ملف

عن المدنية والمجتمع المدني

  علي صدر الدين حمودي

مفهوم المجتمع المدني

قام الباحثون باجتهادات كثيرة لتوضيح مفهوم المجتمع المدني والوصول إلى تعريف وافٍ و دقيق، وكما نقل سعيد بن سعيد العلوي (1) أن الجابري يرى أن عبارة المجتمع المدني بالنسبة للغة العربية، تكتسب معناها من مقابلها الذي هو “المجتمع البدوي”، تماماً كما فعل ابن خلدون حينما استعمل “الاجتماع الحضري” ومقابله “الاجتماع البدوي”، كمفهومين إجرائيين في تحليل المجتمع العربي في عهده والعهود السابقة له (أيضاَ اللاحقة)، وبما أن القبيلة هي المكون الأساسي في البادية العربية فإن “المجتمع المدني” سيصبح المقابل المختلف إلى حد التضاد لـ “المجتمع القبلي”.

التعريف الاصطلاحي

يشير حسنين توفيق إلى “المجتمع المدني” على أنه عبارة عن مجموعة من الأبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية التي تنتظم في إطارِها شبكةٌ معقدة من العلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات الاجتماعية في المجتمع، ويحدث ذلك بصورة ديناميكية ومستمرة من خلال مجموعةٍ من المؤسسات التطوعية التي تنشأ وتعمل باستقلاليةٍ عن الدولة.

ووسع سعد الدين إبراهيم (2) لاحقاً مفهوم “المجتمع المدني” بأنه مجموعة من التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمةً في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي.

لكن المعنى الأكثر شيوعاً هو تمييز المجتمع المدني عن الدولة، بوصفه مجالاً للمجموعات والجمعيات المستقلة، مثل جمعيات رجال الأعمال وجماعات الضغط والأندية والعائلات، إلى أن استقرّ الرأي من خلال الدراسات الأكاديمية والميدانية والمتابعة التاريخية لنشأته وتطوره أن (المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها، هذه التنظيمات التطوعية الحرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها أو لتقديم خدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف).

وللمجتمع المدني بهذا المفهوم أربعة مقومات أساسية هي:

– الفعل الإرادي الحر أو التطوعي.

– التواجد في شكل منظمات.

– قبول التنوع والاختلاف بين الذات والآخرين.

– عدم السعي للوصول إلى السلطة.

الأسد الأكبر:

بعد حكم ديموقراطي تعددي قصير الأمد نسبياً، وخلال عهد الجمهورية الأولى، استلم حزب البعث السلطة في سوريا بانقلابٍ عسكري عرف باسم ثورة الثامن من آذار عام 1963، وظهرت عدة خلافات بعد انقلابه داخل أجنحة الحزب نفسها، واستمرت طوال فترة 1963-1970، حيث قام انقلابٌ عسكري آخر عُرف باسم الحركة التصحيحية عام 1970، والتي أوصلت وزير الدفاع، حافظ الأسد إلى رأس السلطة.

أسس الأسد نظاماً قوياً معتمداً على القبضة الأمنيّة داخلياً، وسلسلة من التحالفات خارجياً، والتي ضمنت له أن يكون أطول حاكمٍ للبلاد منذ زوال العثمانيين، انتخب خلالها أربع ولاياتٍ بنسبةٍ رسميّة هي 100% من الأصوات، وكفل دستور 1973 الذي أصدره صلاحياتٍ منقطعة النظير له ولحزبه، ونصّت مادته الثامنة على كون حزب البعث هو (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، هذه المادة التي ومن خلالها حوّل حافظ الأسد عقائده وأفكاره إلى جزءٍ من مؤسسات الدولة والمناهج الدراسيّة واحتكار المناصب العليا، وسلسلةٍ من الامتيازات الأخرى؛ مع شبه غيابٍ للحريات السياسيّة أو الاقتصاديّة، أو حتى منظمات المجتمع المدني، مما جعل سوريا التي كانت يوماً ما مثالاً يحتذى في التجارب المدنية والديمقراطية ودولةً كانت مهيأةً لتنافس دولاً كبرى في التقدم والرقي، إلى دولةٍ جعلها حافظ الأسد تحت رحمة (البعث) الحاكم الأوحد لكل ما هب ودب على الأرض السورية، فانكفأ المواطن على نفسه متناسياً حقوقه وواجباته وصار همّه الأول والأخير الابتعاد عن طريق الأجهزة الأمن، بعد محاولاتٍ كثيرة دفع فيها خيرة شباب سوريا ورجالاتها أعمارهم وحياتهم ثمناً لها، وقضى بعضهم سنواتٍ طويلة امتدت إلى أكثر من عشرين عاماً دونما محاكمات أو تهمٍ واضحة، وتحت رحمة جلادين لا علاقة لهم بالإنسانية، مرت عقودٌ طويلة من القمع والقهر والاستبداد والسياسة التي حولت الشأن العام لملكية عائلةٍ واحدة لم تنشر إلا الفساد والفقر والتخلف وقمع الحريات وتغييب القانون، تحت غطاء قوانين ومحاكم استثنائية يستخدمها الحاكم كيفما يشاء، في ظل سيطرة أجهزة الأمن والمخابرات على كل مفاصل الحياة السياسية وعلى منظومة القضاء كاملةً؛ ابتداءً من أصغر الموظفين وانتهاءً بأكبر القضاة، وفي غيابٍ تام لأي نشاطٍ مجتمعي، وذلك باختزال جميع النشاطات الاجتماعية في منظماتٍ شبه حكومية نفعية مترهلة تحت مسمّياتٍ براقة كثيرة، حيث كانت قوانينها وانتخاباتها تعيَّن من قِبل السلطة، ولا عمل لها سوى أن تكون بوقاً للنظام الحاكم، فأنشأت النقابات والاتحادات والمنظمات التي تندرج تحت تسمية منظمات المجتمع المدني، وبلغ تعدادها في جميع أنحاء سوريا قبل ثورة الكرامة (290)، علماً أن عدد المنظمات في أي مدينةٍ أوربيةٍ صغيرة يتجاوز هذا العدد بكثير، ليبلغ في بعض الأحيان الـ (3000) منظمة، كنقابات العمال والفلاحين والمحاميين والأطباء والاتحادات النسائية والعمالية والطلابية والشبيبة، وإلى ما هنالك من مسمياتٍ لا تمت للواقع بصلة، ولا تحتاج للكثير من البحث لتكتشف كيفية السيطرة الكاملة لحزب البعث على هذه المنظمات، فإن لم يُعلِن اسمها عنها ك (اتحاد شبيبة الثورة الرديفة لحزب البعث العربي الاشتراكي) فهو في المضمون، والمواطن السوري العادي لا يستطيع أن يعرف أن هذه المنظمات هي مدنية، لأن شعار البعث يوضَع في مكاتبها حتى قبل أن تُبنى.

في 1979 انطلقت في البلاد ما عرف باسم (احتجاجات النقابات العمالية)، التي تحوّلت لاحقاً لصدامٍ عسكرٍّي امتدّ حتى 1982، ارتُكبت في ختامه مجزرة حماه ضمن أحداثِ 1979 – 1982.(3).

رحل حافظ الأسد، المالك الرسمي لحزب البعث والدولة والمجتمع، عن عمرٍ رئاسيٍّ يبلغ ثلاثة عقودٍ واستبشر السوريون خيراً بعد فترة ظلامٍ امتدت ثلاثين عاماً، قضى فيها حافظ الأسد على كل مظهرٍ من مظاهر المجتمعات المدنية.

ما بعد الأسد الأب

كان الجو العام خلال فترة حكم الأسد الأب مشحوناً بشكلٍ متطرف بدعاية النظام ومشاركة الإعلام السوري في التكرار اللامتناهي للشعارات والعبارات المضجرة للتأثير على أي انعكاسٍ نقدي محتمل، لجعله أقل صراحة، ودعمت الفترة التي تلت اعتلاء بشار الأسد للرئاسة في عام 2000، أولئك الذين تحدّوا نموذج نظام الأسد، فقد شهدت هذه المرحلة فتوراً في هذا الشكل من الدعاية للنظام، وتضافر ذلك مع صعود وسائل الإعلام العابرة للحدود، وبداية العمل والحراك المدني على الأرض، ومن هنا بدأت أفكار بعض الناشطين تجد طريقاً إلى النور. فبدأت فكرة المنظمات المدنية تأخذ شكلها وتتحول إلى تجارب على أرض الواقع والبداية كانت في عام 2001 في الفترة التي سبقت إعلان دمشق في خطوةٍ قام بها المفكر أنطوان مقدسي (4)، عندما قام بتوجيه رسالةٍ مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد متحدثاً فيها عن رؤيته للحلول وانتقاداته لمظاهر الفساد والسلبية، نُشرت الرسالة المفتوحة عبر جريدة الحياة. فما كان من مها قنوت، وزيرة الثقافة آنذاك، إلا أن تجبره على الاستقالة من منصبه -الذي كان، أصلاً، يشغله بالتعاقد فقط- في مديرية التأليف والترجمة، لأنه تجاسر وكتب رسالةً مفتوحة إلى بشار الأسد، يحثه فيها على تحويل شعب سوريا “من وضع الرعية إلى وضع المواطنة”.

