حنطة جلب

جريمة الحرب الصامتة في سوريا:الاغتصاب الممنهج الواسع النطاق

آنِك كوجان جريدة اللوموند آذار 2014
حنطة- ترجمات
تتراكم الأدلة على أن النظام السوري يستخدم الاغتصاب – اغتصاب الفتيات أمام آبائهن والزوجات أمام أزواجهن–كسلاح موجّه يبتغي أهدافاً.إنها الجريمة الأكثر صمتاً التي تُرتَكب حالياً في سوريا.جريمة واسعة النطاق تُنفَذ من قِبل النظام بطرق بربرية لامثيل لها،تُعول على محرمات المجتمع السوري التقليدي العميقة الجذور،وعلى صمت الضحايا لاقتناعهم أنهم سيُنبَذون من أسَرهم، أو ربما يُقتلون.
محققو الأمم المتحدة والكثير من المنظمات غير الحكومية يقولون إنه بسبب الصمت فشلوا بأن يُوثقوا بشكلٍ كاف الروايات الواسعة الانتشار عن الاغتصاب الممنهج منذ اندلاع الثورة في سوريا.
لم يتم التطرق لهذه الجريمة إطلاقا في محادثات جنيف، مع أن الناشطين يعتقدون أنه يوجد عشرات الآلافمن الضحايا. نعم، لقد كان الاغتصاب سلاح الحرب السري للنظام طيلة السنوات الثلاث الماضية.
“علما” التي أصابها الهزال تستلقي على سرير في أحد مشافي عمان. أبداً لن تعاود المشي، فعمودها الفقري قد تفتت بفعل ضربات وجهها أحد شبيحة النظام مستخدماً عقب بندقيته. في الشهور الأولى للثورة بدأت هذه المرأة البالغة من العمر 27 عاماً التي هي أم لأربعة أطفال ومجازة في مجال الإدارة، العمل مع حركة التمرد. في البداية كانت تُحْضر الطعام والدواء، وفيما بعد كانت تحمل الذخيرة في صُرةٍ معقودة على بطنها متظاهرةًبأنها حامل.
بدِك حرية؟
في أحد الأيام أُلقي القبض عليها عند نقطة تفتيش في ضواحي دمشق. أمضت 38 يوماً في مركز اعتقال للمخابرات الجوية مع حوالي 100 امرأة أخرى. “لابُدَّ أن أبو غريب كان نعيماً بالمقارنة مع هذا المركز” قالت بابتسامة باهتة، مُلَمِحة إلى السجن الأميركي في العراق. “لقد تعرضت لكل شيء! ضُرِبت بقسوة وجُلِدت بسياط فولاذية، وعانيت من إطفاء أعقاب السجائر على رقبتي،وشفرات الحلاقة على كل أنحاء جسمي والكهرباء في مهبلي. كنت اُغتَصب كل يوم، وأنا (مطمشة)، من قبل عدة رجالٍتفوح منهم رائحة الكحول وممتثلين لأوامر رئيسهمالذي كان دائم التواجد هناك.كانوا يصرخون “بدِّك حرية؟ شو عليه، خدي حرية!”. كثير من النسوة، كما توضح، بالإضافة إلى آلامهن، كنّ يعتقدن أن عائلاتهن قد يقتلونهن إن اكتشفوا ما قد جرى لهن. تصميمها على التطوع في الجيش السوري الحر أصبح بالمحصلة أقوى. عندما أطلق سراحها أصبحت واحدة من النسوة النادرات اللواتي يَقُدن كتيبة على رأس 20 رجلا،قبل أن تُصَاب إصابةً بالغة وتُخلى من قبل رفاقها الثائرين.
مئات آلاف السوريين تدفقوا إلى الأردن، حيث استطعنا، بفضل الأطباء والمحامين والأخصائيين النفسانيين، أن نجمع ونقاطع عدداً كبيراً من الشهادات وأن نقابل عدة ضحايا وجهاً لوجه.
حالات الاغتصاب تؤثر على الآباء والأخوة والأزواج
قال برهان غليون، وهو عضو بارز في المعارضة، إن الانتباه الدولي يجب أن يتركز على الاغتصاب الذي يمارسه عناصر النظام. “إنه السلاح الذي جعل ثورتنا، التي هدفت لأن تكون سلمية، تصبح عنفيةً إلى هذا الحد”. ويقول إنه منذ ربيع 2011 كانت حملات الاغتصاب من قبل الشبيحة تُنَظّم داخل البيوت حينما كانت العائلات لاتزال موجودةً هناك.
كان يتم اغتصاب الفتيات أمام آبائهن، والزوجات أمام أزواجهن.جُن جنون الرجال من الغضب وصرخوا قائلين إنهم سيدافعون عن أنفسهم وينتقمون لشرفهم. “كنت أعتقد أنه علينا أن نفعل كل شيء نستطيعه لنتجنب الدخول في مرحلة مسلّحة، وأن تسليح الثورة سيرفع عدد القتلى إلى حد كبير. لكن استخدام الاغتصاب دفع الأمور في الوجهة الاخرى.وأظن أن الأسد أراد أن تأخذ الأمور هذا المنحى. حالما يتسلّح الثوار يستطيع بسهولةٍ أن يبرر المجازر بحق أولئك الذين سبق وسماهم (إرهابيين)”
من الصعب البرهنة على هذه النظرية، لكن الثابت أن العنف الجنسي قد ازداد،مساهماً بالنتيجة في مناخ الخوف. تقول الكاتبة سمر يزبك: “تُستَخدم النساء كوسيلةٍ للتأثير على الآباء والأخوة والأزواج. أجسادهن أصبحت ميادين قتال وغرف تعذيب. يبدو لي أن المجتمع الدولي صامت عن هذه المأساة صمتاً مطبقاً”.
العديد من المنظمات الدولية قدمت تقارير عن حالات اغتصاب يرتكبها النظام، لكن جميع هذه المنظمات تذكر أيضاً الصعوبة البالغة في الحصول على شهادات مباشرة،والصمت العنيد للضحايا والخوف من جرائم شرف بحق النسوة المغتصبات والقلق الناجم عن الاعتقاد المعمم بأن المرأة التي اُعتُقِلت قد تم اغتصابها بالضرورة. أحد التقارير الموثق بشكل جيد والمنشور في تشرين الثاني من قبل الشبكة الأوربية – المتوسطية لحقوق الإنسان، يؤكد حجم المأساة ويشير إلى الضرورة الملحة للتحقيق في جرائم الحرب هذه التي إن ثبت أنها كانت مدروسة وعن سابق تصميم، فقد توصف كجرائم ضد الإنسانية.
تقول سيما نصار وهي تتحدث عبر السكايب: “لقد جعل النظام النساء هدفه الأول. يتم التصويب إليهن من قبل القناصين، وخصوصاً إلى النساء الحوامل. ويُستَخدَمن كدروع بشرية، كما حدث في حمص في شباط 2012 عندما اجبر الجيش النسوة على المشي أمام الجنود. وهنَّ أيضاً عرضة للاختطاف من أجل الفدية أو المبادلات. إن اغتصاب النساء بشكل ممنهج، أكنَّ في التاسعة من العمر أو في الستين،يشكّل طريقةً لتدمير النسيج الاجتماعيبكامله على المدى الطويل”. وتقول سيما نصار إن لديها قصصاً تحكيها عن حالات محددة مع التواريخ، كحالة هذه الشابة من حماة،وهي حالياً لاجئة في الولايات المتحدة. كانت في البيت مع أخوتها الثلاثعندما اقتحم الجنود المنزل وطلبوا من الرجال أن يغتصبوا أختهم. رفض الأول فقطعوا رأسه. رفض الثاني فلاقى المصير نفسه. وافق الثالث فقتلوه فوق الفتاة، ثم قاموا باغتصابها.
إليكم هذه القصة التي حكتها امرأةٌ سورية أخرى عن إحضارها إلى بيتٍ في ضواحي حمص في صيف 2012 مع حوالي عشرين امرأة أخرى. لقد عُذّبن واغتُصبن بشكل جماعي أمام كاميرا.بعد ذلك أُرسل شريط الفيديو إلى عمها، وهو شيخ بارز وواعظ تلفزيوني وعضو في المعارضة. يقول عبد الكريم الريحاوي، رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان، لصحيفة اللوموند: “هذه الممارسة تتكرر بشكل كبير أثناء الغارات على القرى، وهي ممنهجة في مراكز الاعتقال التي لدى أجهزة الاستخبارات”. وهو يُقَدّر أنه قد تم اغتصاب أكثر من 50000 امرأة في سجون الأسد منذ بدأت الثورة.
المناخيس الكهربائية
في مخيم الزعتري للاجئين السوريين قابلنا سلمىالتي بدت منهكة بدنياً وبعينين لا حياة فيهما.كانت قد ولدت في درعا قبل خمسين عاماً، لكنها كانت تعيش مع زوجها وأبنائها الثمانية في دمشق. في عام 2011 صُعِقت عندما علمت أن أطفالها فُصِلوا من مدرستهم رداً على الثورة في مسقط رأسها. “بأي حق تعاقبون أبنائي الصغار؟ لا علاقة لهم بهذه الأحداث” قالت شاكية لمدير المدرسة. لم تكن قد أنهت جملتها عندما اندفع رجال الاستخبارات إلى الداخل. وضعوا كيساً على رأسها واقتادوها إلى قبو معسكر اعتقال حيث رموها داخل زنزانة معتمة ملأى بالجرذان. أمضت يومين هناك دون ماء أو طعام، قبل أن تنضم إلى امرأتين أخريين في زنزانة صغيرة لستة شهور. “لم نكن نستطيع أن نضطجع ولم يكن مسموحا لنا الاغتسال، حتى أثناء فترة الطمث. كنا نُغتصب كل يوم. أي إشارة احتجاج كانت تُقابَل بنخسات كهربائية في المهبل أو الشرج. كانوا يضربونني كثيراً لدرجة أنهم كسروا ساقي التي أصبحت سوداء. أفراد أسرتي لم تصلهم أخبار عني لستة شهور. ولما كنت أميةً، فقد وقعت أي اعتراف بالإبهام”. عندما أطلق سراحها كان زوجها قد اختفى مع سيارتهم.
صدمات نفسية لا تشفى
اعتُقلت أم محمد البالغة 45 عاماً، في الشارع مع ابنتها في أيلول 2012، وأحضِرتإلى مطار المزة العسكري. لأن موبايل ابنتها كان يحتوي على علم الثورة وصورة شهيد، فقد سُجنت المرأتان لعشرين يوماً تم خلالها ضربهما واغتصابهما وحبسهما في زنزانة مساحتها 4 أمتار مربعة مع 17 امرأة أخرى وعدة أطفال. إحدى النسوة، وهي زوجة عضو في الجيش الحر مشتبه بكونه جزء من عملية اختطاف48 إيرانيا في آب 2012، كانت هناك مع ولديها البالغين من العمر 8 و9 سنوات. زوج امرأة أخرى، وهو مدير سجن كان يُعاقب لمعارضته التعذيب المفرط، كان محتجزاً في الطابق الواقع تحت زنزانتهم، بطريقة تسمح له بأن يسمع صرخات زوجته وهي تغتصب.
لقد وصف الأطباء أعضاء تناسلية متهتكة وأجساد حلت بها البلايا وصدمات نفسية غير قابلة للشفاء.وهكذا فإن السؤال اللاحق هو: أكانت هذه أعمال بربرية فردية نفدتها مجموعات مرتزقة بمفردها ومتروكة تتصرف على هواها، أم كانت جزءاً من استراتيجية مدروسة تستخدمها مجموعة قيادية خاضعة للأوامر؟
ليس لدى الريحاوي أي شك: “إنه خيار سياسي لسحق الشعب.كل شيء منظم بشكل دقيق والأمر ليس مصادفة، فالشهادات متشابهة وبعض الذين مارسوا الاغتصاب اعترفوا أنهم قد تصرفوا حسب الأوامر “. تقول سيما نصار: “لدي صور لعلب منشطات جنسية بحوزة رجال المليشيات قبل الإغارة على قرية ما” العديد من الشهادات أيضاً تكلمت عن استعمال منتوجات تسبب الخدر كانت تحقن في أفخاذ النساء قبل اغتصابهن.
أسوأ من الموت
إحدى الضحايا أوضحت أن طبيباً في مركز اعتقال في دمشق كان يجوب الزنازين ليكتب تواريخ فترات الطمث لكل امرأة ويسلمها حبوب منع الحمل. “كنا نعيش في القذارات. في الدم والبراز، دون أي ماء وتقريباً دون طعام. إلا أنه كان لدينا خوف مرضي من أن نصبح حوامل لدرجة أننا كنا نأخذ هذه الحبوب بدقة متناهية. ذات مرة، عندما تأخر مجيء فترة الطمث، أعطاني الطبيب حبوباً سببت لي آلام معدة طوال الليل”.
يقول الخبراء إن هذه الشهادة حاسمة لإثبات سبق التصميم لحالات الاغتصاب في المعتقلات. إلا أنه ولد أطفال من حالات الاغتصاب الجماعية هذه، مما أدى لسلسة من المآسي. في اللاذقية انتحرت امرأة شابة لأنها لم تستطع أن تجهض.امرأة أخرى رماها والدها من شرفة الطابق الأول.
شمل العائلات يتفتت. فالأزواج يشيحون وجوههم ويطلقون زوجاتهم، والآباء يدفعون بناتهم للزواج من أول رجل يقبل بهن. تهمس طالبة حقوق بالقول وهي تبكي: “العالم مشغول البال بالأسلحة الكيماوية، لكن بالنسبة لنا، نحن النسوة السوريات، الاغتصاب أسوأ من الموت”.حتى الآن لم تخبر أحداً بمأساتها، على الأخص زوجها.
….

38 39

 

برومو الشهيد ناجي الجرف