ملف

مؤسسات المجتمع المدني في الداخل بين الطموح وعوائق العمل

مصطفى عبدي

تلعب مؤسسات المجتمع المدني دورا مهما في مجالات بناء مجتمع قوي قادر على أداء مهامه في تعافي من حالة الديكتاتورية ورفده بالمشاريع التنموية والثقافية التي تحقق له النماء والازدهار، ضمن رؤية نشر ثقافة الحوار والعمل على تقديم كل ما من شأنه خدمة الناس.

وتأتي الرغبة في تأسيس إطار يعبر عن طموح الناس الذين للتو بدأو يشعرون بوجودهم وكيانهم، ضمن أطر تؤمّن لهم فسحة من الحرية والنشاط لاختيار وتعليم الدروس والاستفادة من الخبرات، وتعلم أصول الإعلام وماهيته وأصول الإدارة على أنه علم لا يمكن الخوض فيه دون معرفة قواعده وكيفيّة الدفاع عن أنفسهم في ظل التحولات الكبرى ولا سيما في زمن الثورة السورية وتحولاتها البعيدة عن اتباع إيديولوجية أو منبع لموقف سياسي ما، ضمن إطاراً يحقق لهم الاستقلالية حتى يستطيعوا أن يكونوا بمثابة جسر تواصل بين أصحاب الخبرات والناس.

وفي السياق السوري الحالي فإن غالبية المنظمات الغير الحكومية المنشأة حديثاً جاءت في حالة مخاض قيصرية وتعاني من الكثير من التخلخل نتيجة طول فترة الثورة وغياب أي أفق تنظيمي جامع وبنائي مدرب، ورغم ذلك فهي ضرورة في المجتمع السوري بعد مرحلة عصيبة من الصراع إذ يمكن لتلك المنظمات أن تمهد الطريق إلى انتقال سلس للسلطة عبر توفير الهياكل الإدارية المحلية البديلة وتقديم الخدمات الملحة في المجتمع كذلك في فتح باب الحوار وندوات المصالحة الوطنية. فقد تكون تلك المنظمات البديل الوحيد للسلطة في الفترة الانتقالية فيما بعد الحرب.

كيفية بناء شبكة قوية ومتكاملة من منظمات المجتمع المدني داخل سوريا

يتطلب إنشاء منظمات المجتمع المدني في الداخل استراتيجية وخطط قوية ومتكاملة نتيجة عقود الاستبداد والديكتاتورية التي حكمت سورية منذ العام 1958 الأمر الذي أدى إلى تغييب “المجتمع المدني” ونبضه، فعلى الرغم من تسجيل عدد كبير من محاولات البناء لكنها في الاجمال تفتقر الى الخبرة الادارية والتنظيمية وغياب مشاريع وأفق العمل مع التركيز على الكم دون النوع، إضافة إلى البعد عن العمل المؤسساتي، فتقع تلك المنظمات في الغالب في شرك اخطاء تنظيمية وأخطاء في تأدية العمل وغياب الفئة المستهدفة.

شروط عمل المنظمات الغير حكومية

يقول عمر شيخموص/ الناشط في مجال بناء المؤسسات المدنية أنه حتى تكتسب أية منظمة صفة “مجتمع مدني” يجب أن تخضع لعدة أسس وقواعد عمل متفق عليها بشكل وهي: أن تكون مستقلة، غير حكومية, غير تجارية او هادفة للربح، ان تتبنى القيم والمبادئ الإنسانية العالمية المشتركة؛ ان تكون مسجلة رسميا، وان تملك خطة عمل واضحة وأن يكون لديها الموارد المطلوبة لتنفيذ تلك الخطة, كذلك تمتلك جاهزية الرد قي حال المسائلة, اضافة الى قواعد هيكلية وتنظيمية /وجود مقر دائم، نظام داخلي../

واقع مؤسسات المجتمع المدني في سورية

للجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني في سورية تاريخ طويل فأول جمعية تأسست في دمشق تعود إلى عام 1880، وهي جمعية ميتم قريش الخيرية، حيث بدأت الجمعيات على شكل نشاطات أهلية يقوم بها الناس بدافع ذاتي وعلى أساس الشعور بالواجب وعمل الخير.

ثم تطور عملها تبعاً للتغيرات السياسية والاقتصادية، وخاصة بعد الاستقلال من الاستعمار الفرنسي. وبعد أن وضعت دراسات عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في سورية سنة 1957 بمساعدة فنية من مكتب العمل الدولي، صدر قانون التأمينات الاجتماعية رقم 92 لعام 1959. ثم تتالت القرارات والمراسيم حتى تم تأسيس العديد من الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي قام بها الأهالي، حتى انتكس عمل الجمعيات الأهلية في مرحلة ما يمكن تسميته بمرحلة “الإشراف والمراقبة”، حيث كلّفت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالإشراف على مختلف نشاطات وأعمال الجمعيات والمؤسسات الخيرية والتوجيه لها، وفي حكم البعث عام 1974 تم التضييق أكثر على عمل الجمعيات من خلال إصدار أنظمة  تشمل ثلاثة عشر بنداً يتوجب على الجمعيات الأهلية العمل بموجبه.