قال في رسالته لبشار الأسد عام 2000 “الوضع العام، وباختصار يا سيدي: انهيار عام، سياسي واقتصادي وأيضاً ثقافي وإنساني. كفانا يا سيدي من الكلام الفضفاض: مكاسب الشعب، انجازات الشعب، إرادة الشعب. الشعب غائبٌ يا سيدي منذ زمن طويل، إرادته مشلولة، تقوم اليوم على تحقيق هدفين: الأول على الصعيد الخاص، أن يعمل ليلاً ونهاراً كي يضمن قوت أولاده. والثانية على الصعيد العام، أن يقول ما يُطلب منه قوله، وأن يتبنى السلوك الذي يُطلب منه (مسيرات، هتافات…). إن الذي يعصم هذا الشعبَ من الدمار، هو أنه يتعايش مع هذا الوضع المتردي تعايش المريض مع مرضٍ مزمن”.

كانت هذه هي الرسالة التي دفع ثمنها المقدسي احمرارَ عين السلطة عليه، وذلك في الوقت الذي لم يكن قد صدر بيان التسعة وتسعين بعد والذي لعب دوراً كبيراً في صدوره، كان هاجسه المجتمع المدني الذي يسميه “الحياة” في مقابل “مجتمع الرعية” الذي يسميه “الموت”، وفي مقالة تبسيطيةٍ سمّاها “إلى حفيدي” يفرّق المقدسي بين المواطنين والرعايا. فالأولون لهم حقوقٌ وعليهم واجبات أما الآخرون فعليهم حقوق، أما ما يكسبونه فمنحةٌ من الحاكم في معظم الأحيان، المواطنون يَنتخبون، أما الرعية فتُستفتى، ومع ذلك فهو يعتبر أن معركةً قد بدأت مع الحكم للانتقال من وضع الرعية إلى وضع المواطنة. ويحدد بداية هذه المعركة ببيان (التسعة وتسعين). وفي مكان آخر يصف المقدسي مطالب المثقفين في هذا البيان بأنها “لا أكثر ولا أقل من إبدال الحكم الشمولي بحكمٍ ديموقراطي” وللوصول إلى ذلك لا بد من “فك الحصار عن الشعب، وإزاحة ثقل الأجهزة السرية”.

كان لابد من الوقوف أمام هذا المفكر، لأنه يُعتبر من المُبشِّرين الأوائل لتجارب الحياة المدنية اللاحقة.

27/9/2000

في منتصف أيلول 2000م وبعد رسالة المقدسي، أطلق النائب السوري رياض سيف في منزله بدمشق منتدى أسماه منتدى (الحوار الديمقراطي)، ولاحقاً في تاريخ 27/9/2000 الذي يعد

من أهم التواريخ في الحياة الاجتماعية والسياسية في سوريا، صدر بيان (التسعة والتسعين) الذي كان له وقعٌ مجلجلٌ أيقظ آلاف المحبطين والبائسين في سوريا.

ثم لم يمضِ سوى ثلاثة أشهر و12 يوماً حتى ظهر بيان (الألف) الذي صدر بتاريخ 9/1/2001 بصوتٍ أعلى وبنبرة تحدٍ يائسة. ثم تتالت المشاكل على رأس بشار وحزب البعث الذي فقد فجأةً أهم دعائم حكمه وهم مشاهير العلمانيين والاشتراكيين في المجتمع السوري.

وقد وقّع على بيان (التسعة وتسعون) -الذي يُعتبر أول مظهرٍ علنيّ على نطاقٍ واسعٍ بعد موت حافظ الأسدـ، يُعبّر فيه عن تذمر المجتمع المدني من القهر والاستبداد، وغياب الديمقراطية والحرية الفكرية ومشاهير العلمانيين السوريين ومنهم: صادق جلال العظم، أدونيس، حيدر حيدر (صاحب رواية وليمة لأعشاب البحر)، وأساتذةٌ جامعيون وكتّاب ليبراليون ومنهم: أنطوان مقدسي، برهان غليون، ميشيل كيلو، حازم العظمة، رضوان قضماني، صهيب طليمات، مالك سليمان، وفيق سليطين، سهيل شعبان، وصحافيون ومحامون وأطباء وفنانون ومهندسون الخ…

وأهم ما جاء في هذا البيان :

– إنهاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية المطبقة فعلياً في سوريا منذ عام 1963.

– العفو عن جميع المساجين السياسيين وسجناء الضمير، وأولئك الملاحقين بسبب أفكارهم السياسية، والسماح بعودة المُرحَّلين والمواطنين المنفيين.

– إقامة دولة القانون، ومنح الحريات العامة، والاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية وحرية التجمعات والصحافة والتعبير.

– تحرير الحياة العامة من قوانين التقييد والإكراه والأشكال المتنوعة من الرقابة المفروضة عليها، بحيث يُسمح للمواطنين بالتعبير عن اهتماماتهم المختلفة، ضمن إطار التناغم الاجتماعي والمنافسة السلمية والتكوين المؤسساتي الذي يتيح للجميع فرصة المشاركة في تطوير البلاد ورفاهيتها.

ما من إصلاحٍ سواء أكان اقتصادياً أو إدارياً أو قانونياً سوف يحقق الهدوء والاستقرار في البلاد ما لم يترافق بشكلٍ كاملٍ مع الإصلاح السياسي المرجو، الذي يمكنه وحده أن يقود مجتمعنا إلى برّ الأمان.

و من الغريب في هذا البيان أنه لا وجود لأسماء أيّ مفكرين أو ناشطين إسلاميين.

بيان الألف الصادر في الصحافة العربية في 9/1/2001

ويقع البيان في ثمانية صفحات، يشرح فيها صوراً من مآسي الشعب السوري وآلامه ومعاناته من فساد نظامه السياسي، وقد استشعر الموقعون أهمية إشاعة مفاهيم الحرية والمساواة وقيم المواطنة وحقوق الإنسان، وأدركوا حجم المخاطر المحتملة التي يمكن أن تنجم عن عجز المجتمع وضعف قدراته على النهوض والتقدم، بفعل تفكك روابطه وعطالة السلطة الشمولية واستشراء الفساد، متطلعين إلى حكمٍ رشيد يتيح فرصاً متساويةً لسائر القوى الاجتماعية في الحياة العامة، وحملت وثيقتهم توافقاً عريضاً على مبدأ الحوار الوطني العام، واتخذت موقفاً إيجابياً من الإصلاح الذي يجب أن يكون شاملاً، وعصبه الأساسي الإصلاح السياسي، وبيّنت هذه الوثيقة أن لجان إحياء المجتمع المدني، لجانٌ مجتمعية مستقلة لا مركزية وغير حزبية، تنبذ العنف والقمع والإكراه وتعتمد الحوار والنضال السلمي سبيلاً لحل المشكلات، وتهدف إلى تنشيط الحياة العامة، واستعادة المواطنين إلى حقل العمل العام والمشاركة الإيجابية، وإلى إعادة إنتاج الثقافة والسياسة في المجتمع بوصفهما شرطين أساسيين من شروط التقدم والبناء الديمقراطي.

ترافقت هذه النشاطات بتزايد ظاهرة المنتديات السياسية والفكرية في مختلف المدن السورية، بمشاركةٍ من مختلف الأطياف، بما فيها شخصيات من حزب البعث، وعلى الرغم من رفض السلطات إعطاء منتدى (جمال الأتاسي) ترخيصاً بنشاطاته، إلا أنه تابع اجتماعاته وأعلن أنه منتدى مستقل عن الأحزاب، وقام بتعيين المحامي حبيب عيسى ناطقاً باسمه، واهتم هذا المنتدى بعد إطلاقه بقضايا السياسة والفكر والثقافة وتعزيز قيم الحوار الديمقراطي، ومارس أنشطته من خلال ندوةٍ شهرية علنية إضافة إلى عددٍ من موائد النقاش المفتوحة.

