خميرة

الأرض والحرية..

لقمان ديركي

يعيش السوريون حالتين متناقضتين تماماً في طريقهم إلى الحرية، حالة ما زال فيها السوري على أرضه، لكن بلا أمان نهائياً، فهو معرض للموت بكل أشكاله المتعارف عليها على الأرض، من الموت بقناص، إلى الموت ببرميل، مروراً بالموت تحت التعذيب، والموت تحت التكفير، وحالة يفتقر فيها إلى الأرض، لكنه يستشعر الأمان في بلاد غريبة، فلا موت هنا خارج الوطن، لكن المتاعب موجودة، والتهديد بالموت موجود أيضاً، وتتزامن موجات النزوح الخارجي من منفى إلى منفى مع موجات النزوح الداخلي من مَنزح إلى مَنزح، وفي مجمل الحالات يختبر السوري الآخرين، بعد اختباره القاسي لنفسه، فها هو يختبر العروبة ويخرج في النهاية إلى احترام العثماني الذي حاربه بداية القرن لخاطر عيون العروبة، وبالطبع لا مجال للندم، لكن المجالات مفتوحة للسخرية من العروبة، ومن كذبة الوطن العربي، ومن هشاشة ما كان يتبجح به من عروبة في وجه أقرانه الكُرد السوريين على الأقل وهو يتهمهم بالانفصالية، وبالطبع فإن الكُرد اختبروا الفكرة الكردستانية الكبرى، وخلصوا إلى التهكم من المقدس القومي الذي بدا وكأنه وحشٌ يستغل الضحية السورية الكردية على أكمل وجه، وباتوا متأكدين أن الحرية لا يمكنها أن تمشي تحت شعارات لا يحترمها من يتبجحون بها كل لحظة وهم يحاولون متناحرين تشكيل قطعان مآلها الذبح على عتبات كلمة مقدسة لا يجوز المساس بها لدى الكرد السوريين وهي كردستان، لكن لا بأس، فما حدا أحسن من حدا، وكما أن للعرب قياداتهم الفاسدة، فهاهم الكرد يقدمون القيادات الفاسدة أيضاً، فالإستقلال أصبح سقفه زعامات مستفيدة هويتها القومية تسمح لها بركوب أبناء قومها وقيادتهم إلى جحيم الفناء والعدم، وفي الداخل كان الوضع على مستوى الصدمات أرحم، لأن السوريين في نهاية الأمر، وبشكل عام استقبلوا بعضهم البعض كما يجب في الحدود الدنيا من الواجب، رغم بشاعة الإستغلال من مَنزح إلى آخر في بعض الأحيان، لم تعد دول الجوار بدول جوار حقاً، ولا الدول العربية بدول شقيقة حقاً، تركيا فازت في سباق الأخلاق، لكن لا أحد يريد أن يتفاءل، فالكل على قلق من تغيرات مفاجئة تحول السوري من ضيف عزيز إلى شيطان رجيم مطرود من جنة المنفى إلى ظلمات المجهول الجديد بعد تجربة السوريين في مصر الشقيقة تحديداً، فبعد شهر العسل السوري المصري أيام مرسي،والذي انقلب إلى جهنم الحمرا حال استلام السيسي، صار السوري يشك بكل شيء، والشك مبدأ هام من مبادئ الوجود، أنا أشك إذن أنا موجود، والشعب السوري صار شكاكاً متوجساً حتى أمام أقوى أفعال الخير، ولمَ لا، فالمقدسات الدينية باتت عبئاً عليه وهو يرى الكتائب الإسلامية تتسابق في الفساد، ليست مختلفة بشيء إستراتيجي فارقٍ عن النظام، وكأنهم صنيعته التي لطالما تتحدث الأوساط عنها كذلك، وبالطبع فإن (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام) هو النموذج الذي على السوريين معاينته ليروا شكل النظام المقبل، فإذ به يسقط قبل أن يجد لنفسه موطئ قدم على مدى طويل، التاريخ يتبارى في سوريا، الماضي قادمٌ إلى فخ الحاضر السوري ليحترق ورقة ورقة، فورقة القومية احترقت، وورقة الدين احترقت، وورقة الطائفية تحضر نفسها للإحتراق، وورقة الوطن/الأرض احترقت أيضاً، فالسوري صار بإمكانه أن يثبت وجوده خارج الديار، بل وإنه بدأ بالعمل على ذلك، ولم يعد حديث الصراخ الثوري هو المسيطر الآن، لا، لقد بدأت دورة حياة جديدة في المنفى، وصار من الضروري أن تمتلك مفردات وجودها، السوري يتحرر رويداً رويداً من كل الكذبات، وإبداعه قادم ليغزو العالم، وربما احتراق الماضي نهائياً سيكون في سوريا، وفي ذلك تبعات على المنطقة كلها أن تتحمله، أن تتحمل تبعة انهيار كل أنظمتها حال انهيار النظام السوري، ولربما يشمل الأمر العديد من دول العالم، لذلك نرى كل العالم يسند هذا النظام، بل ويشجعونه على الإجرام كل يوم، فالنظام السوري هو العرين الأخير للشمولية السياسية التي كان لنا منها نصيب عبر الأب والإبن، ولا بد لهذا الصرح من الانهيار، ومع انهياره ستنهار كل الشعارات التي حكم باسمها مجرمون عملاء لسادة العالم في الشرق الأوسط، الثورة السورية ستحرق كل ما هو قذر في طريقها نحو تعقيم وتطهير أرض مدنسةٍ منذ خمسين عاماً. فالحرية التي يحملها من تحرروا من الأرض حتى ستغزو الأرض بمشاعل النور الفادح.

47

برومو الشهيد ناجي الجرف