خميرة

عولمة الخراب

سامر القطريب

في عالمٍ مسيّرٍ نحو الفناء، قائمٍ على ركائزَ آنيّةٍ لما نعيشُ وِفقه من مفاهيم، عن الحب، الجمال، السُلطة، الموت، الحياة وحديثاًالثورة!، في هذا العالم يصبحُ القبضُ على اللّحظات الإنسانية العابرة للأزمنة محض التَّمرُّد على الحياة والحذر منها، التعامل مع الأبدي ّفي المجتمع وفي التاريخ وتحطيم قداسته المصنوعة، هي المهمّة الصّعبة، هكذا تقول لوحةٌ تنتظر اكتمال تكوينها بريشةِ الفنان التشكيلي سهيل ذبيان.

في غرفته الصغيرة المكتظَّة بذاكرةِ الحرب في لبنان ورائحة الحرائق في سوريا لوحاتٌ تشدُّك لقراءتها، تفكُّ الضباب عن ذاكرتك وتعبث بعواطفك وهواجسك، الفرق بين فنِّ وآخرَ في زمن التثوير وصناعة الرموز، هو أنَّك لن تخرج هارباً من أمام اللوحة وأنت تنظر للسماء خوفاً من برميل يسقطُ لكي تتعثر برأس تدحرجَ من إحدى المقابر الجماعية في سوريا، ولن ترى شهيداً يُقتلُ مرةً أخرى في اللوحة.

بعيداً عن الوطن، في بيروت مدينة الممكن والمستحيل، وأمام تدافع صورٍ مأساويّة تنقل الموت السوري بسخونته ليحتلَّ الغرفة، يواجه سهيل ذبيان الخراب ومرض البلادة الذي أصاب حواسنا بجمالياتِ اللَّون وفضاءاتِ الفراغ، أدواتٌ بسيطةٌ يبتكرُ منها عالمَه النَّقيض، فحسب قوله:”الفن انعتاق نحو الحرية، والكلام عن الموت بعد حدوثه لايُضيف شيئاً، بل يحوِّل الفنَّ إلى خبرٍ صحفيٍّ رديء، على الفن أن يوضِّح قابلية كلِّ شيءٍ للتغيير”.
فوق المرسم الصغير امرأة غابت ملامحها كما غبتَ أنت، تستفزُّ اللَّوحة رغبتكَ المكبوتة للصراخ، ثمَّة امرأةٌ في مكان ما تخرجُ من بينِ عروشِ الرُّكام، تثورُ على صمتها وتُراقبُ الموتَ اليومي، هي تنتظرك غيرآبهةٍ بغرابٍ حطَّ خِلسةً فوقَ كتفها، صوت الغراب واضحٌ يُنبئ بالفوضى وبتداعيات الحرب الأخلاقية والنفسية.

لا يتحدث سهيل ذبيان عن الثورة فهي برأيه قائمةٌ، أمَّا الكلام عن الموت في زمنِ الحرب ترفٌ لا أكثر.
في مدينةِ الباب قربَ حلب، حيث كان يعمل، تركَ الفنان عدَّةَ أعمالٍ نحتيةٍ وغادر، بعد أن سادَ العنفُ المنطقة، وبالتأكيد لم تسلَمْ أعماله من أيدي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وأخواته التي تحوِّلُ الجمالَ إلى رماد.
تتميَّز لوحات سهيل ذبيان بقدرتها على محاكاة الجزء الحي في داخلنا، فهي بعيدة عن تصويرالعنف بشكله الفجِّ والمنفِّر، ولا تحتاج تأويلاتٍ باطنية، هي وقفةُ تأملٍ لانعكاسِ ذواتنا، حالة الإضطراب والفوضى التي تحاصرنا، قوانينا الشخصية التي نعيش بها بعد الثورة ومحاولةُ ابتكارِ الهويَّة، واقعٌ يظهرُ في لوحةٍ يندمجُ فيها الجسد مع العالم الموروث قبل يضع أول خطوةٍ  خارجه ويقفز إلى فضاء الحرية.

تحتاج سريالية الثورة السورية لقراءةٍ فنيةٍ عميقة، تتجاوزُ ظاهرَ المأساة بكلِّ عناوينها إلى ماوراء لغة الجسد الحي والميت، وتنتقل بك بعيداً عن عولمةِ الخراب حيث الكلمة الأخيرة للعقول الطَّائشة كالرصاص.
لكلِّ إنسانٍ ثورته، يختصرُ ابن مدينة السويداء تجربته من خلال كثافة المعنى في لوحاته،”الفن موقفٌ جماليٌ من الحياة، والفنانُ صاحب هذا الموقف”أما ثورته فهي كما يقول قديمة، بدأت عندما دقَّت (الدَّاية) بكفِّها على ظهره فكانت صرخته الأولى بوجه أمه المرهَقْ “أنا جائع!”.

46

 

 

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف