ملف

نحو تأصيل مفهوم التمدّن

منظمات المجتمع المدني في الجزيرة السورية

عباس علي موسى

إنّ بقاءَ البعث ولمدة أربعين عاماً قائداً للدولة والمجتمع، أدى إلى تشوّه كل البُنى التنظيمية والمدنية والنقابات والأحزاب التي عاصرتها، أو حتى تلك التي صنعها البعث، كبديل عن تلك التي يمكن أن تولد في الخفاء أو حتى تلك التي كانت موجودة من قبلُ.

بقيت سوريا طول هذه المدة تجترّ كلّ شيء بنفَس واحد، ولون واحد، فلا مجال للحصول على لونٍ آخر، ولا طريقة تفكير أخرى، بل إنّ البعث أخذ على عاتقه قيادة الدولة والمجتمع باللون الذي تراه، عبر ثقافته الشمولية المتماهية مع سلطة الدكتاتور.

فمنظمات الطلائع والشبيبة وإتحاد الطلبة والنقابات العمالية، باتت هي الأخرى الرديف المدني الزعوم! من وجهت نظر الحزب؛ قائد الدولة والمجتمع، كما أنّه استطاع عبر هذه المنظمات تفريغَ الإنسان السوري من أيّة طاقة إيجابية، وقتلَ في الإنسان السوريّ ثقافة التطوع والمسامحة، لأنّه روّج لكلّ ثقافة عبرَ نظريته القومية الضيقة، مُباعداً بذلك بين المواطن ومفهوم الوطن كحاضن وأم رؤوم.

لقد عاش جيلٌ كامل على هذه الثقافة المشوّهة، وكل طريقة أخرى للتفكير خارج السرب وقعت رهن الاعتقال، فالمئات من المثقفين كانوا سجناء حتى عشية الثورة، وأُغلقت المنتديات وأغلقت الصحف والمجلات التي تعمل على هذه الثقافة، ولم يتم تقديم الرخص إلاّ إلى الجمعيات الخيرية المحضة، أو تلك التي تدور في فلكها.

في ظروف كالتي تعيشها سوريا، وغياب التواجد الحكومي، وتقلقل الأوضاع، تكون البيئة المناسبة للعمل المدني، وتنشط منظمات المجتمع المدني، التي وجدت نفسها أمام فسحة صار باستطاعتها إزاءه القيام بعمل مدني بعيداً عن أيديولوجية البعث الواحدة الموحدة.

وفي الوقت الذي تلحّ فيه الحاجة للنشاط المدني والمنظمات العاملة فيه، كذا فإنّه تكثر العقبات التي تقف عائقاً أمام العمل بحرية، فظروف القصف وإعمال آلة القتل في بنية البلاد أدى إلى صعوبات وعوائق كثيرة أدت إلى قصور النشاط، وعدم وصوله إلى المستوى المطلوب.

 

منظمات المجتمع المدني في الجزيرة السورية

 

إنّ الجزيرة السورية هي من المناطق التي حظيت بهدوء نسبي، جعلتها بيئة مناسبة للعمل المدني، وكذلك أدى تنوّعها الديني والقومي حيث يعيش الكرد والعرب المسلمون والمسيحيون، وغيرهم في هذه الجغرافيا التي يشبهها البعض بسوريا مصغرة، أدى هذا التنوع إلى خلق بيئة للعمل في المجال المدني، فمنذ انطلاقة الثورة افتتحت عشرات المراكز؛ تحملُ جميعها شعارات المجتمع المدني وتنادي بالعيش المشترك وزرع ثقافة التطوع، ومنظمات خاصة بدعم وتمكين المرأة، ومنظمات لدعم الأطفال، والشباب، ومنظمات حقوقية إلخ…

وقد أقيمت الندوات والدورات التي تسعى إلى تأصيل الثقافة المدنية، وفي هذا الإطار يحدّثنا عاصم أمين عضو في مركز المجتمع المدني والديمقراطية، “إننا في المركز نعمل على عدة أهداف منها تطوير عمل المنظمات المدنية، وكذلك إقامة حلقات نقاش حول مفهوم العدالة الإنتقالية، والعيش المشترك…”

