حصيدة

صدّقوا روخس ميش!

وائل زكي زيدان

حين نقرأ خبراً ما عن أيّ ديكتاتور، فإننا حتماً ننتظر منه أن يفاجئنا بتصرفٍ عجيبٍ منافٍ للياقة العامة، أو تصريحٍ طريف بعيدٍ عن المنطق، أو قراراتٍ غبيةٍمتهوّرةغير مدروسة العواقب،ذاهلين بما تتفتّق عنه مخيلاتهم الإجرامية من تصفية الخصوم وتغييبهم. وما اكتراثنا بما يصدر عنهم من نزواتٍ وشطحاتٍغريبة إلاّ لغرض الحصول على ذلك الإحساس العالي بالاندهاش،والمزيد من جرعات الضحك والسخرية والخوف، كمن يسير على رجليه ليبتاع بنفسه أفلام الكوميديا والرعب!.

تقرأ عن عيديأمين1925-2007مثلاً، أنّه في 9 أغسطس 1972 أمهل ما يقارب 70000 مقيمٍ آسيوي 90 يوماً لمغادرة البلاد بناءً على رؤية رآها في منامه، ادّعى فيها أن الله أوحى إليه بطرد هؤلاء الناس. ومن غرائبه أيضاً أنه منح نفسه ألقاباً كبيرة، كرئيس مدى الحياة وهازم الإمبراطورية البريطانية وملك اسكتلندا!.وعن الامبراطور الروماني كاليغولا 12–41مأنه عيّن جوادهُ المفضّل –انسياتونس- قنصلاً لمدة عام!. ومن ساديّة إسلام كريموف رئيس أوزبكستان الحالي، نطالععنه في مذكرات الرئيس البريطاني السابق هناك كريغ موراي (جريمة قتل في سمرقند) وصفاً بشعاً لأساليب تصفية المعتقلين السياسيين، وذلك بغليهم بالماء حتى الموت!. ونقرأ أيضاً عن القرار الكارثي الذي أصدره ديكتاتور رومانيا السابق نيكولاي تشاوشيسكو عام 1966 بحظر جميع وسائل منع الحملوعمليات الإجهاض، وفرضَ (ضريبة عزوبية) على الأُسر التي كان عدد أطفالها أقل من خمسة. حيث عمد أطباء الدولة -المعتبرون كرجال شرطة الحيض- إلى إجراء فحوصاتٍ تناسليةٍ للنساء في سن الإنجاب في أماكن عملهن لمعرفة فيما إذا كنّ أنجبن ما يكفي من ذريّة، وكانت النتيجة أكثر من 170000 طفلٍتربّوا في دور الأيتام!.

ثم يدفعك الفضول للبحث والتفتيش في سيرهم الذاتية.شخصياتهم، وتواريخ حياتهم، وبيئاتهم، وفيزيولوجياتهم دون جدوى، فأنت لن تجد شيئاً يدلّك على أسباب جنونهم وغرابة أطوارهم، ولن تنجح بالحصول على أية معلومة تجعلك تتنبأ بما سصبحون عليه بعد استلامهم للسلطة.

تستنتج الممثلة المسرحية الصربية مارينا ابراموفيتش بعد سلسلةٍ من التجارب التي قامت بها شخصياً،أن البشر الذين نتعامل معهم يومياً مهما اختلف عرقهم وسنّهم وخلفياتهم قادرون على ارتكاب أفعالٍ شنيعة ولكن إن أتَحتَ لهم الفرصة فقط!. وأهم ما خرجت به في اعتقادي،هو الحكم أن السلبيّة، حالةٌ متطرّفة كالعنف.وهنا يجب التفريق بين السلبيّة والسِلمية، فعلي سبيل المثال، الزعيم “غاندي” لم يكن سلبياً علي الإطلاق في مواقفه حتي وإن قاوم الاحتلال البريطاني بشتّى الطرق السِلمية.

هل هناك أساسٌ بيولوجي للتسلّط والإجرام والخداع؟. حتّى هذه اللحظة لا يوجد، ولا يستطيع العلماء حالياً التنبؤ، ولو بنسبة 80 في المائة، بشأن الأطفال الذين سيكتسبون فيما بعد نزعةً عدوانية خطرة، وأنت حتّى على الصعيد العِلمي وفي محافله المرموقة ستسمع مثلاً، أن عالم النفس (Mهاوزر)من جامعة هارڤارد الذي كتب يوماً مقالة بعنوان: (ثمن الخداع: الغشّاشون لابد وأن يلقوا العقاب يوما ما)هو الآن خارج العمل، حيث إن المكتب الأمريكي للنزاهة في مجال البحث العلمي قد انتهى إلى أنه قد “لفَّق بيانات بعض أبحاثه، وتلاعب بنتائج العديد من تجاربه، ووصف كيفية قيامه بعمل دراساته بطرق لا تتطابق مع صحة الوقائع.”،ولك أن تتخيّل معي آلاف الدراسات الطبيّة المُفبركة والتي من المُفترض أن تكون موثوقة ولشخصيات علمية مشهورة وما ينتج عنها من أضرار جسيمة بحق الملايين كل يوم.

في المحصّلة، نحن لن نتوانى عن ارتكاب الفظائع فيما لو تهيّأت لنا الظروف والمناخات لذلك. ولا خيار أمامنا إلاّ بوضع قيود، والاشتغال على بيئة مانعة خالية من الثغرات التي قدتسمح لأحدهم بالتحوّل إلى طاغية ومستبد. فعندما يصف /روخس ميش/الذي كان من الحرس الشخصي لهتلر بأن سيّده “رجل طبيعي جدا، ولم يكن متوحشا كما يصوّرونه.”علينا أن نصدقهُ!.

لم أكتب هذه المادة الأشبه بالتقرير والمليئة بالإقتباسات، إلاّ من شدّة حرصي على الثورة السورية؛لما أراه كل يوم من صور وأعمال فظيعة هنا وهناك، خصوصاً على يد مسلحي المعارضة، فنحن متّفقون أن خيال النظام الإجرامي بلا سقف، وهو-أي النظام- آخر ما توصّلت إليه الهمجيّة، ونحن لهذه الأسباب بالذات قمنا بثورةٍ ضدّه، فمن غير المنطق أن نكون حريصين على التّشبّه بهِ والإستسلام لردّات الفعل، وليس في نيتنا ولا من مصلحة أحد،إسقاط دكتاتورٍ ليحل محلّه ألف ديكتاتور آخر.

26

 

برومو الشهيد ناجي الجرف