رحى

الليرة السورية من الولادة إلى الطعن في الخاصرة

-حلقة /1/-

د. عبد الفراتي

لا يمكن الحديث عن حاضر الليرة السورية المؤلم، دون الخوض في تفاصيل ولادتها المؤلمة، وإذا كانت الولادة عادةً تبدأ بنزيف الدم، فإن ولادةً منالخاصرة كتلك التي جاءت بالليرة السورية قد تبدأ بالدم وتعيش به وتنتهي إليه، ولا سبيل في تتبع تلك الولادة سوى العودة تاريخياً إلى المخاض الأول.

فهاكم سرداً تاريخياً موجزاً يعود بنا إلى”زمن البرغوث”!!

في أواخر القرن الثامن عشرالميلادي وفي ظلّ سيطرة الامبراطورية العثمانية على المنطق، كانت سوريا جزءاً منها، فتبعت طبيعياً السلطة النقدية في الآستانة، فأُنشِأ في سوريا المصرف الامبراطوري العثماني في منتصف القرن الثامن عشر، وأخذ على عاتقه الحق الحصري في إصدار النقد المتداول في سوريا والتحكّم في سائرالحياة النقديّة والمصرفيّة فيها، حتى فترة الانتداب الفرنسي على البلاد في العام 1925م، وخلال هذه الحقبة الممتدة نحو نصف قرن، عرفت الحياة المصرفية السوريّة افتتاح بعض المصارف الغربية داخل سوريا، فافتُتح مصرف سالونيك عام1988، والمصرف الألماني الفلسطيني عام1889،والمصرف الإنكليزي الفلسطيني عام1903، والمصرف الألماني الشرقي عام1906، ومصرف روما1919، ومصرف سوريا التّابع للمصرف الامبراطوري العثماني في نفس العام والذي أصبح بعد الانتداب الفرنسي مصرف سوريا ولبنان. كما شهدت الحياة المصرفية في سوريا بروز بعض البراعم المحلية لمهنة الصرافة، متمثّلة في شركات صرافة محلية وطنيّة، كمصارف (مرقدة وسارة) في دمشق، ومصارف (الأسود وصفرا)في حلب.

خلال هذه الفترة كان الإصدار النقدي لهذه المصارف يستند إلى نظام التغطية الذهبي، كما استمر التعامل بالعملات المعدنية المصكوكة بالذهب والفضة، وفي بداية الانتداب الفرنسي تمت طباعة ليرة سورية مرتبطة بالفرنك الفرنسي لمساعدة الفرنك بالخروج من أزمة هبوطه بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك بإيجاد أسواق تصريفٍ له خارج الحدود الفرنسية على امتداد المستعمرات في الشرق، وقد كان سعرالصرف وقتها(1ليرة سورية=20فرنك فرنسي)، وأعيد سحب جزء من هذا الإصدار في مرحلةٍ لاحقة نظراً لاضطراباتٍ نقدية أحدثها في السوق السورية، وخلال هذه الفترة كان للانتداب وجه اقتصادي لا يقلّ بشاعةً ولا استغلالاً عن ذاك الوجه العسكري الذي صبغ البلاد، فقد كانت اللّيرة السورية ضحية اتفاقيات خارجية لامصلحة ولادخل لها فيها،فقد أدى التحالف الذي ربط الجنرال ديجول بالإنكليز، في الحرب العالمية الثانية إلى ربط الليرة السورية بالجنيه الإسترليني في اتفاقية عام1944، ثم نُقضت هذه الاتفاقية وأُعيد ربط الليرة السورية بالفرنك الفرنسي المتهاوي، وقد شكّلت هذه المعضلة إحدى أعقد وأكثر المشاكل تشابكاً وجدلاً في معاهدة الجلاء الفرنسي عن سوريا، نظراً لتشابك الليرة اللبنانية معها، وقد شهدت الليرة السورية في هذه المرحلة ظهور أسعار الصرف المتعددة لأول مرة في تاريخيها فكانت على النحو التالي:

السعر الرسمي الحكومي(1دولار=2،2ليرة سورية)،وسعر حرّ للاستيراد والتصدير(1دولار=3،65ليرة سورية)، وسعر مزدوج فئة-أ-للنشاط غير المتعلق بالتصدير(1 دولار=3،48ليرةسورية)،

وسعر مزدوج فئة-ب- للشركات النفطية العاملة، أوذات المصالح في سوريا(1 دولار=2،5ليرة سورية)

للمتأمل طبعاً أن يحس بغصة واضحة وهو يتألم، كيف كانت الليرة وأين أصبحت!! فلنتابع..