وحول التسامح بين مختلف أطياف الشعب السوري عموماً، وتأصيل مفهوم العيش المشترك كحقيقة يجب عدم الانجرار إلى نقيضها، كما يروّج لها النظام ويجرّ المجتمع إليه، وفي هذا الصدد يقول محمود عمر وهو محاضر ألقى محاضرات في منظمة “ماف” الحقوقية في ورشة العمل التي تقيمها المنظمة حول مفاهيم كالتعايش والسلم الأهلي، ومفاهيم المجتمع المدني: “إنّ مجتمعنا هو متسامح بطبعه، ولكي يعود إلى هذه الطبيعة علينا توعيته بهذه القيم، ليعود إلى طبيعته لا أن يخلقها من جديد”.

 

حين تدخل السياسة على الخط

 

جلّ منظمات المجتمع المدني تُعرّف نفسها على أنها منظمات مدنية مستقلة، إلاّ أن الحقيقة هي أنّ بعضها هي من صناعة الأحزاب، بحيثُ تصبحُ عائقاً حقيقياً أمام عمل المنظمات التي صنعتها، فهي لا تستطيع العمل بشكل مستقل بأي حال، إضافة إلى طغيان الأيديولوجية على الشعارات المدنية، بطرق غير مباشرة، وعن هذا يقول عاصم أمين (مركز المجتمع المدني والديمقراطية):”بعض المنظمات التي هي صناعة الأحزاب، وتعمل لأجنداتها، فهي بالإضافة إلى كونها مقيّدة للعمل، فهي تتبعُ هرماً تنظيمياً كالذي للأحزاب، وتؤدي في الحالتين إلى حصول الانشقاقات بداخل تلك المنظمات، أو إلى تفككها، لأنها لم تبنى على أسس سليمة”.

إنَّ عقلية الأحزاب السياسية تدفعها إلى محاولة التغلل في المنظمات، لتكون عوناً لها في تأصيل سياستها، إلاّ أنّ تدخل السياسة لا يفلحُ في تأصيل مجتمع مدني بعيداً عن جو السياسة، إذ أنها أي السياسة، تكبحُ جماح العمل المدني وتؤطره وتحد من مرونته، عبر الأيديولوجية الحزبية.

 

الإعلام ورصد حركة منظمات المجتمع المدني

 

لقد لعب الإعلام دوراً مهماً في تسليط الضوء على عمل منظمات المجتمع المدني، ورصد فعالياتها وعرضها في الوسائل الإعلامية المختلفة، فمعَ وجود الأقنية الفضائية، والإذاعات، والصحف والمجلات، والمواقع الإخبارية على الشبكة، صار لكل نشاط أو فعالية فرصة للتعبير عن ذاتها سواء من ناحية الإعلان عنها أو عرض تقارير عنها، تُسهم بدورها في تفتيح العيون على عمل هذه المنظمات.

ومن ناحية أخرى لعب الإعلام دور الرقيب في بعض الأحيان فمع وجود هذا الكم من الإعلام صارت المنظمات تلك تخشى من عمل الإعلام في رصد الأخطاء، كما ويقوم الإعلام بتقييم الواقع المدني عن طريق عرضه لعمل المنظمات المختلفة، ووضعها أمام أعين الناس ليقيموها هم أيضاً.

 

المجتمع المدني، هل تتحوّل إلى ثقافة؟

 

ثقافة التمدن والعمل والطوعي، وتفعيل منظمات ومؤسسات غير مرتبطة بالسياسة، هي حالة متقدّمة ومن شأنها خلق نوع من التوازن في بنية المجتمع التي أصابها خللٌ كبيرٌ جرّاءَ إعمال كل أنواع القتل والتنكيل والقمع طيلة عقودٍ أربع مضت، لكنّ إرادة الحياة، وميل الإنسان السوري إلى التوازن والعيش المشترك، قد تؤدي وإن على مدى بعيد إلى تب15لور هذه الثقافة في وطنٍ جديد، تزدهر فيه هذه القيم وتتفعّلُ على الأرض.

 

 

 

 

 

برومو الشهيد ناجي الجرف