خميرة

مغامرة كادت تودي بطاقم فيلم فاز بجوائز عالميّة

عارف حمزة
—————

يعتبر مهرجان صندانس، الذي يُقام كل عام في مدينة يوتا الأمريكيّة، من أبرز مهرجانات السينما في العالم، وهو المهرجان الذي يعرض فيه العرض الأوّل لأيّ فيلم حرّ من أمريكا وباقي دول العالم، وقد أسّسه الممثل الأمريكي الشهير روبرت ريد فورد، وقد انطلق هذا العام كعادته في 16 كانون الثاني وانتهت فعالياته في السادس والعشرين منه. المهرجان الذي شهد مشاركة المخرج السينمائيّ الكبير ستيفن سبيلبيرغ بعرض فيلمه الجديد “يونج ونس”، وشهد مشاركة الممثّل العالميّ روبرت دي نيرو بفيلم وثائقيّ تكريماً لوالده الذي دفعه للعمل كممثل ومخرج، سيفوزبجائزته الكبرى فيلم “العودة إلى حمص” للمخرج السوريّ طلال ديركي كأفضل فيلم تسجيليّ كمفاجأة كبرى.

لم تكن هذه هي الجائزة الوحيدة التي سيحصل عليها هذا الفيلم، الذي سيعتبر علامةً فارقة في صناعة السينما السوريّة الجديدة، فخلال الشهرين الماضيين سيزور الفيلم مهرجانات عديدة كي يُعطي الدهشة والألم والإبداع للجمهور، في طريقه لحصد الجوائز المتميّزة فيها. فالفيلم سيحصل على الجائزة الكبرى في مهرجان سينما حقوق الإنسان في باريس هذا العام، إضافةً لجائزة طلاب المدارس الثانويّة والمهنيّة هناك. وفي 14/3/2014 سيحصد الجائزة الكبرى في مهرجان سينما حقوق الإنسان في جنيف، وقبلها سيحصل على جائزة أفضل فيلم صاعد في مهرجان “فل فريم” في الولايات المتحدة الأمريكيّة. وفي سلوفينيا سيفوز بالجائزة الكبرى لمهرجان سلوفينيا الدولي.

ما قد لا يُفكّر به الجمهور هو أنّ الفيلم بُني على مغامرةٍ كان من الممكن أن تكون إحدى نتائجها عدم مشاهدة هذا الفيلم نهائيّاً. لذلك علينا القول ابتداءاً أنّ طريقة تصوير هذا الفيلم لوحدها في حاجةٍ لجوائز تتعلّق بالشجاعة من أجل الإبداع، ولكنّها للأسف غير موجودة في كلّ مهرجانات وجوائز السينما العربيّة والعالميّة، بالإضافة طبعاً لما يحويه الفيلم؛ فطاقم هذا الفيلم يُغامر بتصوير أحداث الثورة والحصار والدمار في المناطق الثائرة من مدينة حمص السوريّة على أرض الواقع مباشرة؛ إذ لم يعتمدوا على أيّة وثيقةٍ بصريّة من غير عيون كاميراتهم المحمومة، وهذه مغامرةٌ كبيرة قد تكون نتيجها عدم مشاهدة الفيلم لو تعرّض المصوّرون الأربعة للموت، خاصّة وأنّ أحد المصوّرين الأربعة كان مخرج الفيلم نفسه، ومؤلّفه.

تشبه مغامرة المصوّرين الأربعة هذه مهمّة المقاتلين العشرين الذين كوّنوا مع الشاب “عبد الباسط ساروت” كتيبة شهداء البيّاضة، فخلال تصوير أحداث الفيلم يموت أكثر من نصف أولئك “الممثّلين” المقاتلين، الذين نشاهد موتهم مباشرة خلال التصوير، وهذا الموت كان من الممكن أن يطال طاقم الفيلم نفسه؛ مع انهمار الصواريخ والقذائف على المكان، ومع انهيار الأبنية تباعاً. خاصّةً إذا عرفنا أن الفيلم، الذي مدّته ساعة ونصف، قد استغرق تصويره ما يُقارب الثلاث سنوات تحت الخطر.