ومع اندلاع الثورة السورية 2011 كانت مشاركة منظمات المجتمع المدني بسيطة لا تتعدى مرحلة التنظيم. ولكن مع طول أمد الثورة وقيام النظام باستخدام كافة الوسائل المنافية للأخلاق ولمبدأ الإنسانية بدأت هذه المنظمات في الظهور لسد الفراغ الذي حدث في ظل غياب الدولة في معظم مناطق سورية ولتأدية دور مهم في مساعدة الناس أو ظهرت كرد فعل على الكبت الثقافي الطويل الذي مارسه النظام. وبرزت الحاجة إلى نشاط هذه المنظمات باعتباره جناحاً آخراً للثورة غير الجناح العسكري يختلف عنه بأسلوبه ويتفق معه بالهدف. فمن المفترض أن تشكل منظمات المجتمع المدني شبكات حاملة للمجتمع في المرحلة الراهنة وفي المرحلة الانتقالية القادمة، هذه الشبكات التي تحمي الوطن والمواطن من الضياع والسقوط في الفوضى.

عوائق العمل المدني في سوريا:

شهد نطاق المجتمع المدني وحجمه وقدرته توسعا ً مهما في جميع أنحاء العالم في السنوات العشر الأخيرة، مدعوماً بعملية العولمة واتساع نطاق نظم الحكم الديمقراطية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والتكامل الاقتصادي. ويكتسب العمل الاجتماعي التطوعي أهميته ولاسيما مع زيادة تعقيدات الظروف الحياتية وزيادة احتياجات السكان إليه، الأمر الذي أستوجب وجود جهة خارجية تساند هذه المنظمات وتكمل دورها لتلبية هذه الاحتياجات ولكن دور هذه المؤسسات في أحيان كثيرة يعد دورًا سباقًا وليس تكميليًا في معالجة بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها لا سيما في ظل ثورات الربيع العربي وفي ظل غياب كلي أو جزئي للدولة.

إذا فالحديث عن دور للمجتمع المدني حاضرا ومستقبلا يتطلب نظرة ثنائية الاتجاه أحدها يتجه نحو دور هذه المنظمات في صنع السياسات والأخرى نحو تنفيذها لترتبط كلا النظرتان الأولى والثانية شرطيا وذهنيا بأهمية الشريك الأساسي في عملية صنع هذه السياسات أو تنفيذها وهو الدولة.

ومن خلال متابعة عدد من الأبحاث والمقالات التقويمية المنشورة عن واع عمل وأداء العمل المدني في سوريا يمكننا الاستخلاص إلى أن عدم وضوح آلية عمل المنظمات وتداخل في الاختصاصات وعدم وجود أدوار جديدة محددة يشكل عائقاً أمام العمل إضافة إلى أن عدم وضوح العلاقة بينهم وبين المنظمات السياسية الأمر الذي قد يؤدي إلى خلخلة في الأداء.

كما وأن التركيز الحصري للمنظمات على تقديم الخدمات بما ينطوي على هذا من أخطار تتهدد المجتمع المدني بتغييب دوره عن مجالات صنع السياسات العامة، مع غياب التنسيق بينها وبين المنظمات والسلطات السياسية (الحكومة المؤقتة)، إضافة إلى قلة الوعي والخبرة السياسية والتنظيمية للقائمين على عمل هذه المنظمات، وارتباط معظمها بالخارج وهذا يؤثر مستقبلا في سير عملها.

ويلاحظ عدم وضوح العلاقة بين السياسة ومنظمات المجتمع المدني، وأن هناك حاجة ماسة وضرورية إلى إيجاد أدوار جديدة ومحددة لمنظمات المجتمع المدني للقيام بها فيما يخص السياسة الوطنية للسكان. وإن التركيز الحصري للمنظمات على تقديم الخدمات بما ينطوي على هذا من أخطار تتهدد المجتمع المدني بتغييب دوره عن مجالات صنع السياسات العامة.