ومن المنتديات التي لا مجال لذكرها كلها أيضاً منتدى (عبد الرحمن الكواكبي) في حلب، الذي أُغلق في تشرين الأول 2002 بعد منع عبد المجيد منجونة (5) الناطق الرسمي باسم المنتدى من إلقاء محاضرةٍ عن (النّظام الانتخابي في سورية).

لقد تضاعفت المنتديات التي تُعقد في منازل، حيث تُطرح مسائل سياسية ببعض الحرية في أنحاء سوريا ليبلغ عددها ال 70، ولكن سرعان ما تبدل الحال، وقامت السلطات بفرض إجراءاتٍ على هذه المنتديات، وإخضاعها لعددٍ من الشروط، مثل طلب إذن مسبق من السلطات، وتقديم لائحة بالمشاركين، وهذا ما رأى المنظمون أن تلبيته “شبه مستحيلة”.

لكن تجربة المنتديات المفتوحة لم تستمر طويلاً إذ سرعان ما أغلقتها السلطات السورية واحداً تلو الآخر، واعتقلت معظم نشطاء المجتمع المدني المشاركين فيها، وكان منتدى الأتاسي هو آخر منتدى يتم إغلاقه بعد غضِّ السلطات السورية النظرَ عن أنشطته حتى عام 2005 ، وجرى إغلاق المنتدى في ذلك العام بسبب إلقاء الناشط الحقوقي علي العبد الله كلمةً فيه أرسلها المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في سوريا (صدر الدين البيانوني).

وترافق ظهور المنتديات بظهور نشاطاتٍ ومنظماتٍ أخرى تُعنى بالشأن المدني والحقوقي السوري، ففي عام 2005 قام أكثم نعيسة بتأسيس مركز (الشام للدراسات الديموقراطية وحقوق الإنسان في سوريا)، ويُذكر أن ممن كانوا معه في مشروعه: الناشط رضوان زيادة، ورزان زيتونة، وآخرون.

وفي المرحلة ذاتها تطورت الأحداث في بعض المناطق لتندلع فيها احتجاجاتٌ سارع الأسد إلى تطويقها والقضاء عليها كما فعل باحتجاجات أكراد القامشلي والحسكة وحلب، والتي اندلعت لسببين، سبب أساسي تاريخي؛ وهو أن نسبةً كبيرة من السوريين الأكراد لا يحملون الجنسية السورية، ولا يحملون هوياتٍ شخصية، وليس لهم أية حقوقٍ في بلدهم، ولم يستطيعوا عبر تاريخ الأسد الطويل الحصولَ على أقل حقوقهم المدنية، أو إقامة أية نشاطاتٍ وتنظيماتٍ أو أحزابٍ سياسية، كما حوربت ثقافتهم الكردية ومُنعت صحفهم وإعلامهم، مما سبب الاحتقانَ الشعبيّ العام، والرفض لنظام الحكم الذي يلغي حياتهم الاجتماعية والثقافية والمدنية. والسبب الآخر الذي كان الشرارة، هو أحداثٌ وقعت بتاريخ 12 مارس عام 2004 في مدينة القامشلي السوريّة (أقصى شمال شرق سوريا) ذات الغالبية الكردية، والتي أدت إلى مقتل العشرات من الأكراد إثر خلافٍ في مباراة كرة قدمٍ تطوّر إلى مواجهاتٍ عنيفةٍ بين الأكراد وبعض العشائر العربية، سرعان ما تدخّلت فيها قوات الأمن السوريّة، ثم امتدت الاضطرابات إلى بقية المدن التي فيها أكراد، واستمرت ستة أيام، وتُعتبر هذه الأحداث من أسوأ الاضطرابات التي شهدتها المناطق الكردية في سوريا، وكانت حصيلة المواجهات 40 شهيداً وفق مصادر كردية، و25 شهيداً وفق حصيلةٍ رسمية سوريّة، ومئات الجرحى، ونحو 2000 معتقل كردي وفق مصادر الأكراد، مع ادعاءاتٍ عن تعرضهم للتعذيب الوحشي في الأقبية المظلمة لأجهزة الأمن السوري، وما رافقها من هجمةٍ إعلاميةٍ موجهة كالعادة، اتُّهمت فيها جهات كردية خارجية بتحريضٍ من الولايات المتحدة بدعم المتظاهرين لفصل منطقة القامشلي عن سوريا.

