حنطة بلدية

أمومة على غير موعد!

لبابة الهواري

مشاغباً كغيره من الأطفال،لم يغفر له سوى ذكاؤه المُتَّقِد دوماً، لا أستطيعُ طرحَ سؤالٍ كاملٍ إلاَّ ويكون الجواب قد فرَّ من شفتيه، يتبعه بإغلاق فمه بأصابعه العشرة ناظراً للأرض إذ يُدرك جيداً عقوبة المنع عن التحدث لخمس دقائق لمن يجيب بغير دوره، حركته تلك كانت تجعلني أضحك رغماً عني وأغفر له خطأه، كنت أتصنّع الغضب مع ابتسامةٍ يلمح طيفها وأنا أحاول تأنيبه، أو حتى رميه بنظرة عتاب يستقبلها بضحكةٍ من خلف الأصابع البريئة.

هذا كان حال اليوم بأطولهمع زيد، طفلٌ يجعل من خيمة التعليم مكاناً شهياً للتعلم بذكائه وفطنته وسرعة بديهته.

عندما أتيتُإلى الخيمة صباح اليوم التالي وجدته يجلس عند باب الخيمة، يقلّب التراب بعود خشبي يشبه غصناً صغيراً، ابتسمت له وأنا أقترب منه: زيد ألن تدخل؟ حان موعد الدرس.لم يجب زيد، توقفت وانحنيت ليصبح وجهي مقابل وجهه، لكنه ابتعد للخلف قليلاً،

– زيد ما بك؟

أشاح بوجهه وهو يقول: “لا شيء”.حاولت إدارة وجهه إليَّ لأكلّمه، لكنه أبعد يدي بعصبيةٍ وهو يقول:”اتركيني”!

“كما تريد ” تمتمت بها.جلست بجانبه وأمسكت غصناً آخر كان مرمياً على الأرض وأخذت أقلب التراب مثله دون أن أنبس ببنت شفه.

-ألن تبدئي الدرس؟

-ما رأيك أن أؤجل الدرس اليوم؟

هزَّ برأسه مؤيداً ولم يتكلم. بقينا هكذا لدقائق أختلس النظر لوجهه الذي يُشِيْحُه كلما لمح نظرتي، ونقلّب التراب، قلت بدون سابق إنذار:

“أمس كان يوماً متعباً، عملت كثيراً، ولم يكن لدي نقود لذا اضطررت للعودة للمنزل مشياً.. أشعر بكثيرٍ من التعب”.

ارتفعت عينا زيد إليّ بنظرة حزن وشفقة على حالي، وبقي صامتاً، أكملتُ:”ولم أستطع النوم أيضاً” بقي صامتاً كما هو لا يحركه شيء.

حاولت الاسترسال بالشكوى؛ لكني وجدت أن الأمر غير مجدٍ، عدت لصمتي ليقطعه هو بقوله: ضربتني!!

حاولت ضبط انفعالي لأسأله بهدوء: من؟

-أمي.

-ربما فعلت شيئاً خاطئاً.

-يدها كانت قوية.. خدي يؤلمني

وضع يده على خده، فوضعت يدي على يده، واقتربت منه.”أنا أحبها.. لكنها تضربني”.ضممته وأنا أقول سأذهب معك لأتكلم معها. “ربما تضربك أنت أيضاً”. ابتسمت وأنا أطمئنه:”لا تخف.. سيكون كل شيء بخير”.

تسربت ابتسامة لوجهه استغليتها لأقول له:”ما رأيك أن نبدأ الدرس؟ هيا للخيمة”.قضينا وقتاً جيداً بقية اليوم،كنت أحاول إعادة زيد للدرس كلما لاحظت شروده. في نهاية الحصة اقترب مني، ليتأكد من نيتي بالذهاب معه. ربّتُّ على كتفه وأنا أضع حقيبتي على كتفي وأمسكت بيده ليدلني على خيمته.مشينا في المخيم، كانت الخيم على مد البصر تتصل مع الأفق، هنا حيث المكانُ أشبه بالخط الفاصل بين الحياة والممات.

دخلنا الخيمة، كانت ضيقةًفيها فراشان جارت عليهما أمطار الشتاء،بعض الملابس المعلّقة على حبلٍ من أول الخيمة لآخرها، امرأة في أواخر الثلاثين وربما أكثر،في وجهها من الهموم ما يكفي لوطن! بيدها طفل صغير لم يكمل أشهره الستة، وفي زاوية الخيمة طفلان آخران بعمر زيد، ربما أصغر قليلاً، يلعبان بزجاجة مياهٍ معدنية فارغة بديلاً عن الكرة!

عندما رأت المرأة زيداً معي ظهر عليها بعض الارتباك، قبل أن أبادرها السلام قالت: “لابد أن هذا المشاغب تسبب بمشاكل جديدة”.ابتسمت وأنا أنظر لزيد: “زيد اذهب والعب مع إخوتك”، نظر إلي نظرة امتنانٍ وركض باتجاه زاوية الخيمة، مدتت يدي مصافحةً المرأة ومعرفةً عن نفسي

-أنا معلمة زيد.

-أهلا بك تفضلي.. وأشارت للفراش الممدود على الأرض.

جلستُ بجانبها، سَحَبَتْ وعاءً يشبه القدر ووضعت فيه الطفل الذي كان في يدها، تملكتني الدهشة مما رأيت!! حاولتْ تبرير فعلها: “لا يوجد مكان آمن أضعه فيه وكما ترين لدي ثلاثة أطفال، وأنا بمفردي هنا، وليكتمل النحسفتحوا باب الخيمة ودفعوا لي بهذا الطفل الذي لا أعرف عنه شيئاً –مشيرة لزيد– وليس له عملٌ سوى معاندتي والمشاغبة، كلما وضعت الولد في القدر قام بقلبه، مما يدفعني لضربه! أين أذهب بالأولاد أو به؟!!

قاطعتها: حقيقةً هذا ما أتيت من أجله.

أكملت بسخرية: بإمكانك أخذه إذا كنت خائفةً عليه، المكان لا يتسع لأطفالي ليتسع لطفلٍ غريب!

صَمَتَتْ وصَمَتُّ، وبقينا لدقائق، قمت من مكاني باتجاه زيد، قبلتُه، ثم نظرت إليه وأنا عند باب الخيمة

-سيكون ابني.. قريباً.

49

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف