خميرة

إعادة إصدار كتبه باللغة العربية منهج ستانيسلافسكي ضرورة إبداعية..

علي سفر

استعادة ستانيسلافسكي، هي العبارة الأولى التي تطرأ على الذهن حين نرى الكتابين الذين أصدرتهما وزارة الثقافة السورية العام الماضي لعبقري المسرح الروسي الأشهر، الأول هو طبعة جديدة من الكتاب الفائق الأهمية، الذي يحمل عنوان “إعداد الدور المسرحي”، والذي قام بترجمته المسرحي السوري الراحل شريف شاكر، وقد صدر في العام 1983، (1) أما الكتاب الثاني فهو ترجمة جديدة لمذكرات ستانيسلافسكي، التي تحمل عنوان “حياتي في الفن”، قام بها الدكتور نديم معلا محمد (2)، مقدماً فيها ما يمكن اعتباره النسخة الكاملة من المذكرات، بعد أن قيل الكثير عن الترجمة السابقة والتي قدمها المسرحي المصري الراحل دريني خشبة منذ أكثر من نصف قرن.

ولكن لماذا تتم استعادة ستانيسلافسكي عربياً بعد مرور كل هذه السنوات على رحيله، وعلى ظهور الطبعات العربية الأولى لكتبه؟

سؤال يستحق التوقف عنده من الناحية الإجرائية، ويمكن أن تعاد صياغته من الناحية الإبداعية ليصبح مشروع بحثٍ حاول العديدون أن يقدموا تصوراتهم عنه على الساحة العربية، وهنا نحن نتذكر تلك الأبحاث التي قدمها كل من المسرحيين السوريين الراحلين؛ شريف شاكر الذي قدم لنا كتاباً مهماً في العام 1981هو “واقعية ستانيسلافسكي في النظرية والتطبيق”، وفواز الساجر الذي كتب باللغة الروسية بحثه الأكاديمي “ستانيسلافسكي والمسرح العربي”.

بالإضافة إلى أبحاث أخرى قدمها المسرحيون العربي طيلة عقودٍ من الزمن، كانت تحاول تقديم منهج ستانيسلافسكي إلى الممثل العربي الباحث عن المعرفة، إن كان في المعاهد الأكاديمية، أو على خشبات المسارح.

ربما لا نستطيع ونحن نحاول الإجابة على السؤال أن نعزل الفضاء المسرحي العربي عما يشبهه عالمياً، وضمن هذا السياق يصبح السؤال حول حضور ستانيسلافسكي عربياً هو ذاته عن ديمومة منهجه في المعاهد الأكاديمية على مستوى العالم كله، وفي هذا السياق فإن جملة بريخت الراسخة عن الأمر قد تشكل مدخلاً للحديث عنه حين قال: “تُعتبر تعاليم ستانيسلافسكي ظاهرة تقدمية لأنها تشكل منهجاً” (3).

لقد بات هذا المنهج ضرورة، فأي ممثل ينوي العمل باحترافية لابد له من أن يتعلمه، ودونه أيضاً لا يمكن للمحترفين أن يتعاطوا مع المناهج التالية، والتي انطلقت منه محاولةً تجاوزه.

وهنا وفي طور الانفجار الدرامي الذي تشهده المنطقة العربية، عبر مئات وآلاف الساعات الدرامية التي يتم استهلاكها سنوياً، والتي يتم فيها دخول العشرات من الممثلين سوق العمل، يحق للمهتمين أن يسألوا عما تعلمه هؤلاء، وكذلك أين تعلموا، وأيضاً هل يقدمون أعمالهم بحرفيةٍ مبنيةٍ على منهج ما؟

وقبل كل هذا وبالعودة إلى الأصل وأقصد هنا المسرح، فإن ما يطرحه المتابعون والنقاد يعيد الأسئلة السابقة بشكلٍ أو بآخر، لنرى كيف أن غياب المنهج لم يعد أمراً عابراً يمكن المرور عليه وتجاوزه، في عوالم مهنةٍ يفترض في من يعمل فيها أن يتحلى بأعلى درجات الإتقان والمهنية، خاصةً وأن هذه التفاصيل هي قوام المنافسة بين الممثلين..

هذه الأسئلة وأياً كانت الإجابات التي ستليها، تضعنا في جوهر الفكرة التي يفرضها علينا ستانيسلافسكي، ونحن نستعيد منهجه عبر إعادة طبع كتبه، بعد أن نفذت من المكتبات منذ زمن طويل، وبعد أن اقتصر التعاطي معه على المنصات الأكاديمية، دون أن يرى الكثيرون الفارق بين من يعمل وفق هذا المنهج، وبين من يعمل من خارجه، بسبب حدة التسويق الاستهلاكي للمادة الدرامية.

منهج ستانيسلافسكي هو المنهج الأكمل في تدريب الممثل، فهو المخرج الأول الذي عمل على الأمر (4)، وهو يقوم على ثلاثة مستويات لابد من الغوص فيها كي يستطيع الممثل أن يكون أهلاً لمهنته، وهي: إعداد الممثل، بناء الشخصية، إعداد الدور المسرحي.

لقد واجه الممثل العربي وفي محاولاته السابقة للحصول على النصوص الأصلية، الكثير من المشاق، وذلك بسبب من توفرها بين يديه بلغته أولاً، وبسبب الأخطاء في ترجمة المصطلحات فيما قدم سابقاً، وكذلك بسبب من القراءات التأويلية التي قدمها من حاولوا نقل المنهج إليه، وفي هذا الصدد يقول المخرج السوري الراحل فواز الساجر في محاولته قراءة علاقة الممثل العربي مع نص ستانيسلافسكي: ” إن الفهم الخاطئ لـ “النظام” كان، في كثير من الأحيان، سبباً في نقاش حاد حول جوانبه الإيجابية و”السلبية”. وكان هذا يحدث تارة بسبب الاختلاف الفكري بين المترجم وبين ستانيسلافسكي، ويحدث، تارة أخرى، بسبب التفسير التعسفي لطريقته.” (5).

وطبقاً لهذا فإن أفضل ما يجب فعله تجاه هذه المسألة إنما هو محاولة نقل النص من لغته الأصلية، وعبر مترجمين مختصين قادمين من المعاهد الدرامية، إذ لا يمكن للنقل عبر لغة وسيطة أن يكون محيطاً بكل التفاصيل الدقيقة في المنهج، كما أنه لا يمكن للمترجمين الذين يعملون في النسق الأدبي أو الفلسفي أو غيرهما أن يكونوا على دراية بالوقائع التفصيلية في عمل الممثل على الشخصية والدور، بكل ما يعني ذلك من خطوات ممتلئة بالتفاصيل.

ولهذا فإن توقفنا عند ترجمة المخرج السوري الراحل شريف شاكر لمؤلفات ستانيسلافسكي “إعداد الدور المسرحي” و”إعداد الممثل- الجزء الثاني”، يبدو مهماً ومبرراً، فعمله لا يخرج عن الضرورات السابقة، خاصةً وأنه قد قدم للمكتبة الأكاديمية العربية قبل ذلك كتباً مهمةً قام بنقلها عن اللغة الروسية ككتاب “التكامل الفني في العرض المسرحي” لبوبوف، في العام 1976، وكذلك كتاب “في الفن المسرحي” لفسيفولد مايرخولد بجزئيه، في العام 1979، كما أننا لا ننسى كتابه “واقعية ستانيسلافسكي في النظرية والتطبيق” الذي صدر في عام 1981.

أما كتاب “حياتي في الفن”الذي يقدمه لنا مترجمه د.نديم معلا محمد، لأول مرة من خلال لغته الأصلية، فهو نسخة كاملة غير منقوصة منقولة عن الأصل الروسي، بعد أن ظلت النسخة السابقة التي قدمها دريني خشبة هي الوحيدة المتداولة منذ العام 1959، وقد لاحظنا من خلال المقارنة بين النسختين وجود الكثير من النواقص في نسخة دريني خشبة، الذي قيل أنه كان يقوم بوظيفة محرر فني للمادة المترجمة، ولعل تركيز خشبة على بعض التفاصيل وإهماله لغيرها إنما يعود إلى رغبته في وضع مادة ستانيسلافسكي الإبداعية في يد طالبيها بأسرع وقت، ولو جاء ذلك على حساب تكامل النص ومطابقته للأصل، ولعل هذا الأمر لا يلغي أهمية ما فعله الرجل، والذي يعتبر من رواد عملية النقل المعرفي للفنون المسرحية في المنطقة العربية.

الحاجة إلى منهج ستانيسلافسكي، ليست أمراً قابلاً للنقاش، حتى وإن جاءت الرغبات الشخصية للكثير من المبدعين العرب متجهةً إلى مناهج تالية لمنهجه، كمنهج بريخت، أو فاختانغوف، أو مايرخولد، أو أرتو، أو غروتوفسكي، أو باربا..! ففي كل المناهج أو الأساليب التي قدمها هؤلاء الكثير من منهج ستانيسلافسكي، فهي إن لم تكن مكملة له، فإنما هي تحاول بناء حالة وسيطة بينه وبين تصورات أخرى، وحتى حين تكون في الجهة المقابلة له، فإن وجودها قائم على وجوده.

هوامش:

1- ستانيسلافسكي، كونستانتين، إعداد الدور المسرحي، ترجمة: د. شريف شاكر، ط 2، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة- دمشق، 2011.

2- ستانيسلافسكي، كونستانتين، حياتي في الفن، ترجمة: د.نديم معلا، ط1، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة- دمشق، 2012.

3- سورينا، تمارا، ستانيسلافسكي وبريشت، ترجمة: ضيف الله مراد، منشورات وزارة الثقافة، المعهد العالي للفنون المسرحية، دمشق، 1994، ص 15.

4- الياس، د.ماري- قصاب حسن، د.حنان، المعجم المسرحي، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، بيروت، 1997، ص 9.

5- الساجر، د.فواز، ستانيسلافسكي والمسرح العربي، ترجمة: د. فؤاد المرعي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1994، ص63-64.

44 45

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف