خميرة

على هامش التغريبة الرقاويّة

نص أدبي

يوسف بوزو


حيدر..بُنَي: حالَ وصولي الى الرقةِ وجدتُهُ، قلم التغريبة! كان شاحباً وعطشاً، لقد سمعتُ أنينهُ فبكيتُ وامتزجَ حبرُ قلم التغريبةِ مع ما فاضَ من الدمعِ، مقدمة القصيدةِ لأولِ الفصولِ..

في الرقة:يكتبُ الليلُ أبجديةَ الغسقِ، ملوحاً لظلِّ القمرِ ذاك وهو يتهادى على تلالِ البشري، حيثُ أحلامه الداشرات يغفينَ في صمت فخار حيطانها،ويحملنَ آخرَ الليلِ ما انسلَّ منها من أنينٍ وبوحٍ كادَ يذبحُ القلبَ!

في الرقة:ينامُ الحمامُ متأخّراً بما أودعَ أعشاشَهُ من هديلٍ، وما تركَ من خيالاتِ أجنحتهِ على جذوعِ الغَرَبِ، وما طالَ انتظارُ زاجلهِ في الوصولِ لنافذتِها، وما عادَ محمَّلاً بالغيبِ والسرِّ والبوحِ، وما يبّستْ شمسُ الضحى قشَ أعشاشهِ والحطب.للندى أنْ يبللَ الروحَ ما فتّحَ وردهُ وللطلِّ أنْ يمنحَ ذاك الحطب حنانَ الرطوبةِ ورأفة الأبوّةِ.

صاحتْ الأعشاشُ:صفّقتْ أجنحةُ الأمومةِ وعلا ظلُّها، قلبي أوسعَ منْ خيمةِ الغيمِ!بكى الحمامُ!

في الرقة:تتجلّى ألوانُ اللهِ على خدِّ النهرِ رقرقةَ روحٍ وتلويحات ِصفصافٍ أخضرٍ، وتمايلَ مآذن بثّتْ بوحَها الشفيفَ بحنجرةِ عاشقٍ!

صاحَ الشيخُ المتصوّفُ ممزقاً ثيابَهُ” شاقاً هدومه”:لقد ذابَ الحجرُ!

إلهي..إلهي.. خذني إليكَ لقد ضوى جسدي، وهدَّني الوجدُ، وروحي لمّا تزلْ تركضُ في براريها خلفَ أخضرِ عينيها، وما خطَّ الأفقُ شالاً للضحى، لوّحتْ به أشجارُها الحبّ!

إلهي.. إلهي.. الواحدُ الصمدُ الجبّارُ القهّارُ..المتعالي..

ليتها ذابتْ-روحي- بفراتهِ العذب وشرّقتْ نحو وجهكَ!

ركضَ المريدُ ممزقاً ثيابَهٌ أيضاً وخاضَ في النهر صارخاً:

إلهي.. إلهي.. لقد ذُبْتُ ولهاً وهمتُ.. وها أنا أشرّقُ برقرقتهِ نحوكَ يا وارف الظلِّ أرخِ بظلّكَ فوقَ روحي..

سبحانكَ… ما أجملكَ!!

في الرقة: ينامُ الحجرُ بصمتهِ الثقيل آخذاً برودةَ الأرضِ، مخبّئاً سرَّ فخارها الحنون، حيطانها الموجوعة من همسِ موت البارحة!

في الرقة: يركضُ النهارُ فالتاً ضحاهُ في براري الروحِ دفتراً أخضراً، وصدرَ عشبٍلاحقاً ما تبقّى من غيمةِ المساءِ الوحيدة!

في الرقة: تنسجُ الأرضُ سجادةَ عشبها، وتتركُ ما تبقى من الألوانِ على دفترِ الصومِ حينَ تبدأُ تهجدَها الأخيرَ قافلةً سطورَ الليلِ في انتظارِ الشفق!

في الرقة: تلوّحُ “هلالة” و”وردة” و”زلخة” و”هدلة” و”حربة” و”وجرة” و”فاتي” و”حدبة” و”شمسة” والحرائر الماجدات.

و.. ما تركَ القمرُ من أسماءٍ على جذعِ شجرةِ التوتِ لتنامَ ليلَها الطويلَ في ليلِ الرقةِ قصةً أخرى عن النخوةِ و”الشيمة”

في الرقة: يسمعُ الحصى خريرَ ورقرقة النهرِ فيدفن همسَهُ البارد وسادةً لسريرهِ وهو يكتبُ صمتَ الأبدِ، ثمّ يمحو السطورَ الأخيرةَ من المراثي تاركاً قُبلةَ الغيمةِ صدرَ النهارِ!

في الرقة: تركضُ الماعزُ بصوفِها الأسود صاعدةً دروبَ اللهِ إلى تلالِ البشري لتلتفتَ إلى خدِّ النهرِ قارئةً بثغائها قصيدةَ العاشقِ المجنونِ وهي تتمايلٌ ظلّاً على الروحِ وآخرَ على أشجارِ الغربِ. وحليبُها لمّا يزلْ أبيضَ اللونِ كقلبِ العاشقةِ وهو يطيرُ محلّقاً في بَعيدِ البراري!