لقد أصبح واضحا اليوم لجميع المهتمين بالقطاع الأهلي في سوريا أن الإبقاء على الدور الخيري القديم للجمعيات واعتبارها مجرد وسيط بين المانح والممنوح، عبر تنظيمهما لأدوار العمل الخيري والاكتفاء بتقديم المساعدات إلى المحتاجين، لم يعد يلبي الحاجات الاجتماعية المتجددة. ومع الاحترام للجهد الذي بذلته هذه الجمعيات تاريخيا في تقديم الخدمات الصحية والمعونات المالية للأســر الفقيرة، إلا أن الدور المطلوب منها اليوم يتجاوز توزيع المساعدات وأموال الزكاة والتبرعات على المحتاجين والفقراء. فالإسهام في معالجة مشكلة الفقر أو البطالة أو الأمية مثلا يتطلب اليوم الارتقاء بعمل الجمعيات لتصبح قادرة على المساهمة الفعالة في عملية التنمية وتشارك في معالجة مشكلات البطالة أو الفقر عبر توفير فرص عمل جديدة مثلاً، أو إتاحة الفرصة لذوي الدخل المحدود زيادة إنتاجيتهم. وإن الأهم باختصار هو الانتقال من الأدوار العلاجية للنتائج السلبية الناجمة عن سوء توزيع الدخل، إلى المساهمة في رسم وتنفيذ سياسات وقائية تعيد النظر في آليات وأساليب توزيع الدخل ضمن المجتمع.

وكي تتمكن الجمعيات والمنظمات المدنية المختلفة من تأدية دورها التنموي، سواء كان اقتصاديا أو اجتماعيا أو تثقيفيا، فإنها تحتاج إلى تحديث القوانين الناظمة لعملها، سواء لجهة علاقتها بالدولة أو لجهة علاقتها بالفئات المستفيدة. وهو ما يتطلب أنظمة وقوانين جديدة تتصل بتنظيم مجالس إدارتها وتحديد الجهات المشرفة على عملها ومصادر تمويلها بما يتناسب مع مهامها الجديدة.

كسر جليد عمل منظمات الداخل:

 

حين التوجه إلى الداخل ومتابعة نشاط غالبية المنظمات نجدها تفتقر إلى آليات المعرفة والتنظيم، نتيجة غياب إحصائيات عن عددها ودورها ومدى حاجة الفرد والمجتمع لوجودها، ومن هنا كان من المهم أن يتم العمل على بناءقاعدة بيانات شاملة لمنظمات المجتمع المدني والعمل الأمر الذي يسهل وضع آلية واضحة المعالم لشراكة حقيقية مع منظمات المجتمع المدني.

كما انه من المهم في العمل إعادة النظر في استهداف السياسة الوطنية للسكان وبرنامج العمل السكاني الحالي بمشاركة فاعلة من قبل منظمات المجتمع المدني ذات الصلة بالعمل السكاني لتقييم الوضع السكاني والتحديات المستقبلية على مستوى القطاعات كالتعليم والصحة والبطالة والمياه .

ويلعب انخراط هذه لمنظمات في عملية وضع السياسات العامة، والرقابة على تنفيذ السياسات وإدارة الخدمات العامة، ودعم المشاركة المجتمعية العامة في عملية صنع القرار دورا جوهريا في تفوق أداء المعارضة بهدف التوصل إلى وضع رؤية مشتركة حول السياسة الوطنية للسكان، وتعزيز علاقات التعاون بين منظمات المجتمع المدني المختلفة، والاعتراف بدورها بوصفها قطاعا فاعلا ومستقلا لا بصفتها “الجهات المستفيدة” من التمويل.

ومن هنا فإن عقد مؤتمر وطني تشارك به كل الاطراف من أجل وضع خطة عمل تحدد دور كل الأطراف المعنية بالقضية بهدف الالتقاء حول رؤية وأهداف مشتركة لمختلف القضايا مع كل الأطراف ويسهل وضع آليات محددة وفقا لاهتمامات كل منظمة ونطاق تدخلها الجغرافي، وتطوير آليات التشبيك مع المنظمات ذات الصلة على المستويين المحلي والإقليمي.  كما وأنه من المهم عقد ندوات وورش العمل دورية دورية لمناقشة المعوقات والإخفاقات والنجاحات مع مختلف الجهات ذات العلاقة. اضافة الى الاستفادة من قوة منظمات المجتمع المدني وعلاقاتها لترسيخ التقارير والخيارات الأساسية بشأن قضايا محددة مع ضمان المساءلة والشفافية ومكافحة الفساد وايجاد شراكات فاعلة مع القطاع الخاص تتجاوز المساهمات المالية للجهات المانحة.

ويمكن تعزيز قدرة منظمات المجتمع المدني من خلال زيادة التمويل لمشاريع البنية التحتية والبرامج التنموية. وتنويع وتوسيع نطاق الدعم لمنظمات المجتمع المدني على المستوى المحلي في المناطق الحضرية والريفية. وتمكين منظمات المجتمع المدني من خلال بناء القدرات، والعمل مع القاعدة الشعبية، وبناء التحالفات، وكسب التأييد.

4 5

 

 

برومو الشهيد ناجي الجرف