سيُصاب “أسامة” بشظايا صاروخ دمّر منزل عائلته بالكامل. أسامة الذي كان أحد المصوّرين الأربعة كاد يفقد حياته في لحظةٍ واحدة، وبقي لأسابيع مرتعباً من فقد أصابع يده بعد أن نجا، واستطاع أخيراً المشي على قدميه، والذهاب إلى بيت العائلة ليجد كوبين فقط قد نجيا من كلّ البيت.

حادثة إصابة أسامة وأخذه لإجراء الإسعافات الجراحيّة الطبيّة له ستكون مشهداً من مشاهد الفيلم نفسه، وهذه لفتة ذكيّة من المخرج في تصوير زميلٍ له كأحد المقاتلين، ولو بالكاميرا، في معارك فكّ الحصار عن مدينة حمص.

في مشهدٍ آخر سيكون علينا أن نسمع ضربات قلب أحد المصوّرين الأربعة أثناء محاولة عبوره من بناء إلى آخر، بينما القنّاصون يترصّدون كلّ حركةٍ هناك. الكاميرا تهتزّ في يده بسبب الركض السريع والتنفس السريع والخوف الكبير. في تلك اللحظة كان من الممكن أن تسقط الكاميرا على الأرض، وتدوم لحظة تصوير حفرةٍ صغيرةٍ في الشارع، قد تمتلئ بعد دقائق بدم المصوّر “قحطان حسّون”. ولكنّ قحطان سينجو أيضاً لحسن حظّه وحظّنا.

قحطان سينجو في مشهدٍ آخر لم ينجُ منه الكثير من المقاتلين الذين تمّ تصويرهم في تلك اللقطة المخيفة. اللقطة تبدأ برمي “الساروت” لقنبلةٍ يدويّة من خلف جدارٍ على أحد المقرّات الخاصّة بجيش النظام السوريّ، فتنفتح في تلك اللحظة كلّ فوّهات الجحيم على ذلك الجدار الذي كان خلفه أولئك الشبّان المقاتلون. سيرى المشاهدون مقاتلاً ينقلب على ظهره بعد إصابته برصاصةٍ في الرأس. ومقاتلاً آخر سيتلقّى رصاصتين في ساقه، وآخران سيُصابان في الصدر، والساروت نفسه سيتلقى رصاصة في قدمه. وسنسمع الأنين المتواصل والصرخات الآدميّة الحقيقية، وسيعلو بخارٌ خفيف لدم حقيقيّ وحار، بينما الملائكة ستبقى تحرس قحطان الذي لم يهرب؛ بل بقي يصوّر كلّ شيء مقاتلاً بسلاحه الخفيف وهو الكاميرا.

الفيلم الذي يصوّر حصار حمص لثلاث سنوات في ساعةٍ ونصف، يشعر فيه المشاهد بأنّه أحد الذين من الممكن أن يُصابوا في أيّ مشهد من مشاهد الفيلم، وهو يُعتبر من الأفلام التي من الممكن مشاهدة السينما من خلاله، ويعتبر بدايةً قويّة للسينما السوريّة الجديدة نحو العالميّة.

يستحق فيلم “العودة إلى حمص” هذه الجوائزة الكبيرة، هو الفيلم المتكامل لدرجة ما عن قطعةٍ صغيرة من سوريّة المدمّرة، استطعنا مشاهدته كمتفرجين، بينما الذين كانوا هناك، وعاشوا هناك تلك اللحظات، ومثّلوا الفيلم من دون تلقين، لن يشاهدوه بعد الآن.

——————————

بطاقة الفيلم :
العودة إلى حمص – فيلم تسجيلي للمخرج السوريّ طلال ديركي .
شارك في التصوير: قحطان حسون وعروة نيربية وأسامة الحمصي وطلال ديركي.
مونتاج آنا فبيني. وهي مونتيرة عالميّة معروفة.
أنتج الفيلم عروة نيربية، المنتج السوري والشريك المؤسس في مهرجان أيام سينما الواقع “دوكس بوكس”، الحائز على جوائز عديدة منها “قلب سراييفو”، و”جائزة “شبكة التسجيلي الأوروبي”.
وشارك في الإنتاج المنتج الألماني المعروف هانز روبرت آيزنهاور، بالاضافة إلى قناة “إس دبليو آر” الألمانية وقناة “آ آر تي” الفرنسية الألمانيّة، والتلفزيونات الوطنيّة لكلّ من السويد واليابان.

42

برومو الشهيد ناجي الجرف