حكايا البيدر

مساء الخير يا بيروت وصباح الخير يا شام

راهيم حساوي

في الساعة الثامنة من مساء التاسع من نيسان 2014 كان أهل الثقافة والفن والأدب على موعد مع حفلٍ غنائي للفنانة والشاعرة عناية جابر في مسرح قصر الأونيسكو في بيروت، كان المكان قريباً مني، لا يحتاج مني أجرة تكسي، وهذا شيءٌ جميل ومن حسن حظي. وبينما أنا أسير نحو مكان الحفل بدأ الشيطان المختص بالعمليات الحسابية يأخذ دوره، جلس في رأسي كمُحاضرٍ جامعي وهو يرتدي ربطة عنقٍ ويجري لي عملياتٍ حسابية، وكان يُنهي كل عمليةٍ حسابية بعبارة: “ثم لا تنسَ أنك نازحٌ وبلا عمل”.
تابعتُ مسيري نحو مكان الحفل، ووصلت وكان المشهد واضحاً: سيدات، آنسات، رجال، شباب، عجائز، سجائر، غلاوين، ضحكات، أحاديث، ثرثرة، رجل عجوز ببنطال أبيض وشعر طويل، شابة حليقة الشعر، وشابة بتنورة قصيرة من الطاقم المُنَظِّم للحفل تحمل الأوراق وتتحرك في الصالة مثل جنرال، هكذا كان الناس على مدخل الصالة قبل بدء الحفل.
نحن نحب الموسيقا والشعر والغناء، ونحب المسرح حيث الضوء الخافت، فالأشياء تبدو أجمل على خشبات المسرح، حتى العامل الذي يقوم بعملية إعادة ترتيب الخشبة بعد انتهاء الحفل يبدو أجمل من سواه.
كان عليّ أنْ أعرف ثمن بطاقة الحفل دون مواجهة تلك الموظفة المسؤولة على بطاقات الدخول، وذلك كي لا يبدو الموقف محرجاً في حال أني رفضتُ الشراء، اقتربتُ من رجلٍ كان يجري مكالمةً هاتفية وهو يُطالب التي يتحدث معها بالإسراع، وبدا متوتراً بعد إنهاء المكالمة، سألته عن ثمن بطاقة الدخول، قال إنه لا يعرف، فابنته هي التي اشترت البطاقات.
وضعت سماعات هاتفي في أُذنيّ، وغادرت المكان وأنا أستمع لأغنيةٍ على إحدى محطات راديو هاتفي.
يُقال إن الكاتب المسرحي جان جنيه كان يأخذ نقوداً من صاحب مسرح كأجرٍ مسبق عن نصٍ يعمل على الانتهاء من كتابته قريباً، وكان مدير المسرح يعلم أن جان جنيه لم يكتب النص بعد وربما لن يكتبه، وكان جان جنيه يعرف أن مدير المسرح يعرف حقيقة الأمر، لكنهما كانا يفعلان هذا لأجل رفع القيمة، قيمة المسرح.
ربما موضوع ثمن التذكرة ليس باهظاً كقيمةٍ مادية في نظر العموم، ولكن القيمة ستبدو أكبر لو أنّ ثمن التذكرة كان بالمجان للسوريين الذين يعانون التعطش لمثل هكذا مناسبات، ثمن البطاقة لن يشكل مصيبةً كبيرة لهم، لكن المصيبة الضاربة في العمق تكمن في: (ماذا سيحدث لو كانت بطاقة الدخول مجاناً للسوريين؟)
هذا السؤال بحد ذاته يجعل المواطن السوري يشعر بالأسى وهو يعيش غربته واغترابه في ظروفٍ لم يعد أحد يفهمها إلا السوريون أنفسهم، والأمر لم يعد ترفاً بقدر ما صار حاجةً مُلحّةً كي لا يفقد عقله في ظل الظروف التي تمر بها بلاده، وظل ظروفه النفسية المشحونة بالكثير من الخراب.
المسألة لا تتعلق بهذا الحفل فحسب، بل تتعلق بمناسباتٍ كثيرة بهذا الصدد، فالأمر ليس سهلاً لو أخذنا هذه المناسبات على مدار الشهر أو الشهرين.
على القائمين على الأدب والفن أن يُدركوا أن رسالة الأدب والفن لا تتعلق فقط بمضمون هذه الرسالة، بل يجب معرفة إدارة هذه الرسالة بدقة عالية، فالأغنية الجميلة لا تكفي، والمسرح الناجح لا يكفي، والكتاب المفيد لا يكفي عندما لا تصل هذه الاشياء للجميع بكافة الظروف، والمؤسسات التي لا تستطيع إدارة الفن والأدب كما يجب هي مؤسساتٌ فاشلة حتى لو كان الأدب والفن على قدرٍ جيد، كان من السهل أن يكون دخول السوريين بالمجان لهذا الحفل، وفي أسوء الظروف كان من الممكن تخفيض ثمن بطاقة الدخول للنصف كي لا يصبح الأمر الذي نتحدث به أمراً مادياً بحتاً، وكي يبدو الأمر معنوياً في حقيقة الحال، لو حدث هذا الأمر كان بمقدور السوري أن يدعو أحداً معه لم يسبق له أن حضر حفلاً غنائياً طوال ثلاث سنوات على الأقل، وبهذا يأخذ الفن والأدب قيمةً أخرى وبُعداً لا يقل عن أهمية البُعد المتضمن في الرسالة التي يحتويها كلٌّ منهما.
33

 

برومو الشهيد ناجي الجرف