ويُذكر من السياسيين الأكراد: عبد الحميد درويش وهو من زعامات الحركة الكردية في سوريا، وهو من أقدم السياسيين الأكراد في سوريا. حيث أسس بالاشتراك مع حمزة نويران وأوصمان صبري أولَ حزب كردي في سوريا عام 1957. وهو نائب الأمين العام لإعلان دمشق الذي ينصّ في أحد بنوده على إيجاد حلٍّ عادل للقضية الكردية في سوريا؛ باعتبارها ثاني أكبر قوميةٍ في البلاد، والاعتراف الدّستوري بالشّعب الكردي. ويرى حزبه أن حلَّ القضية الكردية حلٌّ وطني، وهو جزء من المشاكل الوطنية السورية بشكلٍ عام.

ونلاحظ مما سبق أن النشاط السياسي والمدني شمل كل أنحاء سوريا، ولم يكن وقفاً على جهةٍ أو طائفة أو قومية معيّنة، بل كان الشارع السوري يشهد نشاطاً وانتعاشاً سياسياً ومدنيّاً لم يسبق له مثيل عبر فترة حكم الأسد، نشاطٌ عبّر وبقوّة عن مدى وعي السوريين لأهمية الحياة المدنية والمجتمع المدني من جهة، والاستبداد الذي عاشوه من جهةٍ أخرى.

كان ربيع دمشق هو الجو العام الذي سهّل الطريق أمام الناشطين السوريين على اختلاف ألوانهم لتحقيق الخطوة الأهم في فترة هذا الربيع، ألا وهي (إعلان دمشق).

إعلان دمشق 2005

إعلان دمشق اسمٌ يطلق على الوثيقة التي وقّعت عليها عام 2005 شخصيات بارزة من المجتمع المدني والإسلاميين والليبراليين السوريين، وتدعو إلى إنهاء 35 عاماً من حكم أسرة الأسد لسوريا واستبداله بنظامٍ ديمقراطي.

ووثيقة إعلان دمشق هي الجامعة لقوى التغيير الوطنية المعارضة في سوريا، وتحتوي على بنودٍ أساسيةٍ ترسم خطوطاً عريضةً لعملية التغيير الديمقراطي في سوريا، وكيفية إنهاء النظام الأمني الشمولي الذي سيطر على الشعب السوري ومقدراته أكثر من أربعين عاماً.

تميّز إعلان دمشق بأنه أول إعلانٍ معارض يصدر عن جهاتٍ سورية معارضة في الداخل السوري، بعد أن كانت هذه البيانات من اختصاص المعارضة في الخارج، وينحو هذا الميثاق إلى صيغةٍ توفيقية بين قوى وطنية علمانية متعددة، وحزب الإخوان المسلمين السوري، ومن هنا يأتي تأكيده على أهمية الإسلام كدينٍ للأكثرية، وفي نفس الوقت تأكيده على مساواةٍ شاملة في حقوق المواطنة لكل مواطنٍ سوري، بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الطائفي. يؤكّد الميثاق أيضاً على ضرورة إيجاد حلٍّ عادل للقضية الكردية، مع أنه لا يرسم خطوطاً واضحةً بهذا الخصوص، ويبرّر الموقعون على إعلان دمشق ذلكَ بأنهم لا يملكون بعد تفويضاً من الشعب السوري لبحث مثلِ هذه المواضيع مع الأقلية الكردية، لكن التفاوض سيحلّ كل مشكلةٍ بعد إجراء انتخاباتٍ ديمقراطية، والتخلص من النظام الأمني السوري.

