ملف

فقط في سوريا.. أسقف أرضية

محمد حاج قدور

فقط في سوريا تنبض قلوبٌ تحت الأرض، وهنا فقط تتساوى الأحلام بأعلى سقوفها مع سقوف القبور، هنيئاً لنا فنظام الأسد أمعن في تقديم الفريد والجديد.

هذا ليس إعلاناً ويشهد السوريون على ذلك.

“كما كل يوم تبدأ مجموعتي عملها في الساعة السابعة صباحاً، وربما في السادسة في حال كانت هنالك اشتباكات ومعارك قريبة من مدينتنا،يشتدُّ استنفارنا في الأوقات التي تكثر فيها المعارك، إذ عادةً مايقوم النظام بضرب المدن عوضاً عن قتال العسكريين في أرض المعركة”يقول حسام بدوي مدير دائرة الدفاع المدني في بنش، في معرض سرده لنا هذه الحادثة التي عاينها مع فريقه أثناء محاولتهم إنقاذ إحدى العائلات العالقة تحت الأنقاض.

“ماحدث في ذلك اليوم هو أننافوجئنا بغارةٍ جويّة من الطيران الحربي على مدينتنا،حددنا موقع القصف، وقمنا بحمل عِدد الإنقاذ الخاصة بنا، وتوجهنا فوراًإلى مكان الدمار حيث الدخان والغبار المتصاعد والأسقف المهدمة، وأهل الحي مجتمعون يحاولون شدَّ امرأةٍ علقت إحدى رجليها تحت حافة سقفِ منزلها الذي تمدد على مستوى الأرض،وحالاً سارعنا إلى إبعاد الناس الذين كانوا يقومون بشد المرأة،الأمرالذي ربما يؤدي إلى بتر رجلها وقسم آخر منهم كان يحاول رفع السقف ولكن دون جدوى، حيث أن السقف يزن مالا يقل عن طونين من الإسمنت والحديد، ولا يمكن لكل أهل الحي أن يحركوا السقف، وعند وصولنا طلبت من أحد الشباب في المجموعة التي أقودهاإبعاد الناس خوفاً من تهدم أجزاءٍأخرى من المبنى المجاور، وفي محاولةٍللتخفيف من التجمّع، فلربما يقوم النظام بالقصف من جديد وعلى نفس الموقع. بدأ الشباب سريعاً بإخراج عدة الإنقاذ التي كنا بحاجةٍ لاستعمالها، حيث وفي مثل هذه لحالات نقوم باستعمال مقصٍ كهربائي مزود ببطارية،يمكن له أن يعمل لمدة ساعةٍ تقريباً، وقمنا بقص جزءٍ من السقف الاسمنتي المحيط بجسم المرأة العالقة وإخراجها دون أن بتسبب ذلك ببتر ساقها والحمد لله،ومن ثمَّ قمنا بعمل إسعاف أولي سريع لها وتم إرسالها إلى لمشفى، وأثناء ذلك، صرخت بأعلى صوتي:(هل يوجد أحدٌ تحت الأنقاض؟)، وبدأ فريقي بالبحث تحت الأنقاض والنداء وسؤال أهل الحي، حيث قال البعض بأنه لايوجد أحدٌ تحت الأنقاض، ولكن ماهي إلا لحظات حتى سمعت أحد شباب فريقي ينادي بأنه هنالك طفلان تحت السقف، وهما على قيد الحياة، الجدير بالذكر أن السطح الإسمنتي الممدد على الأرض في تلك اللحظة كان يقف فوقه معظم أهالي الحي وهم لايعلمون أن تحت أرجلهم هنالك أطفالٌأحياء،في هذه اللحظات وصلت إحدى الآليات الثقيلة الخاصة بالحفر والرفع أحضرها أحد شباب الحي وهو يظن أنه سينقذ حياة من تبقى، ركضت بأقصى سرعةٍ باتجاه الرافعة وسألته ماذا سيفعل، فقال إنه سيغرس آلة الحفر في منتصف السطح، ليقوم بعد ذلك برفع السقف، طلبت منه أن لا يفعل هذا أانه سيقتل هذين الطفلين ولكن حميَّته وخوفه على الأطفال جعلاه يتردد، ويرد بأنه لابد من أن يفعل هذا لينقذهم، قلت له:(صديقي أنت ستتحمل مسؤولية موت هذين لطفلين لو فعلت هذا!)، وأشرت إلى مجموعة الدفاع المدني، وأخبرته أن هنالك طرقاً علميةً لإخراج هذين الطفلين، فغرسُ الآلة في منتصف السقف ربما يؤدي لانقسام السقف ودهس الطفلين بسبب وزنه ووزن الآلة،أو ربما ينجح برفع السقف، ولكن بكل تأكيد لن يستطيع تثبيت السقف في الأعلى ولن نتمكن في فترةٍ زمنيةٍ قصيرة من إخراج الطفلين، ناهيك عن المخاطرة التي ستقع على أيّ عنصرٍأو شابٍ سينزل لإخراج الأطفال.استجاب ذلك الشاب الطيب لكلامي، وعدت إلى مجموعتي التي كانت قد قصت الجزء المناسب لإخراج الأطفال، وبعد قص السقف قمنا برفع الكتلة الإسمنتية المقصوصة، وتمكنّا والحمد لله من إخراج الطفلين وهما على قيد الحياة، وسألناهما هل هناك أحد تحت الأنقاض، وسألناهما عن عدد أفراد عائلتهم، وقمنا بإرسالهما أيضاً إلى المشفى بعد أن تأكدنا أنه لا يوجد أحدٌ تحت الأنقاض، وفي نفس الوقت كان يتابع فريقي عمله في البحث والتأكد من وجود شخصٍ ما تحت الأنقاض وبالطرق العلمية التي تعلمناها.

من ثمّ قمنا بجولةٍ حول الموقع،وتأمين الجدران التي من المتوقع أن تسقط، وساعدنا الأهالي بإبعاد جزءٍ من الركام عن الطريق لكي لا يتسبب بحادثٍ مروري، وخاصةً في الليل، حيث لا يستطيع سائقو السيارات والدراجات النارية من تشغيل الإضاءة ليلاً بسبب الطيران الحربي. عدنا أدراجنا إلى مركز الدفاع المدني، وكنت وزملائي نتحدث عن ذلك المشهد حيث يقف الناس فوق الركام فوق ذلك السطح الإسمنتي الضخم وهم لايعلمون أن تحت أقدامهم أطفالاً مايزالون أحياء.”

شعور جميل واحساس رائع ان تنقذ أرواح الناس،فبالرغم من المأساة التي حدثت ولكني كنت وزملائي سعداء بما انجزنا ونجاحنا بانقاذ هذه الأرواح..

حسام بدوي مدير دائرة الدفاع المدني في مدينة بنش انتم ابطال بكل معنى الكلمة تحية لكم وبارك الله بكم وبكل فريق الدفاع المدني.

 

12

برومو الشهيد ناجي الجرف