في العام1953تم تشكيل مجلس النّقد والتسليف الذي تولى مهمة إصدار الليرة السورية الجديدة، وفي العام 1956تم إحداث مصرف سورية المركزي، لتولد أول ليرة سورية تحمل اسم المصرف في العام1957، وصولاً إلى الستينيات التي عرفت بداية الخنجر الطويل، الذي بدأ نصله بالانغراس في خاصرة الليرة السورية.

كانت بداية النّصل تلمع في استراتيجية التأميم إبّان الوحدة مع مصر، فقد جُيِّرت للإقليم الجنوبي من الجمهورية المتّحدة كلّ المميزات والتفضيلات النقديّة على حساب الإقليم الشمالي، وأُعيد ترتيب الحياة المصرفيّة في سوريا، على مقاس مصر بسلسلة من قوانين التعريب المصرفي، فحدَّ ذلك كثيراً من سلطات المصرف المركزي السوري وأفرغها من مضمونها، وازدادت محنة الليرة السورية بالتقييدات والعراقيل التي وضعَتْها سياسة الجمهورية المتحدة في سعر صرف الليرة وارتباطها بالجنيه المصري،واستمرت تلك الحقبة المتقلبة نقديّاً في التحكم بمصير الليرة السورية والاقتصاد السوري آخذة الوضع إلى مزيدٍ من التدهور، وصولاً إلى انقلاب8 آذار عام1963 ووصول البعث إلى السلطة، وحتى ذلك الحين كان الاقتصاد السوري يرتكز منذ الاستقلال عن فرنسا على الاقتصاد الحر، أو ما يمكن اعتباره ضمن النموذج الرأسمالي للاقتصاديات الناشئة،وباعتماده على الزراعة خاصةًمحصولي القطن والقمح، ولذا فقد طُبع الاقتصاد القومي بطابع الاقتصاد المعيشي،وكانت سيطرة البورجوازية واضحة للغاية على معظم مفاصل الاقتصادفي الدولة في ظل الاقتصاد المفتوح، متمثّلة في شريحة كبار التجّار في دمشق وحلب، وكبار الإقطاعيين في الجزيرة السورية، الذين اعتمد عليهم البعث في تركيز سلطته، إلاّ أن الشمّاعة الاشتراكية التي أتى بها البعث ليبرر استراتيجية التأميم قد أضرّت بالودّ والمصالح التي جمعت البعث وشريحتي التجار وكبار الإقطاعيين، وهو ما برر انزياح رؤوس الأموال إلى لبنان وتركيا في ظل مناخهماالجاذب لرأس المال السوري، فأضعف من جهة أخرى من القوة الشرائيّة لليرة السورية قياساً إلى ما سبق.استمر ذلك الوضع حتى انقلاب حافظ الأسد عام1970ووصوله إلى السلطة، حيث استمر بتعليق الشمّاعة الاشتراكية وعمِلَ على استمالة تجار دمشق وحلب صانعاً منهم بِطانة خفيّة للنظام، وطبقة تتحكم بالدولة من وراء السّتار، وقد استفاد تجّار دمشق وحلب من مميزات كثيرة بسبب قربهم من السلطة،وهو ما يفسّر وقوفهم في صفّ النظام في أحداث الثمانينيات، والثورة السورية دفاعاً عن مكتسباتهم وحفاظاً على امتيازاتهم الحصرية.

شهدت الليرة في فترة السبعينيات انتعاشاً ملموساً عُزيَ بشكلٍ رئيس إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً،خاصة عائدات مرور النفط العراقي، بالإضافة إلى الدعم العربي الذي تلقّته بعد حرب عام1973،واستمر ذلك حتى بداية حقبة الثمانينيات وأحداث حماه التي أودت بالليرة السورية إلى الجحيم.

ساهم المجهود الحربي الذي صُرف في الحرب على الإخوان المسلمين،في إفلاس خزينة الدولة من القَطْع الأجنبي وأدى إلى تدهور سريع ومتصاعد في قيمة صرفها، فتعرّضت لانهيار شديد وصل لنسبة عشرة أضعاف تقريباً من قيمتها قُبيل اندلاع الأحداث،فقد سجّل سعر صرف الليرةالسورية أثناء الأحداث40 ليرة مقابل الدولار بعدما كان الدولار يساوي4،5ليرات قبل الأحداث،وهو ما ساهم في خلق أزمة اقتصادية كبيرة في البلاد تمثّلت في فقدان الليرة لقوّتها الشرائيّة، والنقص الحاد الذي شهدته البلاد،وانتشار لحالة من الرّكود التضخّمي وفقدان الثّقة الاستثمارية، و كذلك عدم توافر معظم السلع الأساسية، ويتذكر البعض ممن شهد تلك المرحلة الطوابير الطويلة للمواطنين، الذين يقفون مطولاً في انتظار تأمين بعض المواد الغذائية الأساسية أمام المؤسسات الاستهلاكية.