وُقِّعَ الإعلان في أكتوبر 2005 من قِبل التجمع الوطني الديمقراطي في سوريا بأحزابه الستة (حزب الشعب الديمقراطي السوري – الاتحاد الاشتراكي – إلخ..)، والتحالف الديمقراطي الكردي في سوريا، ولجان إحياء المجتمع المدني، والجبهة الديمقراطية الكردية في سوريا، وحزب المستقبل، واللجنة السورية لحقوق الإنسان، وشخصياتٍ مستقلة تضم كلاً من رياض سيف، وميشيل كيلو، المفكر الإسلامي جودت سعيد، عبد الرزاق عيد، سمير النشار، وفداء أكرم الحوراني، عادل زكار، وعبد الكريم الضحاك، المحامي هيثم المالح إضافةً إلى نايف قيسية. كما قامت أحزابٌ سوريّة أخرى بضم صوتها إلى الموقعين خلال الاحتجاجات السورية سنة 2011، مثل المنظمة الآثورية الديمقراطية، وأحزاب كردية أخرى.

من جانبها أعلنت جماعة الإخوان المسلمون في سوريا برئاسة علي صدر الدين البيانوني، التي تتخذ من لندن مقراً لها “تأييدها الكامل لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، ممهداً لانعقاد المؤتمر الوطني الشامل، ومدخلاً للتغيير”.

طبعاً كالعادة واجه النظام هذا الحراك الشعبي بوحشيةٍ وحملاتٍ اعتقالات طالت الكثيرين، وكان لها صدًى كبير على نطاق واسع عربياً وإقليمياً، وقد نددت منظمة “هيومن رايتس ووتش” المعنية بمراقبة أوضاع حقوق الإنسان ومقرها نيويورك في بيان لها، نددت بموجة الاعتقالات في سوريا التي استهدفت نشطاء المعارضة المنتمين إلى ما يُعرف “بإعلان دمشق”.

وقد اتهم مدير الشرق الأوسط في المنظمة (جو ستروك) في بيانٍ له السلطات السورية “بمعاملة هؤلاء النشطاء كالمجرمين، لأنهم يدعون إلى التغيير السلمي والديمقراطي”. وأشار البيان إلى أن معظم المعتقلين وجِّهت إليهم تهم “إضعاف الروح الوطنية”، و”نشر أخبارٍ كاذبة أو مضخمة تؤثر على الدولة”، و”التحريض على الصراع الطائفي”. ونقل البيان عن محامي المعتقلين إبلاغ موكليهم قاضي التحقيق تعرضهم خلال الاستجواب إلى “اللكم على الوجه، والصفع والرفس من قبل مسؤولين في أجهزة الأمن”، وقد أعربت المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في سوريا عن قلقها البالغ إزاء اتساع نطاق الاعتقالات في سوريا المستندة لإعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية في البلاد، والمستمرة منذ 45 عاماً، وطالبت المنظمة بطيّ ملف الاعتقال السياسي، والإفراج فوراً عن جميع السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي؛ بمن فيهم نشطاء إعلان دمشق، وهذا ما لم يحدث، وكما القشة التي قصمت ظهر البعير انفجر الصمت في الشارع السوري مجدداً بعد هذه الحملة التي قضت تماماً على أي نشاطٍ أو عملٍ على أرض الواقع. وانتهى الأمل في التغيير مع نظامٍ قتل كل محاولات الارتقاء بحياة المواطن السوري، وأصيب الحراك المدني بإغماءةٍ لم يستيقظ منها إلا على صراخ أطفال درعا.

1ـ سعيد بن سعيد العلوي وآخرون، المجتمع المدني في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1992، ص41.

سعيد بن سعيد العلوي. كاتب واكاديمي مغربي.

محمد عابد الجابري، مفكر وفيلسوف عربي من المغرب، له 30 مؤلفاً في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها “نقد العقل العربي” الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية. ويكيبيديا.

2- سعد الدين إبراهيم: أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية. ولد في قرية بدين مركز المنصورة في دلتا مصر. يعتبر من أقوى الدعاة إلى الديموقراطية في العالم العربي.

3- التقرير الوطني للتنمية البشرية، الهيئة العامة لرئاسة مجلس الوزراء بالتعاون مع برنامج التنمية للأمم المتحدة.

4- أنطوان مقدسي (1914 ـ 2005م) مفكر وفيلسوف سوري ولد في مدينة يبرود شمال العاصمة دمشق.

5-عبد المجيد منجونة معارض سوري ومعتقل سابق من عام 1980 حتي عام 1990 على خلفية مشاركته في إضرابات نقابات المهن العلمية في سوريا.

1 2 3

برومو الشهيد ناجي الجرف