لله ما أودعَ من أسرارٍ في أضعفِ خلقهِ، ولسرّةِ الأرضِ بياضُ حليبها حين تلوّح له بشالها الأزرق آخذةً روحه لذاكَ الزراقِ الحالمِ البعيدِ!

في الرقة:لا ظلَّ لأجنحةِ العصافيرِ إلاّ وجهها، وما ارتمى من مناقيرِها الصغيرةِ من بوحٍ شفيفٍ، ومنْ زقزقةِ ذاكَ الصباح وهو يعتلي سدّةَ الشفقِ!

للطيورِ أنْ تغني مراثي الرجال على أبوابِ مساجدها،ولصقرِ قريشٍ أنْ يأخذَ طاسةً من ماءِ النهرِ إلى المحيطِ البعيدِ فيحلو.

لله آياتهز.. ومن سورة “الرحمن” ألفها ولامها وراؤها وحاؤها وميمها ونونها، يا بديع الله!يا نور السموات والأرض!باسمك اللهم، والماء يجري بين يديها فاتحةً لفصولِ الحبِ والحياةِ!

متلمّساً سرّةَ الأرضِ دافناً كينونة المجدِ وملاحم الغابرين!

في الرقة:ينامُ الظلُّ تحتَ عريشةِ الدارِ متمدداً كي يسمعَ همسَها الأخيرَ وما باحتْ به عصافيرُ الصباحِ زقزقةً وإشراقاً.للموليّا أنْ تبدأَ مواويلها وللنايل والسويحلي واللّقاحي والمعنّى وما صدحتْ به حنجرةُ حسين الحسن”:مِنَّكْ زغيّرْ زهَري وِشْلون لو فزّيتْ؟بسمارْ جوّا الضلعْ يا حليو لي عنّيتْ”

صاحَ النهارُرامياً بألوانِ الضحى على حبلِ غسيلِ “الحوش”، البهاءُ الجميلُ لألوانِ ملابسهم، ولهباريها “وردة الموصل”، وما “هَفْهَفَ” من حنانٍ، وما شفَّ من حبٍّ!

للقهوةِ طعمٌ آخر في الرقةِ الوضّاحةِ، ولوجهِ الفنجانِ ما شفَّ ولاحَ من خيالاتِها التي أخذتْ روحَ العاشقِ إلى دربِها، وما لوّحتْ له منْ ذاكَ الزراقِ الحالمِ..أحبُّها، همسَ العاشقُ وبكى!

في الرقة:يتطاولُ النهارُ والليلُ سباقاً إلى السماءِ العاشرةِ، ولا فاصلَ إلاّ الدمعَ وهو يفيضُ جارحاً طارفَ الخدِّ أسىً، والوساداتُ اللواتي ابتللْنَ هوىً ودمعاً.

يا بهاءَ الغيمِ وهو يخيّمُ على صدرِ النهرِ أطلالَ القصيدةِ الأولى وما نثرهُ اللهُ من وردٍ وما فاحَ من زيزفونٍ.

يا بهاءَ رقرقتِهِ وهو يأخذُ سرَّ الحروفِ مطلعاً لبوحِ القمرِ.

يا بهاءها، يا ألوانَ اللهِ الداشرةِ في براري الروحِ، وهي تكتبُ اسمَها لعلّ الغيومَ الراكضاتِ يمطرْنَ ما يشتهي العاشقُ منْ عينيها!

يا لسواد كحلِها، وما لفَّ حيطانَها منْ حزنٍ وما باتَ دمعُهُ الفياضُ، شرفةً لبدءِ ذاكَ النهارِ وهو يعتلي صهوةِ الغبشةِ التي دَنَتْ بين يديها!صاحَ المدى..

الفاتحاتُ دروبَ الخيلِ، الطالعاتُ سلاماً، النادباتُ سعفَ النخلِ، الكاظماتُ الغيظ، الباكياتُ على الورى، الجارحاتُ خدودَ الوردِ، الدامعات ندىً، رقرقَ النهرُ،

ثم أكملَ همسَهُ معَ قمر الرقةِ المحدوبِ:

..والموريات وعلى ظهورِ الخيلِ،وما فتَّحَ نهاره وما ابتلَّ من حيطانِ الحارةِ وما ركضتْ عليه من رسومٍ وأحلامٍ،بكى القمر:

سأدفن قلبي “وداعة الله” تحتَ طميها الثقيلِ،وأفلتُ ظلّي ميّالاً بين راحتيها، حتى توقفَ الأرضُ دورانها، إنها تطحنُ روحي شفقاً وغسقاً..

وسأرمي بروحي إليها حتى يباتَ الحمامُ في أعشاشهِ آمناً من البارودِ، ومحلِّقاً صباحَ يومهِ الجديد، تباركَ الرحمن.

وما تبقّى لي من ماءِ وضوءِ قدميها، سأغسلُ وجهي بهِ غبشةً حين تصيرُ راحتيَّ مرايا لخدِّها والأفول!!

في الرقة:تنامُ الهمزةُ فوقَ ألفِ الحبِّ فاتحةً قلب الضحى، فيشتعلُ النهارُ في خفقانِ لهيبها وتتطايرُ فراشات روحها مقدمةً لأولِ الربيعِ!
الرقة-أول الربيع-

وقد صفّقَ السنونو بأجنحته

2-3-2014

43

برومو الشهيد ناجي الجرف