هنا يبدو النزف– نزف الليرة السورية من خاصرتها-واضحاً بشكلٍ جليّ وأكثر سفوراً من المرحلة السابقة، ولم يكتف النظام وسط هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة بالتصعيد الحربي وحسب، بل عمدَإلى تعميق هذه الأزمة لصرف النظر عن فظائع حماه بإلهاء الشّعب بقوت يومه، كما لجأ إلى إعادة توزيع الثروة القومية بإفقار الأغنياء من السُّنة وسحب كل الأموال المكدّسة بيد تجارهم المُمْسكين–حتى ذلك الوقت–بأهم المفاصل النقدية والاقتصادية في البلاد، ما ساهم في تفاقم الوضع والمزيد من الانحدار في سعر صرف الليرة السورية، على عكس الطائفة العلوية التي كانت تمتلك مفاصل الأمن والجيش منذ ذلك الوقت، إلا أن نفوذهم بقي في الإطار العسكري والأمني، ولم يخوضوا–حتى مرحلة متأخرة–في المجال الاقتصادي والمالي، وكذلك الحال ينطبق على بقيّة الأقليات كالمسيحيين أو الأكراد وغيرهم.

رغم الاكتشافات المتتالية للحقول النفطيّة في شرق البلاد وتدفّق الملايين من الدولارات جرّاء تصدير النفط، إلا أنّ كل ذلك لم يسهم في إعادة التوازن لليرة السورية المتدهورة، ولا أن يعيد لها جزءاً من قوتها الشرائية، إذ لم تدخل تلك الملايين أساساًلخزينة البنك المركزي ولا حتى موازنة الدولة، كونها”في أيدٍ أمينة”، حيث صُبّت عوائد البترول السوري في جيوب الأسرة الحاكمة ومن يواليها من طبقة التجار، وأولئك المستفيدين من بقاء الوضع على حاله.

استمرت تلك الحال واستمر التدهور في سعر الصّرف وبلغ النزف مستويات قياسية، إلاّأن بداية التسعينات قد شهدت بداية استراتيجية جديدة اختطّها النظام لمواصلة الطعن نقدياً في خاصرة الليرة،والتي عرفت بدايتها بقانون الاستثمار رقم/10/، وقد امتازت هذه المرحلة بظهور وصعود الشركات القابضة للأموال،إلى الواجهة الاقتصادية التي شرعت في جمع المليارات من الليرات وعمّت مختلف جوانب الاقتصاد، إلاّأنها تعرّضت لانهيار مفاجئ بعد عام1994بعد توقّف هذه المشروعات عن العمل وسحب رؤوس أموالها من قِبَل النظام، الذي استطاع من خلال بعض الثغرات ٍالمتعمّدة في هذا القانون من منح المقرّبين منه امتيازات خاصة، وتخصيصهم بالمشاريع الكبرى، منهم من كان من الطائفة العلوية ومن الأسرة الحاكمة بالذات، ك(ذو الهمّة شاليش) الذي كان أحد مرافقي حافظ الأسد وابن شقيقته، وعُرفَ باستثماراته في مجالات البنية التحتيّة وخاصة ما يتعلق منها بالطرق.

يضاف له(آل الأخرس)، وهم من السّنة وقد تزوج بشار من ابنتهم أسماء الأخرس، وقد عرف عن العائلة نفوذهم وسيطرتهم في مجال الطرق رغم تأميم الشركة عام1963، والتي أصبحت شركة وطنية أُطلق عليها اسم(رودكو)، إلا أنّ ذلك لم يغيّر من الأمر شيئاً واستمرت استراتيجية النظام على حالها،فقد استمر(ذو الهمّة)بالسيطرة على كافة الاستثمارات الكبرى في مجال الطرق والبنية التحتية بصفة عامة.

ذلك كان مثالاً بسيطاً عن استراتيجية كاملة اختطّها النظام خلال حقبة التسعينيات، والتي لم يشفع لها تدفّق المساعدات الأجنبية والخليجية في إعادة إحياء الليرة السورية بعد عوائد حرب الخليج، واستمرت الخاصرة بالنزف، حتى بداية عقد الألفيّة الجديدة حيث بدأت استراتيجية جديدة بعد وصول بشار للسلطة،والتي سنفرد لها حلقة تالية.

يتبع..

36 37

برومو الشهيد ناجي الجرف