا معلم شلون تدور، لو تدور كنا صرنا بالطرف التاني”، فيتركه أبو علي غاضباً ويأتي لورشتنا يشتكي ويقول:”يا أخي نحنا مو مكانّا هين بين العمال والجهلة، شعب متخلف لسا ما يعرف أنو الأرض تدور!”.

صار أبو علي يتجرأ على مشاركة إخوتي في نقاشاتهم، فعندما يتحدثون عن مانديلا وجنوب أفريقية يقطع أبو علي الحديث متدخِّلاً: “أصلاً الكولا أصلها من شجرة أفريقية”، وبينما كنَّا مرَّة نتحدث عن الجمال وكان أخي يوسف يقول أن الجمال ليس له علاقة بالجغرافية والقومية والعرق، فلا يمكن أن تقول أن الإيطاليات مثلاً جميلات، استغل أبو علي أول لحظة صمت ليدلي بمعلومته حول إيطاليا: “على فكرة الشوارع في مدينة البندقية هي عبارة عن أنهار”، وانفرد مرَّة بأختي ليحدِّثها عن معلومته المفضلة الطويلة الوحيدة التي كان شرحها مرفقاً معها في صندوق المعلومات، “فاطمة، تعرفين منين جت لعبة كرة القدم؟ الطابة يعني” وبينما يشرح لها القصة عليها أن تبقي نظرها موجهاًإليه وإذا رفّت عينها يميناً أو شمالاً يقطع حديثه قائلا “فاطمة، دحجي عليّ” ويتابع.

وصلت ثقة أبو علي بنفسه حدَّاً اقتنع فيه أنه معلم في كل شيء وفي كل مكان، حدثت مرة بينه وبين أخيه مشكلة وقرر ترك الورشة والذهاب للعمل في لبنان، فهو معلِّم ويستطيع دائماً أن يبدأ من جديد، تدخَّلنا في إقناعه لحل الخلاف وتقريب وجهات النظر علَّه يعزف عن قراره، لكنه أصرَّ على رأيه وذهب إلى لبنان.

لم يكن أبو علي هناك سوى عامل سوري في لبنان، تعرَّف على البحر الأبيض المتوسط، لكنه تفاجئ أن لونه أزرق، رأى لافتاتٍ كُتب عليها شكراً حمد، شرِبَ الكازوز في شارع الحمرا، ولبس البيجاما على شاطئ الروشة.

لم يقرأ أبو علي في صندوق المعلومات عن الطبقية، ولم يعرف ما هو الفرق بين الشيوعي والشيعي، كتبوا له في صندوق المعلومات عن اتفاقية سايكس بيكو لكنهم لم يحكوا له عن اتفاقية الطائف،أخبروه عن العوامل المشتركة بين البلدان العربية، عن اللُّغة، عن التاريخ المشترك، الأهداف والآمال المشتركة، لكنهم لم يخبروه ماذا يعني أن تكون عاملاً سورياً في لبنان.

لم يُطل أبو علي الغياب، أسبوعٌ واحدٌ وعاد لأخيه وإلينا طالباً الصلح.

34

برومو الشهيد ناجي الجرف